بغداد / وكالة يقين:
أصدرت "هيئة علماء المسلمين في العراق" تقريراً دورياً موسعاً يسلط الضوء على أزمة الفساد المستشري في البلاد منذ عام 2003، محذرة من تحوله إلى "اقتصاد موازي" ومنظومة بنيوية معقدة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والميليشياوية، وتستنزف الموارد الضخمة لأحد أبرز البلدان المنتجة للنفط عالمياً.
منظومة اقتصادية موازية
وأشار التقرير إلى أن الفساد في العراق تجاوز المخالفات الإدارية الفردية ليصبح شبكة متكاملة تعيد تدوير الأموال المنهوبة عبر مشاريع وهمية وعقارات وأسواق غير نظيفة. وأوضح الخبراء والمصادر الرسمية الموثقة التي استند إليها التقرير أن مئات مليارات الدولارات قد أُهدرت أو هُرِّبت إلى خارج البلاد، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بشكل كلي على العائدات النفطية وسط تراجع حاد في جودة الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
اعترافات رسمية وتقارير أممية
استعرض التقرير حزمة من الشهادات والاعترافات الرسمية والدولية؛ بدءاً من تقارير الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، وصولاً إلى تصريحات مسؤولي لجان النزاهة والجهات الرقابية السابقة والحالية. ولفت التقرير الانتباه إلى تقديرات أممية ورسمية تشير إلى أن حجم الأموال المفقودة أو المهربة منذ عام 2003 يتراوح بين مئات المليارات وتجاوز حاجز التريليوني دولار في بعض التقديرات القضائية، فضلاً عن رصد ديوان الرقابة المالية لمبالغ ضخمة تحت مسمى "السلف غير المسددة".
جذور الأزمة: المحاصصة والنفوذ المسلح
أكدت هيئة علماء المسلمين في تقريرها أن نظام "المحاصصة الطائفية والحزبية" الذي أُسس بعد عام 2003 هو المحرك الأساسي لاستمرار الفساد، لكونه يمنح الغطاء السياسي للمفسدين ويعطل آليات المساءلة. كما تطرق التقرير إلى تداخل نفوذ الجماعات المسلحة والميليشيات خارج إطار مؤسسات الدولة في قطاعات حيوية مثل المنافذ الحدودية، وتهريب النفط، والمكاتب الاقتصادية، والاستيلاء على العقارات والأملاك العامة، مشيراً إلى العقوبات الدولية والأمريكية التي طالت شخصيات نافذة بتهم الفساد وابتزاز السكان.
الحملات الحكومية.. بين الشكل والمضمون
وفي قراءتها لحملات مكافحة الفساد الأخيرة التي أطلقتها الحكومة العراقية الحالية، رأت الهيئة أن هذه الإجراءات المحدودة والاعتقالات التي تتركز في المنطقة الخضراء غالباً ما تفتقر إلى القدرة على تفكيك البنية التحتية للفساد، مرجحة أن تستمر سياسة الانتقائية وتوظيف الملفات في الصراعات السياسية ما لم يتم إنهاء نظام المحاصصة، وضمان استقلال القضاء الحقيقي، وحصر السلاح بيد الدولة، وتطبيق القانون بشكل متساوٍ على الجميع دون استثناء.