الموصل الحدباء...تلفظ أنفاسها الأخيرة في مواجهة أشرس عدوان

hozaya
24 أيار، 2017

حكومة العبادي تواصل عملياتها العسكرية في مدينة الموصل مركز محافظة نينوى ، والتي تهدف لإحداث تلاعب في تركيبتها السكانية خدمة لأجندة خارجية ،  وتستخدم في هذه الحملة الشعواء على سكان المدينة اساليب قمعية واجراءات تعسفية ، من قصف عشوائي على مناطق المدنيين واعتقالات بالجملة ، واجبار على النزوح من احيائهم نحو مخيمات تفتقر لابسط مقومات الحياة الانسانية .

العمليات العسكرية والميليشيات تفاقمان معاناة اهالي الموصل

القوات المشتركة بدأت تكثيف عملياتها بهدف حسم المعارك سريعا في الجانب الأيمن من الموصل وفي الاحياء المتبقية من المدينة والتي تمثل 10% منها، حيث تهاجم تلك الاحياء قوات مكافحة الارهاب من جهتها الشمالية الغربية ، بينما تستعد الشرطة الاتحادية وميليشيا الحشد الشعبي لاقتحام وسط المدينة عند منطقة الموصل القديمة ، وتعرضت منطقتي  الاقتصاديين و17 تموز  وأجزاء من حي النجار وحي الورشان   لاقتحام القوات المشتركة وميليشيا الحشد بينما تعرض عشرات المدنيين في طريق بادوش الذي يمر بمنطقة الكوار والعذبة ثم بنقطة تفتيش  العقرب التابعة للقوات المشتركة وميليشياتها للاعدام وانتشرت جثثهم في الشوارع.

قرار حكومي صدر وفق مصادر صحفية يقضي باشراك جميع صنوف القوات المشتركة في اقتحام المدينة القديمة وسط ايمن الموصل غرب المدينة لسرعة حسم العمليات العسكرية والسيطرة على كامل الجانب الايمن من المدينة، فيما شرعت الشرطة الاتحادية بقصف أهداف منتخبة في المدينة القديمة غرب الموصل تمهيدا لاقتحامها واستعادتها ، وهي آخر معاقل مسلحي (تنظيم الدولة) بالإضافة إلى حي الزنجيلي في غرب المدينة.

الجانب الأيمن من الموصل يعج بالمدنيين فقد أقر قائد قوات النخبة الثانية اللواء ” معن السعدي”، باحتجاز 100 الف مدني في المدينة القديمة بالجانب الايمن من مدينة الموصل لافتا الى ان الخطوة المقبلة ستكون صوب احياء الصحة والزنجيلي والشفاء والمدينة القديمة من المحور الغربي للموصل.

الجانب الأيسر المقتحم من المدينة يرزح  ايضا تحت وطأة الميليشيات الطائفية التي تقوم بانتهاكات ضخمة ضد السكان الذين يتعرضون  لعمليات قتل واختطاف وتنكيل فضلا عن تأكيد شهود عيان استيلاء تلك الميليشيات على المنازل السكنية واتخاذها مقارا لها ، وممارسة انواع من القمع والاجراءات التعسفية ضد السكان المحيطين بتلك المنازل حيث يختطف البعض ويقتل، ويطلق سراح اخرين مقابل فدية.

ميليشيا الحشد تقوم بمحاولة جمع تواقيع من بعض الاهالي لضمان بقائها في مناطق السادة وبعويزة والتي اتخذ الجيش قرارا بمسك الارض فيها،  بينما اعتقلت شابا بحي الحدباء في الجانب الايسر من الموصل بتهمة الانتماء لمسلحي (تنظيم الدولة) و اطلقت سراحه مقابل 1000 دولار ،  فيما ثبت سرقة الميليشيا  للمنازل وممتلكات المواطنين من اموال ومصوغات ذهبية وبتواطؤ مع قوات الشرطة خاصة في حي السكر في الساحل الايسر ، وفي حي الكفاءات الثانية بالجانب الايسر اعتدت ميليشيا الحشد على رجل وزوجته بسبب ارتداء الاخيرة للخمار حيث قاموا بنزع الخمار وحرقه امام زوجها وهي امثلة بسيطة على ما يتعرض له اهالي الموصل من انتهاكات يومية ، ما جعل المواطنين يشعرون انهم تحت خطر داهم وتهديد مستمر من تلك الميليشيات المتنفذة .

