مطارات العراق.. واجهات للفساد الحكومي والتغوّل الميليشياوي

hozaya
26 آذار، 2018

قسم التقارير - العراق

لم يسلم أي قطاع من قطاعات الحكومة في العراق من الفساد، فالبيئة الاجتماعية والإدارية أصبحت ترتكز على ملفات فساد لا حصر لها؛ بسبب سيطرة زمرة فاسدة على مقاليد الحكم ومفاصل الدولة.

وللمطارات صفحة فاسدة جديدة تُضاف إلى الصفحات السوداء التي كتبت فيها الحكومة قصة بدأت بإهمال الطائرات و"مطار بغداد"، لتنتهي بـ"مطار النجف" الذي يروي قصة استثنائية لا تخلو من التهكم والسخرية؛ بسبب ما تحويه فصولها من مهزلة، تُتَرجم عجز الدولة عن التخلص من سيطرة الميليشيات المُتنفّذة.

"مطار بغداد".. أمن متصدع وعجز خدمي

"فشل جميع الاختبارات التي خضعت لها شركة "G4S"، المسؤولة عن أمن المطار"

ما إن تتجه بك السيارة إلى مطار بغداد الدولي –بغض النظر عن شارع المطار السريع وتزيينه- إلا وينتابك شعور بأنك تتجه نحو مدينة مهجورة تملؤها الكلاب السائبة وتحيطها الصحراء، وما إن تقترب قليلًا من بوابات المطار وتتجه نحو التفتيش الأول؛ إلا وتشعر أنك تتهيأ للدخول في صراع مع موظف التفتيش، الذي يفتقر للخبرة الكافية، ويجهل المواد التي يبحث عنها خلال عملية التفتيش، ومع الدخول إلى المطار تواجه صدمة متمثلة بالفوضى داخله، والأسلوب المُستَفِز من موظفيه، حتى تشعر أنك قد دخلت سوقًا لا يحكمه قانون، فالموظف الذي يتسلَّم حقائبك لا يخضع لمعايير دفع الغرامات التي تطال زيادات الوزن، حيث يتم تغريم بعض المسافرين، فيما يُغَض الطرف عن البعض الآخر، من دون وجود سبب واضح سوى الواسطة والمحسوبية.

وعلى الرغم من وجود سوق حرة في المطار؛ إلا أنها تفتقر للمعايير الدولية التي تشتهر بها جميع مطارات العالم، فالمحال التجارية داخل مطار بغداد لا تختلف كثيرًا عن المحال الموجودة في أي سوق في العراق لا يخضع لقوانين "duty free"، الخاصة بمطارات جميع دول العالم.

أما نظام الحماية والأمن فيفتح بابًا جديدًا يتمحور حول صفقات فساد مخيفة، حيث يُطلَب من المسافر خلع حذائه وحزامه لتدقيق التفتيش، لكنّ أجهزة السونار في المطار تعاني فشلًا كبيرًا يجهله المسافر، الذي يعتقد أن الإجراءات التي جعلته يخلع حذاءه، هي الإجراءات ذاتها التي ستمنع دخول مواد ممنوعة.

حيث كشف النائب "عادل نوري" عضو لجنة النزاهة البرلمانية في حديثه لـ"وكالة يقين" عن فشل جميع الاختبارات التي خضعت لها شركة "G4S"، المسؤولة عن أمن المطار، مؤكدًا أن اللجان المختصة أعلنت خلال كشفها على عمل وأجهزة الشركة؛ عن وجود مشاكل في أجهزة أمن المطار، من سونارات وبوابات إلكترونية وكلاب بوليسية "K9".

وأوضح "نوري" في حديثه، عن وجود 52 فتحة في سياج المطار، مما ينذر بكارثة على أمنه، مطالبًا الجهات المعنية بفتح تحقيق عاجل، للوقوف خلف هذه الإخفاقات الأمنية، ووقف التعامل مع شركة "G4S"، ومحاسبة المسؤولين عن إحالة ملف أمن المطار إلى هذه الشركة؛ مما تسبب بهدر للمال العام، وعرض أوراقهم على القضاء.

