قسم التقارير - البصرة
تشهد أنهار مدينة البصرة تراجعا حادا في كميات المياه المتدفقة فيها، وشهدت السنوات الماضية انخفاض مناسيب المياه في أنهار البصرة الاربعة وتلوثها بالمياه المالحة والبكتريا ومياه الصرف الصحي، ما أدى إلى فقدان كثير من الثروة الحيوانية التي كانت تضمها هذه الانهار، فضلا عن فقدان البصريين لمناطق سياحية كثيرة كانت تحيط بهذه الانهار.
في حالة من اليأس والإحباط، "عبد المالك محمد" الرجل الخمسيني الذي كان قد انتقل وأسرته من البصرة الى بغداد وهو في العاشرة من عمره، يقف وهو يسرح بناظريه الى ما آل إليه حال نهر العشار، ليعود بذاكرته الى أربعين عاما مضت عندما كان يأخذه والده في الاعياد الى هذا النهر ليتنزه وأخوته بالجمال المحيط بهذا النهر و"الشناشيل" القديمة التي صار حالها الى ما صار اليه حال النهر، لكن أكثر ما لفت محمد وهو يتحدث لوكالة "يقين" أنه لم يكن يتخيل ولا في الاحلام أن نهر العشار تدهور الى هذا الحال، مضيفا بالقول: "كنت اشاهد ما ال اليه حال البصرة وانهرها عبر شاشات التلفاز وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن رؤيا العين تختلف عن رؤيا الشاشة"، بحسب وصفه.
"تدهور حالة النهر ووصوله الى الحالة التي هو عليها اليوم، يعود الى الحروب المتتالية"
"نهر العشار" ومَن مِن أهل البصرة لم يسمع بهذا النهر! النهر الذي ارتبط بمخيلة البصريين وحكاياتهم وشناشيلهم وتاريخ المدينة الجميل وحاضرها حتى أعوام قليلة مضت، ويعد نهر العشار أحدى أربعة انهار تمر داخل مدينة البصرة، وتشير الوثائق التاريخية العثمانية الى أن تسميته بالعشار كانت نتيجة جباية ضريبة العشر التي تفرض على المحاصيل الزراعية المعتمدة على مياهه في الارواء.
ويقول المؤرخ البصري "مصطفى ناصر الخزرجي" في حديثه لوكالة "يقين" إن "هذا النهر مرتبط بذاكرة البصريين وأيامهم الجميلة، حيث أنه كان يعد أحد أهم المعالم السياحية وأبرزها في البصرة حتى عقود قليلة مضت نظرا لصفاء ماءه ونظافة شواطئه"، وأشار الخزرجي إلى أن "تدهور حالة النهر ووصوله الى الحالة التي هو عليها اليوم، يعود الى الحروب المتتالية التي شهدتها البصرة اضافة الى انخفاض منسوب المياه فيه، وعدم كري الموارد المائية لأسفل النهر ما جعله مكبا للنفايات".

نهر العشار.. بلا أسماك
سنوات قليلة كانت كفيلة بتحويل العشار من نهر يشد البصريون رحالهم اليه للتنزه، الى ساقية ومكب للنفايات ولمياه الصرف الصحي، وتتبادل الجهات الرسمية في محافظة البصرة وخاصة مديريات المجاري والبيئة والبلدية؛ الاتهامات منذ سنوات بشأن التقصير وتحمل مسؤولية تنظيف النهر وتأهيله، وأظهر "مقطع فيديو"بث على شبكات التواصل الاجتماعي تحول نهر العشار الذي يعد واحداً من أشهر معالم المدينة إلى مكب للنفايات والمياه الآسنة ما يطرح عدة تساؤلات عن حالة النهر وأسماكه.
"وتتبادل الجهات الرسمية في محافظة البصرة؛ الاتهامات منذ سنوات بشأن التقصير"
حيث شهد نهر العشار وسط مدينة البصرة، نفوق الالاف من الاسماك، وقال عدد من سكان البصرة لوكالة "يقين" إن "موت الاسماك جاء نتيجة مؤكدة لحصرها داخل النهر بعد اغلاق الناظم –ناظم العشار– لفتحات تصريف المياه، حيث تسببت المياه الآسنة الملقاة فيه من انابيب الصرف الصحي بنفاذ الاوكسجين في الماء ما أدى لموت عشرات آلاف الاسماك".
وأشار "ماجد هاشم" أحد سكان مدينة البصرة في حديثه لوكالة "يقين" الى أن "الاسماك النافقة منتشرة على طول النهر مع انبعاث روائح كريهة ومقززة نتيجة تراكم المياه الاسنة في حوض النهر وعدم جريانها".
وأضاف هاشم أنه "يتمنى جفاف النهر تماما ما لم تعالج الدوائر المختصة هذه الحالة"، ووصف هاشم الوضع في النهر بأنه "أصبح بؤرة للأمراض والبعوض والروائح الكريهة مجتمعة".