مجلة (فورين أفيرز) كشفت من جهتها عن ارتكاب ميليشيا الحشد جرائم في نينوى بشكل طائفي ،تشمل اعدامات على قارعة الطرقات وسحل جثث القتلى في الشوارع، والقاء اشخاص  ـ تشتبه بهم ـ من فوق بناية عالية وهم أحياء وارتكاب مليشيات (الحشد الشعبي) أعمال وحشية استهدفت سنّة العراق؛ كالقتل والخطف والنهب.

انعدام المياه في الجانب الايسر المقتحم من مدينة الموصل زاد ايضا من معاناة المواطنين ودفعهم للاعتماد على مياه الابار ما ادى الى انتشار الامراض بينهم وسط غيابي حكومي تام عن الاهتمام بتلك الخدمات الاساسية فضلا عن انقطاع الكهرباء منذ ستة اشهر .

تعليمات ترامب وسياسة الأرض المحروقة

صعوبة تحقيق انتصار عسكري في الموصل دفع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب "، إلى إصدار اوامر بسرعة حسم المعارك سريعا بذريعة مكافحة الارهاب على حساب المدنيين ، وهي الأوامر التي نقلها رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال “جوزيف دانفورد” والذي اكد صدور توجيهات من ترامب للإسراع في الحملة ضد مسلحي (تنظيم الدولة).

التعليمات الأمريكية دفعت القوات المشتركة لمواصلة عملياتها العسكرية ضد مدنيي الموصل مستخدمة سياسة الارض المحروقة عبر القصف العشوائي المكثف على مناطق المدنيين والذي تسبب في موت العشرات حرقا داخل منازلهم حيث كانت احدث حالات هذا النوع من القصف ما تعرض له حي الشفاء من قصف جوي مكثف ادى الى موت نحو عشرين مدنيا حرقا داخل منازلهم ، فيما اوضحت صحيفة الاندبندنت البريطانية في تقرير لها انه تمت تسوية احياء سكنية بأكملها بالارض بسبب قصف طائرات التحالف الدولي او بسبب الالغام والعبوات الناسفة الأمر الذي يعني بان الكثير من النازحين لم يعد لهم بيوت يعودون اليها.

زيادة كبيرة في أعداد النازحين

استمرار العمليات العسكرية بهذا المستوى العنيف اضطر المدنيين الى النزوح بوتيرة اعلى ، فقد اقر وزير الهجرة “جاسم محمد الجاف” بأن اعداد هؤلاء النازحين من ساحل الموصل الأيمن بلغت 526 ألفاً و 233 نازحاً منذ البدء بعمليات اقتحام هذا الجانب موضحا ان تلك الاعداد توزعت بين المخيمات في جنوب وغرب المدينة وشرقها.

المنظمات الدولية تفضح ما يتعرض له مدنيو الموصل

منظمات دولية وحقوقية تابعت الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في الموصل ورصدت معاناة النازحين في المخيمات فالمرصد العراقي لحقوق الانسان اكد في تقرير له ان العوائل في الساحل الأيمن من مدينة الموصل انقطع عنها طيلة الأشهر الست الماضية، ما اجبر الاهالي على اكل الحشيش والقطط في حين توجد صعوبة في نقل المصابين إلى المراكز الصحية لإجراء الفحوصات، واوضح المصدر انه من الضروري تقديم المساعدات الصحية للنازحين بشكل عاجل وضمن معايير الإستجابة العاجلة، ففي الأسابيع الأخيرة إضطرت العوائل إلى أكل كل شيء يساعدهم على الإستمرار في الحياة .

الأمم المتحدة من جانبها اكدت في بيان ان أكثر من 200 ألف مدني قد يفرون من غربي الموصل مع اشتداد العمليات العسكرية واقترابها من الموصل القديمة ما ينذر بنزوح أعداد هائلة مع تقدم القوات المشتركة صوب أحيائها الكثيفة السكان.

منظمة الهجرة الدولية أكدت في بيان  لها  أن عشرات آلاف المدنيين ما زالوا محاصرين داخل الموصل، ويتوقع نزوحهم مع اقتراب المعارك الضارية من منطقة الموصل القديمة غربي المدينة، واشتداد القصف عليها في ظل نقص حاد لدى المنظمة الأممية في الأموال اللازمة التي تحتاجها للاستجابة للمتطلبات الناجمة عن عمليات النزوح وإسكان الفارين وإغاثتهم .

المنظمة اوضحت ان الهرب من المناطق المتضررة من النزاع خلال أشهر الشتاء كان أمراً صعب التعامل معه للغاية ، أما الآن تعد حرارة الصيف هي بمنزلة تحد جديد لمئات الآلاف من النازحين من الموصل في ظل ارتفاع درجة الحرارة في الموصل الى اكثر من 50 درجة مئوية ، فالخيام البلاستيكية التي تدفئ السكان خلال أشهر الشتاء الباردة سيكون من الصعب تحملها في الصيف ، حيث درجات الحرارة داخل الخيام مرتفعة نحو ١٠ درجات مئوية أكثر من خارجها.

