الأنبار.. مدينة "القائم" على شفير كارثة إنسانية

hozaya
30 تموز، 2018

قسم التقارير - الأنبار

عاد "أبو حسن"-45 عاما- إلى مدينة لا تعرف ذكرياته غيرها، فوجد أزقة لم يستطع التعرف عليها، بسبب الركام والقمامة والإهمال الذي تعانيه، ووجد مدينة تشكو انعداما كاملا للخدمات، الأمر الذي لم يشجع سكانها على العودة إليها، وتحدث لـ"وكالة يقين" قائلا: "عدت إلى المدينة مع عائلتي، بعد تهجير ومعاناة في مخيمات النزوح، التي لم تتوفر فيها أدنى مستلزمات الحياة، متمنيا أن تحتضنني مدينتي التي فارقتها منذ سنتين، لكنني فوجئت بدمار كبير أصاب منزلي ومحلّي مصدر رزقي الوحيد، وانعدام كامل للخدمات، وعلى رأسها المياه الصالحة للشرب والكهرباء والمراكز الصحية، لكن السكان كانوا يعتقدون أنها فترة مؤقتة، وستعود الدولة لإعمار المدينة، بحسب الوعود التي سمعناها من المسؤولين".

"سكان المدينة غير متشجعين على العودة، منازلهم مدمرة، ولا يوجد أي تعويضات"

وأضاف: "اقترضت الأموال لإعادة بناء محلّي، وحاولت ترميم جزء من منزلي لأنني لا أملك المال الكافي لإعادة ترميمه بأكمله، لكن الحياة في المدينة لا تختلف كثيرا عن الحياة في المخيم، فانعدام الخدمات متشابه، والواقع الصحي متشابه، ابني تعرض لمرض التيفوئيد بسبب تلوث المياه، ولم تتمكن مستشفيات المدينة من معالجته، حيث تفتقر للمواد الطبية والأدوية، أخذته إلى بغداد لأنقذ حياته، بقي هناك عند بيت أقاربي شهرين، لأن المدينة خالية من المياه الصالحة للشرب والأدوية، الامر الذي قد يعرض حياته للخطر".

وتابع "أبو حسن": "شعرت بالندم حين عدت، لا يوجد عمل، سكان المدينة غير متشجعين على العودة، منازلهم مدمرة، ولا يوجد أي تعويضات، والمدينة مليئة بالأمراض والمياه الملوثة، الأمر الذي يجعلهم يخشون العودة، إضافة إلى انعدام الكهرباء وارتفاع تكاليف المولدات الشخصية، الحكومة المحلية لم تفِ بوعودها لسكان المدينة، والحكومة المركزية نسيت وجود قضاء "القائم" أصلا".

مدينة حدودية تعتبر من أهم الشرايين التجارية لمحافظة الأنبار والعراق بصورة عامة، يعاني سكانها من كارثة بيئية حقيقية، بسبب الانعدام شبه الكامل للخدمات.

الإهمال يحتل مدينة "القائم"

تشارف السنة على الانتهاء من معارك استعادة السيطرة على مدينة "القائم" غرب الأنبار، ولم تستعد المدينة عافيتها، حيث يعيش سكانها بين أنقاض منازلهم التي دمرتها صواريخ التحالف، ومدفعية القوات المشتركة؛ من دون التوجه لإعادة إعمارها -ولو بشكل بسيط- يمكّن سكانها من العودة إليها، وإحيائها من جديد، فحال المدينة يتنافى كليا مع الوعود التي قطعها المسؤولون للسكان لتشجيعهم على العودة قبل الانتخابات، هذا ما تحدث عنه "مقداد المحلاوي"-37 عاما- لـ"وكالة يقين": "عدنا إلى المدينة بعد وعود قطعها المسؤولون بإعادة إعمارها، وتوفير الخدمات فيها، لكن الإهمال الذي تعاني منه "القائم" اليوم؛ يؤكد أن هذه الوعود كانت بدافع الانتخابات، هي حملات انتخابية، ورغبة بعودة الحياة إلى المدن التي تم استعادتها من "تنظيم الدولة" لإجراء الانتخابات فيها، وضمان مشاركة أوسع للسكان لأغراض انتخابية من قبل أحزاب معينة، في وقت تنعدم فيها أبسط سبل الحياة، المدينة خالية من الماء الصالح للشرب والكهرباء والوقود والخدمات الصحية، هذا ما يجعل الحياة فيها مستحيلة".