تصريف المياه الثقيلة.. أحد الأسباب
ويقول خبير الموارد المائية في جامعة البصرة "نشوان البيرقدار" أن "إغلاق ناظم العشار جاء لمحاولة حصر المياه في حوض الناظم لتوفير المياه لمحطات تصفية المياه في البصرة"، ويضيف البيرقدار أن "هذه المحاولة وعلى الرغم من أنها حبست المياه لأجل إيصالها الى المواطنين في منازلهم، إلا أنها تسبب بأزمة أخرى لا تقل خطورة عن عدم توفر المياه؛ وهي تشكل مسطح مائي مغلق ومليء بالمياه الاسنة، ما انعكس سلبا على الوضع في البصرة والذي قد ينعكس بدوره على تفشي بعض الاوبئة والامراض"، بحسبه.

وعن سبب تسرب مياه الصرف الصحي الى نهر العشار وغيره من الانهر في محافظة البصرة، قال البيرقدار في حديثه لوكالة "يقين" إلى أن "جميع المحافظات العراقية لا تضم أي شبكات لتصريف المياه الثقيلة أو ما يعرف بالصرف الصحي باستثناء محافظات اقليم كردستان والعاصمة بغداد"
وأشار إلى أن "جميع المحافظات الأخرى ومن ضمنها محافظتي نينوى والبصرة الكبيرتين لا تضم أي شبكات لتصريف مياه الصرف الصحي ومعالجتها"، موضحا أن "مياه الصرف تذهب بالمحصلة الى الانهار والروافد، وهذا ما تسبب بحالات التسمم الاخيرة في البصرة".
الملوحة والبكتيريا تغزو نهر العشار
وعن انخفاض منسوب مياه العشار، وزيادة نسبة ملوحته وتلوثه بالبكتريا، موظف في مديرية بيئة البصرة -اشترط عدم الكشف عن هويته- مقابل الحديث لوكالة "يقين" أكد أن"جميع الدوائر الخدمية في البصرة تعمل بصورة مستقلة عن الاخرى"، مشيرا إلىأن "كل مدير في هذه الدوائر يعد نفسه رئيسا للجمهورية في دائرته".
وأضاف المصدر أنه "لا يوجد أي تنسيق بين الدوائر الخدمية، وأن جميع القرارات التي تصدر عن الدوائر تكون منفردة، وأن ما حدث في نهر العشار كان نتيجة قرار فردي من مديرية الموارد المائية في المحافظة التي لم تستشر بقية الدوائر عندما أقدمت على اغلاق بوابات ناظم العشار، الامر الذي أدى الى توقف جريان النهر بالكامل".
"السبب الرئيس هو تصريف مياه الصرف الصحي الى نهر العشار وغيره من الانهار قبل معالجتها"
وعن التلوث الحاصل في النهر، أكد المصدر في بيئة البصرة أن "السبب الرئيس هو تصريف مياه الصرف الصحي الى نهر العشار وغيره من الانهار قبل معالجتها، اضافة الى قلة مناسيب المياه التي كانت تتدفق على النهر، فضلا عن عدم كري النهر منذ أكثر من عقدين من الزمن"، مشيرا إلى أن "كل هذه الاسباب مجتمعة أدت الى ما أدت اليه من جفاف النهر وتحوله الى بركة آسنة ونفوق عشرات الاف الاسماك فيه"، بحسبه.
وعن ماهية الاجراءاتالتي يمكن اتخاذها في سبيل معالجة الازمة، أشار المصدر إلى أنه ومن خلال عمله في مديرية البيئة فإنه "لا حل لهذه المشكلة، وأن الحل يستلزم سنوات طويلة، بسبب أنه في حال فتح ناظم العشار بصورة كاملة، فإن ذلك سيؤدي الى فقدان المخزون المائي الواجب توفره في سبيل إمداد المواطنين بالماء".
واختتم المصدر حديثه لوكالة "يقين" بالقول: "كنا نحذر منذ سنوات مما ستؤول اليه حال البصرة ومواردها المائية، لكن لم يعر أي أحد اهتماما للموضوع، وبالتالي فإن جميع ما حذرنا منه من تراجع مناسيب المياه وخطورة تصريف المياه الاسنة الى الانهر وإغراق ايران لمنازل البصرة بالمياه المالحة، كل ذلك حصل في آن واحد وفي مدة شهرين فقط، وبالتالي فالمعالجة تحتاج لسنوات وسنوات.."، بحسب المصدر.
وما بين مطالب البصريين بتوفير فرص العمل وتحسين امدادات الماء والكهرباء وعلاج حالات التسمم نتيجة المياه الملوثة في المحافظة، تأتي أزمة نهر العشار لتضاف الى هموم البصريين الذين يقبعون في أغنى بقعة نفطية في العالم.