وتضاربت تصاريح مسؤولي الدولة حول واجهة البلاد السياحية والاقتصادية والسياسية، والمطار الذي يمثل أول مكان تصل إليه الوفود أثناء زيارتها العراق، والذي يعاني خرقًا أمنيًا واضحًا، وعجزًا خدميًا كبيرًا منذ سنوات، والجهات الحكومية تقف عاجزة أمام هذا الواقع، كما وتتضارب تصريحات مسؤوليها حوله.

"مطار النجف" يفضح سطوة الميليشيات وضعف الدولة

أما "مطار النجف"؛ فيخضع إلى سيطرة الميليشيات المُتنفّذة والخارجة عن سلطة الدولة بشكل كامل، حتى موارد هذا المطار لا تعود إلى وزارة النقل إلا القليل منها، وبسبب خلافات سياسية بين الجهات المُسيطِرة على المطار وبين إدارة المحافظة؛ كشف "مجلس النجف" عن مافيات فساد تسيطر على هذا الملف شكلًا من أشكال التسقيط السياسي، فسكوت إدارة المحافظة طيلة هذه السنوات؛ يعني تسترًا واضحًا على سلوك هذه الجهات.

"التصريحات الحكومية -بطبيعة الحال- تتنافى مع الواقع الذي تحدث به المواطنون"

وأشارت التقارير الصادرة عن مجلس "محافظة النجف" إلى إنشاء مدرج بـ72 مليون دولار، بينما كلفته الحقيقية هي 22 مليون دولار، كما أن كلفة قاعة المغادرين قُدِّرت بـ35 مليون دولار، بينما تمت إحالتها بمبلغ 105 مليون دينار، إضافة إلى إحالة مشاريع داخل المطار إلى مستثمرين من دون منافسة، وبناء على هذه الملفات؛ تم رفع شكوى إلى رئاسة الوزراء لتغيير إدارة المطار، لكن مجلس المحافظة لم يقبل أن تكون عائدات المطار خاضعة للإدارة المركزية.

هذا ما أكده عضو مجلس المحافظة "سعد الحارس" في تصريح صحفي له، وأضاف، أن الحكومة المحلية في النجف لن تسمح لأي جهة من الحكومة المركزية بإدارة المطار، وأخذ أمواله لصندوق الدولة؛ لأن هذه الأموال تعود إلى "محافظة النجف"، ووارداته يمكن أن تسد عجز ميزانية المحافظة.

وقرر "مجلس الوزراء" حلّ مجلس إدارة "مطار النجف"، وتولي سلطة الطيران المدني مهمة إدارة وتشغيل المطار مؤقتًا، وقيام هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية الاتحادي بمباشرة مهماتها.

وعين مجلس المحافظة "علي خليل" لمنصب إدارة "مطار النجف" بالوكالة، غير مكترثين لقرارات مجلس الوزراء وسلطة الطيران المدني و"وزراه النقل"، وبعد هذه الخطوة أُثيرَت إشاعات بتوجه قوة عسكرية لمطار النجف، لاستعادة إدارته إلى الحكومة الاتحادية، لكن القوات العسكرية لا تتوجه سوى إلى المناطق التي لا تخضع لسيطرة الميليشيات، لذا فإن مطار النجف لا يزال تحت نفوذ الميليشيات والتيارات الحزبية التي تدعمها، شأنه شأن أغلب مفاصل الحكومة.

طائرات قديمة مؤجرة وخدمات هزيلة

وفي جولة لـ"وكالة يقين" داخل أروقة قاعة الاستقبال بمطار بغداد الدولي، استمعنا لآراء مسافرين كانوا على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية قادمة من بيروت، وحين طرحنا سؤالًا حول الخدمات داخل الطائرة كانت إجابة "أبي مقداد": "لا نعلم أين تذهب أموال العراق، الأكل داخل الطائرة غير جيد، ومقاعدها غير مريحة، للعراق موارد تمكّنه من جعل أسطول طائراته لا يختلف عن طيران الإمارات، أو حتى الخطوط الجوية الكويتية" ،وتساءل "أبو مقداد": ألا يحق للمواطن العراقي التمتع بثروات بلده؟

