في الـ 31 من تشرين الأول/ أكتوبر 2003، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية لمكافحة الفساد، بعدها اختارت الجمعية العامة يوم الـ 9 من كانون الاول/ ديسمبر يوما دوليا لمكافحة الفساد، إذ يحتفى به كل عام وذلك من أجل إذكاء الوعي العالمي بمشكلة الفساد والتعريف بدور الاتفاقية في مكافحته والحد منه.
وبمناسبة هذا اليوم تطرح العديد من الأسئلة عن وضع الفساد في العراق وماهية مرتبته في تصنيف الدول الاكثر فسادا حول العالم.
"العراق احتل المرتبة 169 من بين 180 دولة في عام 2018، في ظل توقعات المنظمة أن يتراجع العراق 4 نقاط أخرى هذا العام"
منذ عام 2003 والعراق يتذيل قائمة التصنيف العالمي في مؤشر مكافحة الفساد، إذ يقول أستاذ علم الاقتصاد في الجامعة العراقية "عبد الواحد الجبوري" في حديثه لوكالة "يقين" إن الفساد في العراق بات متلازمة وبائية لجميع العقود والصفقات، وأن لا دائرة في العراق تخلو منه في ظل تفشي الفساد من أعلى هرم السلطة إلى أصغر مؤسسة حكومية.
ويكشف عن أن العراق وفي عام 2018 حصل على 18% فقط من مجموع 100 نقطة حسب مؤشر منظمة الشفافية الدولية المعنية بمراقبة الفساد حول العالم، لافتا إلى أن العراق فقد خلال الـ 16 عاما الماضية ما يقرب من 600 مليار دولار ذهبت بطريقة مباشرة لجيوب الفاسدين، منها ما يقرب من 66 مليار دولار في عام 2014 فقط، حين لم تشرع حكومة المالكي والبرلمان قانون الموازنة لذلك العام.
وأضاف الجبوري أن "الفساد في البلاد بات وباء ومن المستحيل القضاء عليه في ظل الوضع الحالي والمحاصصة التي تغذيه"، بحسبه.
على الجانب الآخر، يشير خبير العلاقات الاقتصادية الدولية "سمير اليوزبكي" في حديثه لوكالة "يقين" إلى أن المفهوم العام للفساد هو سرقة الأموال فقط، إلا أن الفساد بحقيقته يتجاوز هذا المفهوم ليشمل جميع المعاملات المالية والقانونية والإدارية في الدولة.
ويؤكد اليوزبكي على أن العراق يعاني من جميع أوجه الفساد، إذ أن الوضع السياسي في البلاد نجم عن تخلف اقتصادي، لافتا إلى أن الموارد النفطية للعراق تشكل نحو 90% من ميزانيته، وتمثل 99% من صادراته، إلا أنها لا تؤمن سوى 2% فقط من الوظائف للعمالة الوطنية.
وكشف اليوزبكي عن أن العراق وبسبب الفساد المستشري فيه، فإن تبعاته باتت تقض مضاجع الشعب على جميع الأصعدة، إذ أن الفقر يطارد أكثر من ربع العراقيين، وتزيد نسبته حكوميا عن 22% في حين تؤشر المنظمات الدولية إلى ان نسب البطالة تجاوزت 40%.

وعن ارتباط الفساد بالوضع الاقتصادي العام في البلاد، أكد اليوزبكي على أن أبسط مضار الفساد على العراق توقف الصناعة والزراعة والاعتماد على الاستيراد المفرط في سبيل إنعاش اقتصاد دولة مجاورة على حساب العراق.
"العراق وفي عام 2018 حصل على 18% فقط من مجموع 100 نقطة حسب مؤشر منظمة الشفافية الدولية المعنية بمراقبة الفساد حول العالم"
وبحسب تقرير مطول لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى نشر قبل أشهر واطلعت عليه وكالة "يقين" فإن الفساد المالي المباشر في العراق يستنزف نحو 25 بالمئة من المال العام، فضلا عن استزافه لنحو 20% من المال لعام بطريقة غير مباشرة.
وبحسب منظمة الشفافية الدولية، فإن العراق احتل المرتبة 169 من بين 180 دولة في عام 2018، في ظل توقعات المنظمة أن يتراجع العراق 4 نقاط أخرى هذا العام، بفعل الأوضاع السياسية والاقتصادية الجارية في البلاد.

