البرلمان الحالي في العراق، يحمل كل الصفات الشكلية لنظرائه في العالم لكنه في جوهره لا يعدو كونه منصة لتبادل الاتهامات، وواجهة للمساومات، فقراراته لا تنفذ؛ وما يخرج منها للنور يكون بلا ريب عبر صفقة مشبوهة تمت من وراء ستار، وما يطرح من استجوابات لا يتحلى بأية مهنية ولا يكون الغرض منه سوى المكايدة السياسية ، والاتهامات المتبادلة تهدف لإحراج الخصوم في العلن ، وابتزازهم بمساوامات وصفقات في الخفاء.
استخفاف العبادي بالبرلمان
الكشف عن الفساد في هذا البرلمان لا ينذر بالمحاسبة عليه وإنما بالمساومة لنيل الحظ من كعكة أموال الشعب العراقي المغلوب على أمره، أما إن خلا الأمر من الاستفادة والصفقات فلا يكون مصير الاستجوابات والأسئلة المطروحة بالبرلمان الحالي سوى التجاهل التام وعدم الاكتراث ، وهو ما تبين مع اتهام التحالف الكردستاني لرئيس الوزراء الحالي "حيدر العبادي" بالاستخفاف بالبرلمان .
العبادي وفق عضو ما تعرف باللجنة القانونية في البرلمان الحالي عن التحالف الكردستاني "زانا سعيد" ، تجاهل حضور جلسة عقدت لتوجيه سؤال إليه ، بما يؤكد قناعة المسؤولين الحاليين بضعف وهشاشة البرلمان الحالي وعدم اكتراثهم به ، فيما يشير ذلك الى تصاعد الخلافات والتجاذبات بين الكيانات السياسية والحكومية الحالية بسبب تضارب المصالح بينهم.
سعيد قال إنه وجه سؤالا شفهياً إلى حيدر العبادي بشأن تمثيل المكونات في مؤسسات الحكومة الحالية ، وطالبه بالحضور للبرلمان لبيان مدى تطبيق هذه المادة الدستورية في كل وزارة وهيئة حالية ، إضافة إلى سؤال آخر لبيان الدرجات الخاصة والمناصب السيادية التي تدار بالوكالة الموجودة منذ عهد الحكومة السابقة واستمر العبادي على نفس نهجها.
الدائرة البرلمانية حددت جلسة يوم 27 شباط فبراير موعدا لحضور رئيس مجلس الوزراء الحالي وتم تبليغه بكتاب رسمي من هذا البرلمان الوهمي ، فما كان من العبادي سوى إلقاء سؤالهم في سلة المهملات وتجاهل الأمر برمته دون مبرر أو توضيح أو اعتذار، ما أثار سعيد الذي وصف الأمر بالاستخفاف الواضح بما اعتبرها السلطة التشريعية.
الصفقات طريقة تسوية الخلافات بالبرلمان
تسوية الخلافات واختلاسات الأموال في هذا البرلمان الشكلي في الحقيقة لا تتم الا عبر الصفقات المشبوهة ، التي يكون اعضاء البرلمان جزءا رئيسيا فيها ، فمحافظ صلاح الدين الحالي "أحمد الجبوري" على سبيل المثال اعترف بوجود صفقة فاسدة أبرمت بين عضو لجنة النزاهة في البرلمان الحالي "مشعان الجبوري" ومحافظ صلاح الدين السابق "رائد الجبوري" لتسوية قضية اختلاس أموال دائرة صحة المحافظة التي كان الأخير مديرها قبل تسلمه منصب المحافظ .
الجبوري صرح بأن مشعان الجبوري ووفق مصادر دقيقة قام باصطحاب المحافظ السابق رائد الجبوري الى محكمة الرصافة من اجل التوسط وإغلاق ملفه بالكامل ، مشيراً الى ان المعلومات تفيد بتنازل رائد الجبوري عن شقة ملك لمشعان وإعطائه مبلغ مليون ونصف المليون دولار من اجل تسوية القضية.
القضية هنا واضحة فالبرلمان واعضاءه ولجانه منخرطون في الفساد ومشاركون فيه وتسوية الخلافات تكون في الغرف المغلقة، اما المكايدات السياسية تكون في العلن فبحسب شهادة احمد الجبوري فإن مشعان الجبوري قدم شكوى ضد المحافظ السابق واتهمه بالفساد وسرقة أموال المحافظة.