"تنشط حركة المطارات في العراق في محافظات معينة، فيما تشهد محافظات أخرى إهمالًا كبيرًا"

أما "زينب الشمري"؛ فقد أجابت على سؤالنا –بابتسامة- قائلة: "ليس من عادتي أن أتكلم عن وطني أو منتجاته أو مرافقه بسوء، ولكن الحق يقال، فَبِسبب الفساد المستشري في البلاد؛ لم تسلم الخطوط الجوية العراقية من هذا الفساد، فإدارتها ضعيفة جدًا، وأوقات الطيران فيها غير منتظمة، والطعام داخل الطائرة لا نستطيع أكله، وطائراتها قديمة، ونخشى على أنفسنا أكثر من مرة من مخاطر السقوط".

وأضافت "الشمري": "المطارات لا تملك مقومات المطارات الدولية، حمّاماتها تعاني إهمالًا كبيرًا، وكراجات السيارات فيها منهكة جدًا، وتخلو من السوق الحرة، المطار واجهة البلد؛ لكن المطارات في العراق غير مؤهلة لجعلها واجهة".

حيث يعيش المواطن العراقي واقع سوء الخدمات في جميع مفاصل ودوائر الدولة، لكن الحكومة لا تعترف بوجود هذا الإهمال الذي تعيشه جميع أطياف المجتمع، وكأنها لا ترى التصدع الواضح في مرافق الدولة العامة.

النقل "تعترف".. طائرات مؤجرة وقديمة

ومع ذلك لم يُنكِر الناطق الرسمي باسم وزارة النقل "سالم الموسوي"- في تصريح خصّ به "وكالة يقين"؛ بوجود طائرات مُستأجَرة وموديلاتها قديمة تستخدمها الخطوط الجوية العراقية، ولكنه استدرك بأنها تخضع للصيانة دومًا، وحالتها جيدة وصالحة للاستخدام.

وأكد الموسوي، أن "العراق يمتلك أسطولًا حديثًا من طائرات نقل المسافرين، يتكون من 34 طائرة، استوردها حديثًا ضمن عقود أبرمتها "وزارة النقل" في الأعوام الماضية، نافيًا ما يتحدث عنه المواطنون من سوء خدمات يعاني منها قطاع الطيران".

ويرى مراقبون أن التصريحات الحكومية -بطبيعة الحال- تتنافى مع الواقع الذي تحدث به المواطنون، وما هو معروف لعموم الشعب العراقي.

مطارات العراق تقبع في مناطق نفوذ الميليشيات

وتنشط حركة المطارات في العراق في محافظات معينة، فيما تشهد محافظات أخرى إهمالًا كبيرًا، الأمر الذي يدفع سكانها للذهاب إلى اقرب مطار على محافظتهم، والذي يعرضهم -في أحيان كبيرة- إلى مخاطر وانتهاكات؛ بسبب خضوع هذه المحافظات إلى سيطرة الميليشيات الطائفية.

"المنافذ الحدودية الجنوبية تخضع لسيطرة ميليشيات تتاجر بـالمخدرات"

المواطن "أبو سعد" -أحد سكان محافظة الأنبار- وهو أحد ضحايا هذه الظاهرة، تحدث لـ"وكالة يقين" عن ما أدى إلى بتر إحدى يديه، حيث كان متوجها هو وابنه إلى بغداد ليسافر منها إلى الهند لإجراء عملية جراحية في عاموده الفقري، وإذا بمجموعة مسلحة توقفه على أعتاب العاصمة، وتطلب أوراقه الثبوتية؛ بسبب لوحة سيارته التي تُبَيِّن أنه من "محافظة الأنبار"، وبعد حديث مُطَوَّل بينه وبين العناصر المسلحة؛ سمح لهم بالمرور، لكن سيارة تحمل أرقامًا حكومية لحقت بهم، وأطلقت النار على سيارتهم مما أدى إلى وفاة ابنه، وإصابة "أبي سعد" إصابات بالغة أدت إلى بتر يده اليمنى.