ويضيف: "نحن نعيش واقعا خدميا سيئا للغاية، الحكومة عاجزة عن توفير أبسط متطلبات الحياة، نحن نخاف على أبنائنا من الأمراض والأوبئة التي اجتاحت المدينة، والتي لم نجد لها العلاج اللازم، كما أن المدينة تكاد تخلو من المدارس المتهيئة لاستقبال الطلاب، فالمدارس مهدمة، وتعاني إهمالا واضحا يجعل التلاميذ يكرهون الذهاب إليها".

انعدام الخدمات يعيق عودة النازحين

المواطن "محمد الجبوري"-٥٣ عاما-؛ فضّل خيمة النزوح في مدينة "الرمادي" على العودة إلى مدينة "القائم"، بسبب ما تعانيه من سوء الخدمات، وانعدام فرص العمل، ووضع إنساني مخيف، وأوضح لـ"وكالة يقين" أسباب عدم عودته لـ"القائم": "المدينة خاليه من الخدمات، ابني يعاني من مرض تكسر الصفيحات الدموية، ما يجعله بحاجة إلى مراجعة المستشفى بشكل دوري، المدينة خالية من الخدمات الطبية، خالية من فرص العمل، وتعاني ارتفاعا بالأسعار بسبب زيادة أسعار المحروقات، أنا هنا أعمل في محل للحلويات، والخيمة لا تختلف عن منزلي الذي دمرته الطائرات بشكل كامل، والمخيم لا يختلف عن مدينة خالية من الخدمات".

"ميليشيات الحشد التي شاركت باستعادة القائم أيضا، هم يسيطرون على سوق المحروقات في المدينة"

وأضاف: "أخشى العودة، فالمدينة مخيفة، وهناك تدخل من قبل ميليشيات الحشد التي شاركت باستعادة القائم أيضا، هم يسيطرون على سوق المحروقات في المدينة، ويتاجرون بمشتقات النفط التي يجلبونها من سوريا، يبيعونها بأسعار باهظة، الأمر الذي يجعل المدينة تعاني من غلاء خانق، الدولة لم تقدم لنا تعويضات لإعادة بناء منازلنا التي دمرتها الحرب، وبالتالي سوف أسكن في خيمة داخل مدينتي، وسوف أخسر عملي في الرمادي، مع ترجيح عدم حصولي على عمل بديل في القائم".

وكان لـ"وكالة يقين" حديث مع مدير الهلال الأحمر/ فرع الأنبار المهندس "عصام حميد نطاح"، أطلعنا خلاله على معاناة هذه المدينة، وأهم الخطط التي ينوي الهلال الأحمر تنفيذها، مؤكدا أن "وضع قضاء القائم مؤسف جدا، يعاني تراجعا كبيرا في الخدمات، الكهرباء معدومة، والخدمات الصحية كذلك، نقوم بدورنا بنقل المرضى من مدينتَي القائم وعنة إلى الرمادي؛ بسبب عدم وجود الخدمات الصحية في هذين القضاءين"، مبينا أن "خطط الهلال الأحمر تتضمن توزيع المواد الغذائية على العوائل العائدة إلى القضاء، على شكل سلال غذائية يتم توزيعها على المحتاجين، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها تلك العائلات".

وأوضح، أن المدينة "تحتاج إلى دعم كبير، بسبب صعوبة العيش فيها، والنقص الحاد في الخدمات التي تعاني منه، العائلات النازحة تمتنع عن العودة إلى القضاء بسبب هذا النقص، والمنطقة بحاجة إلى مساعدة من قبل الدولة، لذلك ناشدنا الحكومة، ونقلنا صورة المدينة المنكوبة، وجمعية الهلال الأحمر قدمت كل ما تستطيع تقديمه، إضافة إلى أن الجمعيات والمنظمات لا تستطيع مساعدة هذه المناطق بشكل كامل".