المتابع للمشهد السياسي في العراق يجد نفسه أمام حقيقة اختفاء دور الأسئلة والاستجوابات لصالح الصفقات والعمولات ، فلا شيء يدار بشكل قانوني ولا مسألة تطرح لرغبة في الإصلاح وحينما تقتضي الضرورة أمرا فإن الاتفاقات السياسية بين الفرقاء المختلفين تكون الفيصل والحكم لا سيما مع قرب الانتخابات والصراع على المناصب ، فالأحزاب والكتل الحالية أبرمت صفقة لإطلاق سراح 30 قياديا من ميليشيا جيش المهدي التابعة لزعيم ما يعرف بالتيار الصدري "مقتدى الصدر" ، وذلك في ظل سعي كل طرف إلى تحقيق مكاسب مادية وسياسية من خلال الانتخابات المقبلة.
القضاء الحالي بدأ بإطلاق سراح 30 معتقلا من ميليشيا جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر ، بعد صفقات مشبوهة بين الأحزاب الحالية قبيل الانتخابات القادمة، ما ينذر بتزايد الانفلات الأمني في العراق ، هنا يختفي دور البرلمان وتظهر الصفقات محركا رئيسيا لكل ما يجري .
عدم جدوى الاستجوابات بسبب الضغوط والصفقات السرية
اللجنة القانونية في البرلمان الحالي كانت على علم بهذه الحقيقة لكن الجديد هو إخراجها للعلن بهذه الصورة الفجة بعدما اعترفت بعدم جدوى بعض الاستجوابات الحالية في البرلمان لعدم مهنيتها ، ما يؤكد ان الكثير من هذه الاستجوابات تكون شكلية وغير حقيقية وتشوبها الصفقات مع رئاسة البرلمان الحالي.
عضو اللجنة القانونية في البرلمان الحالي عن كتلة المواطن التابعة لائتلاف الحكيم "سليم شوقي"، أوضحت بشكل لا يدع مجالا للشك ان هناك استجوابات قدمت الى هيئة الرئاسة تتعلقبوزارات التجارة والصحة والزراعة والتربية والنقل الحالية، اضافة الى هيئات أُخرى لكنها لا تتمتع بالمهنية وليست استجوابات حقيقية .
حقيقة أدركها جيدا ائتلاف ما يعرف بدولة القانون الذي يتزعمه "نوري المالكي" حينما أقر بأن الضعوطات والصفقات السرية أفشلت جلسة استجواب لرئيس هيئة الإعلام والاتصالات الحالي "صفاء الدين ربيع " غيابيا ، في اعتراف واضح بنهج عمل المافيات الذي يتبعه الفرقاء الحاليون في إدارة المؤسسات السياسية في البلاد.
رئاسة البرلمان الحالي كانت قد تراجعت ، عن استجواب رئيس هيئة الاعلام والاتصالات الحالية "صفاء الدين ربيع " بشكل مفاجئ ولاسباب مجهولة ، لاسيما بعد ان تم التصويت بالاجماع خلال جلسة على استجوابه غيابيا ، لثبوت تورطه بقضايا فساد مالي واداري كبيرة وهدر للمال العام ، مايعكس التواطئ بين الجهات السياسية الحالية في التغطية على فساد بعضهم البعض .
عضو ائتلاف المالكي "حنان الفتلاوي " ، قالت إن تعذر رئيس هيئة الاعلام والاتصالات الحالي وعضو ما يعرف بالتيار الصدري " صفاء الدين ربيع" عن حضور فقرة استجوابه داخل البرلمان، ماهو الا ذريعة للتهرب من الاستجواب مضيفة أنه بعد المباشرة بالاستجواب الغيابي لربيع اثيرت اشكاليات، دفعت المجلس لتأجيل الاستجواب تحت الضغوطات.
الفتلاوي أشارت إلى انه هناك معلومات عن صفقات سرية عقدت خلال جلسة الاستجواب ، وتمكنت من افلات "ربيع " منه ، مؤكدة انه في حال عدم حسم موضوع الاستجواب، فإن "ربيع" سيستمر بفساده وسيخسر العراق من خلالها مليارات الدولارات في جيب رئيس الهيئة.