ويشهد العراق عجزًا كبيرًا في توفير العلاج؛ مما يضطرهم إلى السفر خارج القطر، وخدمات يقتصر وجودها على محافظات دون أخرى، فالمنافذ الحدودية والمطارات لابد أن تسيطر عليها الميليشيات، لتكون هذه المنافذ مرتعًا لتهريب المخدرات والأسلحة، والعناصر القادمة من "إيران"، بينما تُحْرَم محافظات أخرى من وجود مطارات فيها؛ لأنها سوف لن تكون خاضعة لميليشيات الدولة، و"مطار الموصل" خير دليل على ذلك، حيث طالب "مجلس المحافظة" مرارًا وتكرارًا بترميمه قبل العمليات العسكرية على المدينة وبعدها، لكنهم لم يلقوا أذنًا صاغية لمطالبهم.

"مطار البصرة".. حقائب لا تخضع للتفتيش

من جانبه تحدث لـ"وكالة يقين" أحد موظفي "مطار البصرة" -رفض الكشف عن اسمه بسبب التهديدات التي قد يتعرض لها من قبل الميليشيات المُتنَفِّذة في محافظته-، عن حقائب لمسافرين قادمين من "إيران" لا تخضع للتفتيش في المطار، حيث يتم استقبال المسافر من قبل عناصر من موظفي المطار وأمنه، وتؤخذ حقائبه من دون خضوعها أو خضوعه لتفتيش، في أمر أثار دهشة من رأى هذه الظاهرة في بادئ الأمر، لكن تكرار هذه الظاهرة جعلتها طبيعية جدًا.

ويضيف، إن انتشار المخدرات في المحافظات الجنوبية -بشكل ملحوظ- سببه: دخول المخدرات من "إيران" بشكل سهل جدًا؛ لأن المنافذ الحدودية الجنوبية تخضع لسيطرة ميليشيات تتاجر بـالمخدرات، وهي مدعومة من أحزاب سياسية في الدولة.

ويمتلك العراق ستة مطارات مدنية، أكبرها "مطار بغداد الدولي"، يليه "مطار البصرة"، و"النجف"، و"الموصل"، بالإضافة إلى مطارَيْ "أربيل" و"السليمانية"، اللذين يخضعان لسلطة إقليم كردستان شمالي البلاد، واللذين تأثرا بالأزمة الأخيرة بين "بغداد" و"أربيل" فتوقَّفا عن الرحلات الدولية، ومع هذا تبقى المطارات تقبع تحت سلطة الفساد، والتي كان من الممكن أن تكون منافِسة للمطارات العالمية لولا ذلك الفساد المُستَحوِذ على مفاصل الحكومة العراقية.

11 سبتمبر، 2017
الانتحار والمخدرات والجرائم المنظمة...خطر ينخر في المجتمع العراقي ويهدد بانهياره
29 أبريل، 2018
إسطنبول.. مراكز حقوقية تنظم "ندوة" حول تداعيات غزو العراق
11 مايو، 2018
العشائر في العراق.. معادلة الربح والخسارة في الانتخابات
25 مارس، 2019
نينوى.. تخبط كبير في معالجة أزمة الموصل وإقالة العاكوب
8 مارس، 2019
في #يوم_المرأة_العالمي.. عراقيون يمجدون نساء العراق
20 أبريل، 2020
فيروس أرعب العالم.. متى ينتهي كورونا؟
27 مايو، 2023
على خطى المزارعين.. النحالون العراقيون يهجرون ديارهم
12 أكتوبر، 2019
رواتب وتشغيل وسكن.. هل ينفذ عبد المهدي وعوده؟
27 أبريل، 2019
خروقات أمنية جديدة في نينوى .. وتحذيرات من الأسوأ
6 فبراير، 2020
السم الخفي.. أين تصنع المخدرات في العراق وأين تنتشر؟
13 أبريل، 2017
هكذا تفتك الاوبئة والامراض بالعراقيين في ظل انتشار الفساد المالي والاداري 
24 يوليو، 2016
نازحو الشرقاط والقيارة يكملون بمعاناتهم رواية الاجرام الحكومي الذي بدأ في الفلوجة ومن قبلها المقدادية تنفيذا لاوامر الأسياد في امريكا وإيران
menu-circlecross-circle