بعد جولات مكثفة من الاجتماعات في العاصمة العراقية بغداد، اصطدم قادة التحالف الحاكم بواقع سياسي معقد أثبت عجزهم عن إبرام تسوية حقيقية مع ممثلي الفصائل المسلحة الموالية لإيران بشأن ترتيبات ما بعد الانسحاب الأميركي، وفي مقدمتها ملف السلاح خارج نطاق الدولة.
وجاءت الهجمات الأخيرة التي انطلقت من جنوب العراق نحو منشآت نفطية سعودية لتؤكد مخاوف المراقبين، عاكسةً صورة سياسيين يبحثون عن أدوار في مسرح لا يمتلكون أدوات التحكم بمشاهده.
تكشف مصادر خاصة ومسؤولون مطلعون أن الفصائل المسلحة نجحت – بدعم إيراني مكثف قاده رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف – في تحييد الضغوط السياسية المفروضة على حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، وإفراغ خطة حصر السلاح من مضامينها الفعلية.
وعلى مدى أسابيع، خاضت لجنة التفاوض الحكومية المتمثلة برؤساء الوزراء الأسبقين والحاليين (نوري المالكي، ومحمد شياع السوداني، وهادي العامري) مباحثات طويلة لتسوية تقوم على مبدأ "عدم استخدام السلاح بشرط عدم التفريط به". ورغم هذه الصيغة الشكلية، مرر ممثلو الفصائل – دون معارضة تذكر من كبار المفاوضين – "قنبلة موقوتة" تنص على اعتبار أي اتفاق ملغياً فوراً في حال تجدد الحرب ضد أي طرف إقليمي أو تعرض الحلفاء لتهديد وجودي.
وتوصل الجانبان إلى جدول زمني يمتد حتى مطلع عام 2028، يبدأ بدمج مقاتلي الفصائل كألوية ضمن "الحشد الشعبي" دون تسليم السلاح (بين سبتمبر وديسمبر 2026)، يعقبه انسحاب تدريجي للقوات التركية، وصولاً إلى تشكيل لجنة رباعية للمراقبة. غير أن هذا الجدول، بحسب مراقبين، لا يعدو كونها مناورة لـ "شراء الوقت" بناءً على توجيهات إيرانية واضحة لمنع واشنطن من تحقيق مكاسب سياسية عبر دعم حكومة الزيدي.
في غضون ذلك، يواجه رئيس الحكومة علي الزيدي عزلة سياسية متزايدة، وسط شعور عام بخيبة الأمل حيال قدرة الدولة على فرض سلطتها القانونية. وفي اجتماعات مغلقة، أقر الزيدي بانحياز لجنة التفاوض، مبدياً تحفظه على جدوى الاعتماد عليها، في حين يرى مقربون منه أنه قرر التراجع بحذر دون التخلي كلياً عن مشروع استعادة هيبة الدولة.
بموازاة ذلك، فشلت الحوارات الثنائية التي قادها الزيدي مع قيادات بعض الفصائل عبر عرض "امتيازات مدنية" ووظائف حكومية مقابل تسوية ملف السلاح؛ إذ تشترط الفصائل ضمانات قضائية بعدم الملاحقة، معتبرة مواقعها الإدارية استحقاقاً مستحقاً لدورها السابق، في حين ترفض فصائل أخرى مثل "كتائب حزب الله" الانخراط في أي حوار وسط أزمة ثقة عميقة.
عكس المزاج الدبلوماسي الحالي حالة من اليأس المتسرب إلى العواصم الغربية؛ إذ نقل مسؤولون أمريكيون وعرب انطباعات بأن العملية السياسية في العراق باتت تسير بلا كوابح. وفي لقاء مع مسؤول كردي رفيع المستوى في أربيل، تشبيه الوضع السياسي بـ "حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح"، مع تنامي التحذيرات من أن واشنطن تنظر إلى ترسانة الفصائل باعتبارها تهديداً استراتيجياً لا يمكن التساهل بشأنه، مما يضع بغداد أمام مفترق طرق خطير بين الالتزام بسلطة الدولة أو الانزلاق نحو فوضى الإقليم.
المصدر : الشرق الأوسط + يقين