الضغوطات والصفقات السرية المشبوهة والمساومات جعلت الشعب العراقي لا يأبه لكثير من الاستجوابات التي يطرحها هذا البرلمان الفاشل في نظرهم ، فالفساد ينخر في كل مكان وما إن يثبت بأدلة قاطعة حتى يهرع البرلمان لاستجواب المسؤول ثم سرعان ما تعقد الصفقات فيتبخر كل شيء ويعود السارق لسرقته والمواطن لخيبته من هذه المؤسسات البالية .
الشعب إذاً وفق هذه المعطيات لا يأبه كثيرا لما يتحدث به أعضاء لجان البرلمان عن استجواب هذا الوزير او ذاك ، وحديث رئيس لجنة ماتعرف بالخدمات البرلمانية عن استجواب وزير النقل الحالي "كاظم فنجان" على خلفية وجود خروقات للقوانين ولتورطه بملفات فساد مالي واداري كبيرة لن يعدو مجرد حرب كلامية الهدف منها جر المسؤول الفاسد إلى خانة ضيقة يضطر فيها لتقاسم سرقته مع المتربصين له وحين يقبل بهذا الأمر فإن استجوابه لن يرى النور أو سيتحول لإجراء شكلي لا يغير في الواقع من شيء .
رئيس لجنة ما تعرف بالخدمات والإعمار "ناظم الساعدي" في البرلمان الحالي حاول إيهام الناس بجدية لجنته وقرر استجواب وزير النقل على خلفية خروقات للقوانين من قبله ، اضافة الى شبهات وملفات فساد مالي واداري متنوعة ، اثيرت حول وزير النقل ، فقرر جمع التوقيعات من أعضاء البرلمان الحالي لاستجواب هذا المسؤول ونجح بالفعل في الحصول على 120 توقيعاً من الأعضاء لاستجوابه، إلا أن الجميع يدرك أن ما يجري ليس سوى مسرحية هزلية لا تحمل في طياتها أي حقيقة سوى استشراء الفساد واستفحاله ، وأن جبل استجوابات الوزير سيتمخض عنها عمولات وأموال تدفع ، وصفقات تعقد، ومكاسب شخصية تجنى، حتى يعود الوزير لفساده والبرلمان لابتزاز غيره عبر الاستجوابات الوهمية.
القوانين لا تمرر إلا عبر المحاصصة الطائفية
الخلافات بين الكيانات السياسية الحالية حين ترتفع وتيرتها تظهر الاتهامات المتبادلة ويقف البرلمان القائم على الصفقات المشبوهة عاجزا لا يقوى على الحراك خاصة وأنه قائم على المحاصصة الطائفية ، فقد أقر النائب عن التحالف الوطني الحالي "علي البديري"، بأن القوانين المهمة التي تمس المواطنين تعرضت للمحاصصة التي أضحت العائق الأول والرئيسي لتشريع هذه القوانين في البرلمان ، مبيناً أن هناك قوانين يتم إدراجها في جدول أعمال الجلسة وتسحب فجأة لإعتراض كتلة أو زعيم سياسي.
البديري أوضح أنه يمكن أن يتم إقرار القوانين خلال الفصل التشريعي الحالي ، بشرط أن تكون هناك إتفاقات سياسية ، مستدركاً بالقول لم ولن يحصل الإتفاق السياسي كون الجميع ينظرون للمصلحة الشخصية أو الحزبية على حساب المصلحة العامة.
الاستجوابات البرلمانية وسيلة ابتزاز لا أكثر
الاستجوابات والأسئلة وسيلة فعالة في كل برلمانات العالم لكنها في المشهد العراقي وسيلة ابتزاز تفتقد لأي مهنية أو موضوعية تقوم على المساومات ويستجوب المسؤول هذا أو ذاك وفق قدرته على المناورة واللعب بالأوراق من وراء ستار ، أما البرلمان فيفتقد الشرعية ويقوم على المحسوبية والمحاصصات الطائفية والرشاوى المالية والصفقات الفاسدة والأدوار المشبوهة، ما جعل العراقيين يثقون أنه برلمان لا ينتظر منه إصلاح ولا يعول عليه في اي نجاح.
يقين نت
م