مضيفا "لدينا خطط إغاثية كبيرة على مستوى الأنبار بصورة عامة، والقائم بشكل خاص؛ بسبب ما تعانيه من سوء الأوضاع، والافتقار لأبسط مقومات الحياة، هي تخلو من المستشفيات والمراكز الصحية، الأمر الذي يعرض سكانها إلى مخاطر كبيرة، رصدنا أمراضا خطيرة في القضاء بسبب انعدام المياه الصالحة للشرب، قمنا على إثرها بعمل دورات وندوات توعوية حول هذا الموضوع، ناشدنا بعمل محطة لتحلية المياه وتصفيته، وتوفير المياه الصالحة للشرب لتجنب هذه الأمراض".

لم يكن استعادة السيطرة على المدن التي كانت تحت سيطرة "تنظيم الدولة" هو نهاية الأزمة، فتوفير الحياة الكريمة للعائدين مهمة، لا تقل أهمية عن استعادة المدينة، بل وتعتبر مهمة أكثر تعقيدا، تحتاج إلى تظافر الجهود لتشجيع الأهالي على العودة، وعودة الحياة الطبيعية إلى المدن.

انعدام خدمات غير مبرر

استقر الوضع الأمني في مدينة شهدت عمليات عسكرية طاحنة راح ضحيتها المئات، فالدمار بدا واضحا، والإهمال الحكومي أوضح، هذا ما أكده لـ"وكالة يقين" مصدر أمني رفيع، في قيادة عمليات الجزيرة -فضّل عدم ذكر اسمه-، وقال: "أنهينا مهمتنا باستعادة القائم، وأكملناه على أتم وجه باستتباب الأمن في المدينة، وبشأن الخدمات ناشدنا حكومة الأنبار للإسهام في إعادة الخدمات للمدينة وإحيائها من جديد، وقام المحافظ بزيارة إلى المدينة، ووجه بتوفير الخدمات فيها، لكن للأسف لم يتم تطبيق هذه التوجيهات، وبقي ما يقرب من مائة ألف شخص داخل المدينة، يعانون أوضاعا إنسانية غاية الصعوبة، فالمدينة تفتقر للكهرباء والماء والوقود".

ويضيف، أنه "وكذلك الكوادر التدريسية، حيث يخدم في كل مدرسة معلمان اثنان أو ثلاثة، في حين تحتوي كل مدرسة على أكثر من 400 طالب، في وقت يوجد فيه أكثر منألفَي معلم في أربيل، يمتنعون عن العودة والدوام، جميع الوزارات مقصرة في هذا الشأن، هي المدينة الوحيدة في العراق حرمت من التيار الكهربائي، بذلت وزارة الكهرباء جهودا ضئيلة لإيصال التيار الكهربائي، ووزير الكهرباء وعد بتوفير الطاقة في "القائم" قبل شهر رمضان الماضي، ولم يتحقق أي من تلك الوعود، مما يدفعني للقول: إن توفير الكهرباء سوف لن يتم قبل نهاية العام الحالي، حاليا المشكلة الأساسية في القضاء هي انعدام الكهرباء، وانعدام الوقود لتشغيل محطات المياه، الحكومة خصصت مولدات للمحلات من دون أن توفر الوقود الخاص بها، الوضع الخدمي مؤسف وسيء للغاية، وينذر بكارثة إنسانية".

"محاولات تقوم بها الحكومة المحلية في قضاء "القائم"، يقابله إهمال من الحكومة المركزية ومجلس المحافظة"

ويتابع المصدر حديثه لوكالة "يقين" قائلا: "أهل المدينة متمسكون بإعادة الحياة إليها رغم جميع هذه الظروف، فالأسواق فيها بضائع محلية رغم كل ما تعانيه المدينة من انعدام الخدمات، المدينة تحتوي على سيارة إسعاف واحدة، الأمر الذي يدفع الجيش إلى إرسال الإسعاف العسكري لإنقاذ الحالات المرضية العاجلة، طالب القضاء المحافظة بتوفير المواد الأساسية للمدينة، لكن الروتين حال دون توفير هذه الخدمات لغاية اللحظة، وقضاء "القائم" تم استعادته من "تنظيم الدولة" يوم 2/11 /2017، ولم يجد حتى الآنأي محاولة لاستعادة الحياة فيه، موظفو الدولة لم يعودوا إلى وظائفهم، خمسة آلاف موظف في معمل الفوسفات لم يعودوا إلى المؤسسة، عمال السكك الحديد يمتنعون عن العودة، في وقت تتمتع فيه المدينة بوضع أمني مستقر، إضافة إلى أهميتها لكونها منطقة حدودية، وشريانا تجاريا مهما".