منظمة (هيومن رايتس ووتش) المعنية بحقوق الانسان اتهمت من جانبها القوات المشتركة  بإجبار أكثر من (300) عائلة نازحة في مخيمي (حمام العليل) و(حاجي علي) على العودة إلى الأحياء الغربية من الموصل، مما يعني تعمّد زجهم في دائرة خطر الموت المحقق، علاوة على معاناتهم الكبرى من نقص المياه والغذاء والكهرباء والمساعدات الطبية.

رايتس ووتش أكدت انه وبحسب شهود عيان فالعائلات أعيدت إلى بعض أحياء غرب الموصل ، لإفساح أماكن لنازحين جُدد وفدوا من الأحياء التي تمت اقتحامها عليها مؤخرا في غرب المدينة ، لكن عاملون بالمساعدات الإنسانية يشاركون في إدارة المخيم ، اكدوا أن المخيمات ما زالت بها أماكن للوافدين الجُدد، ما يعني ان ما يجري هو نية مبيتة لوضع تلك العائلات تحت خطر القصف .

النازحون من غربي الموصل أكدوا أنه منذ بداية العمليات العسكرية ولحد هذه اللحظة لم تصل إليهم إمدادات أو مواد غذائية ، وليس لديهم مال لشراء تلك الحاجات ، لهذا اضطروا للنزوح من الجانب الأيمن إلى الأيسر لمدينة الموصل بحثاً عن الطعام والشراب، فلا يوجد شيء يعتمد عليه المواطنون في الجانب الايمن فكل ما لديهم قد نَفذ ، وأسعار المواد ارتفعت بشكل غير متوقع ، حيث وصل سعر كيلوغرام السكر إلى 70 ألف دينار.

إعادة النازحين الى مناطق تشهد عمليات عسكرية

المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب من جانبه اكد ان الممارسات التعسفية تجاه النازحين الرامية الى إعادتهم قسراً تعرض حياة المدنيين الى خطر مباشر فالحكومة بحسب المركز تجبر العوائل على العودة الى مناطقهم التي لا تزال تشهد عمليات عسكرية ممكن أن تعرض حياة المدنيين إلى الخطر ويخشى على حياتهم في ظل  استمرار العمليات العسكرية، وقلة الغذاء .

الحكومة وبحسب المركز  لم تقم بواجبها الأخلاقي تجاه المدنيين سواء كان في مناطق النزاع المسلح او في المناطق شبه الآمنة، ولم تقم  بدورها الانساني لحماية المدنيين من تعسف السلطات الحكومية ضد أبناء المدن المنكوبة .

مشكلة الأوراق الثبوتية للنازحين

صحيفة الاندبندنت البريطانية اوضحت في تقرير لها أنه  ما يزال هناك 480 ألف شخص عالقاً في معسكرات نينوى، مشيرة الى ان الآلاف من المهجرين هربوا من بيوتهم من دون أي شيء سوى الاطفال الذين بين ايديهم ويواجهون الآن توقع بمكوث لسنوات طويلة في معسكرات النازحين التي تديرها الامم المتحدة وحكومة كردستان.

تقرير الصحيفة سلط الضوء على مشكلة تجعل من المدنيين ان يبقوا عالقين في معسكرات النازحين ألا وهي فقدانهم اوراقهم الثبوتية القانونية ، حيث ان الأوراق الثبوتية الرسمية مطلوبة للحصول على أي شيء من الحقوق والتي تترواح بين الحصول على الحصة التموينية والرعاية الصحية وتسجيل الأطفال في المدارس او التنقل  بشكل حر في كل انحاء البلاد، وهذا يعني ان العوائل التي ليس لديها الوثائق الصحيحة بالنسبة لابنائهم غير مسموح لهم بمغادرة معسكرات النازحين للذهاب الى بيوتهم ومزاولة حياتهم الطبيعية هناك.

الجرائم المرتكبة في حق أهالي الموصل تستمر قتلا وتنكيلا ونزوحا وتهجيرا ، بينما يشاهد العالم تلك الانتهاكات دون ان يقوم بأية تحركات فعلية تخفف من معاناتهم او توقف مأساتهم او تضع حدا لقصف القوات المشتركة او غارات التحالف الدولي او تنكيل الميليشيات بالمدنيين الذين يتعرضون لحملة ابادة جماعية في صمت لا يكاد يتكرر في تاريخ الانسانية.

menu-circlecross-circle