إدارة "القائم" تُناشد ولا مجيب

محاولات تقوم بها الحكومة المحلية في قضاء "القائم"، يقابله إهمال من الحكومة المركزية ومجلس المحافظة، يضع القضاء ضمن المناطق المهددة بمخاطر كبيرة تلاحق سكانها، القضاء خال من أبسط المعدات التي قد تعيد له الخدمات الضرورية، هذا ما أكده في تصريح خاص لـ"وكالة يقين" قائم مقام قضاء "القائم" "أحمد جديان"، حيث أوضح أن "الوضع الأمني مستقر جدا في القائم، لكن الواقع الخدمي سيء للغاية، يعاني نقصا في التيار الكهربائي بسبب تفجير الأبراج المخصصة لنقل الطاقة الكهربائية من قضاء راوة إلى قضاء القائم، الكهرباء تؤثر تأثيرا مفصليا على باقي القطاعات في القضاء،أهمها: الماء، حيث يوجد 39 مشروع ماء تستخدم فيها المولدات لغرض توفير الماء للمواطنين".

ويضيف قائلا: "لا نستطيع تشغيل هذه المشاريع سوى مرتين في الأسبوع، بسبب النقص الشديد في الطاقة والمشتقات النفطية، حيث نتسلم من محافظة الأنبار فقط 78 ألف لتر لتشغيل هذه المشاريع، وهذه الكمية لا تكفي لتشغيل المشاريع بشكل مستمر، القطاع البلدي يعاني نقصا في الآليات، حيث تحتوي بلدية "القائم" على "شفل" و "قلاّب" فقط، لا يوجد أي دعم حكومي لإنقاذ القضاء، والقطاع الصحي يعاني كارثة حقيقية، فلا يوجد سوى مستشفيَيْن في القضاء، يقدمان 60% من الخدمات بسبب نقص الكادر والمعدات الصحية، يوجد 12 مركزا صحيا غير مؤهلة، ولا تقدم خدماتها للمواطنين بشكل جيد".

وفيما يخص أزمة الوقود تحدث "جديان" عنها قائلا: "هناك ثلاث محطات حكومية لتزويد المواطنين بالوقود، تم فتح محطة واحدة في ناحية "العبيدي"، في حين ترفض وزارة النفط فتح محطة "القائم" ومحطة "الرمانة"، الأمر الذي أدى إلى زخم كبير جدا على محطة العبيدي".

وأضاف: "تعداد سكان "القائم" قرابة 190 ألف نسمة قبل دخول تنظيم الدولة، والآن تم عودة ما يقرب من 119 ألف نسمة منهم، عدد كبير منهم غادر المدينة بسبب عدم توفر الخدمات، فقطاع المجاري خال من الآليات، الأمر الذي يسبب غرق المدينة في فصل الشتاء، دائرة مياه "القائم" تحتوي على سيارة نقل مياه واحدة فقط، المياه تصل إلى المنازل مباشرة من النهر، ولا تخضع لأي مواد معقمة، الأمر الذي يخيف الأهالي من العودة للمدينة، ويدفع العائدين للرجوع إلى بغداد أو كردستان، ناشدنا مجلس محافظة الأنبار والحكومتين المحلية والمركزية، لكن دون جدوى، رغم أن ما يسمى بخط 400 الناقل للطاقة تم المباشرة به، إلا أن ذلك سيستغرق وقتا كبيرا، كل هذا سببه تلكؤ في تخصيص ميزانية إلى محافظة الأنبار لغاية الآن، نعتمد على المنظمات الإنسانية في تأمين جزء من الخدمات إلى القضاء، مثل منظمة UNDB التي تقوم بتأهيل مشروع ماء "القائم" المركزي، ومشروع ماء الكرابلة ومنطقة القنيطرة، كما تعمل على إعمار الجسور الحديدية".

كارثة خدمية وإنسانية حقيقية يعاني منها قضاء "القائم" غرب الأنبار، وهو في حكم المناطق المنسية إعلاميا وخدميا وحكوميا، وكأن همّ الحكومة والتحالف الدولي هو التخريب، وترك المدن تعاني ويلات التحرير، يقول لسان حال أهالي القائم".

menu-circlecross-circle