عشرات قضايا الفساد التي أحيلت الى هيئة النزاهة والقضاء ولم يبت فيها حتى اللحظة، بسحب النائب في البرلمان "محمد شيلاع السوداني" الذي كشف عن أن ملفات الفساد في العراق تعامل سياسيا وليس من باب الفساد والعقوبات الواجبة له.
وأضاف السوداني في حديثه لوكالة "يقين" أن العراق وعلى الرغم من وجود أكثر من 4 جهات مختصة بمكافحة الفساد، إلا أنه لا يزال يننتشر في البلاد كالنار في الهشيم، موضحا أنه من الأفضل لجميع هذه الجهات أن تتوحد في هيئة مستقلة أو جهة واحدة.
"ما يحدث في العراق من تظاهرات حقة تطالب بالإصلاحات، ما هي إلا نتيجة الفساد الكبير الذي يعيشه العراق"
وانتقد السوداني وجود مجلس مكافحة الفساد الذي لم يقدم أي جديد فيما يتعلق بمكافحة الفساد، مشيرا إلى أن إلغاء المفتشين العموميين كان خطوة إيجابية في سبيل الحد من ترهل الوزارات وبعد أن باتت الكثير من دوائر المفتشين العموميين أبوابا للفساد.
وعن وضع البلاد الحالي والتظاهرات الحالية، أكد السوداني على أن ما يحدث في العراق من تظاهرات حقة تطالب بالإصلاحات، ما هي إلا نتيجة الفساد الكبير الذي يعيشه العراق والذي أدى الى نهب ثروات البلاد التي كان يمكن من خلالها بناء عراق جديد، بحسبه.

في السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل "نجم الكلاك" في حديثه لوكالة "يقين" أن الوضع الذي يعشه العراق الآن هو نتيجة انفجار تراكمات الـ 16 عاما الماضية، خاصة أن هذه التراكمات كانت متنوعة ما بين فساد مالي وسياسي ومحاصصة طائفية بغيضة، فضلا عن مشكلات كبيرة أخرى يعلمها جميع العراقيين.
وعن مؤشر مدركات الفساد الذي احتل العراق مرتبة متأخرة فيه، أكد الكلاك على أن الملف الاقتصادي في أي بلد مرتبط بالسياسي جملة وتفصيلا، وبالتالي فإن أي بلد يشهد مشكلات وفساد سياسي فإن ذلك ينعكس على الاقتصاد فورا، وهذا ما يحدث في العراق منذ عام 2003، إذ أن الفساد السياسي أدى إلى تزوير الانتخابات، وبالتالي فالذين توسدوا السلطة في العراق بعد عام 2003 هم أنفسهم الذي يتهمون الآن بسرقة أموال وثروات العراق.
أما النائب في البرلمان "محمد إقبال" فيرى في حديثه لوكالة "يقين" على أن الحكومة سهلت عمليات الفساد من خلال عدة إجراءات اتخذتها، مشيرا إلى أن قانون العفو العام الذي رفع الى البرلمان من قبل الحكومة والتعديلات التي ادخلت عليه شملت العفو عن المحكومين بجرائم الفساد والنزاهة.
"جميع القنابل المسيلة للدموع التي استهدفت المتظاهرين منتهية الصلاحية منذ ما يقرب من 5 سنوات"
وأضاف إقبال أن الحكومة السابقة لـ"عادل عبد المهدي" زادت من الفساد بتشكيلها لمجلس يعنى بمكافحة الفساد في ظل وجود هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والبرلمان ذاته، إضافة الى دوائر التفتيش الداخلي في كل وزارة أو مديرية.
ويعتقد إقبال في ختام أن العراق لن يتخلص من الفساد المستشري فيه، إذ أن كثيرا من المؤشرات تؤكد أن الفساد محمي من أعلى الجهات السياسية في البلاد، بحسبه.
أما الصحفي والناشط من العاصمة بغداد "عبد الله الصوفي" فيؤكد في حديثه لوكالة "يقين" أن الفساد وصل إلى مستويات لم تصل إليها أي دولة في العالم، إذ أن التظاهرات الشعبية الحالية كشفت عن أوجه فساد أخرى لم يكن أحد يتوقعها.
ويشير الصوفي إلى أن جميع القنابل المسيلة للدموع التي استهدفت المتظاهرين منتهية الصلاحية منذ ما يقرب من 5 سنوات، متسائلا: إن كانت القنابل فاسدة، فما بالنا بباقي الملفات؟
ويشارف العام الحالي على الانتهاء في ظل توقعات بأن يتراجع العراق في مؤشر مدركات الفساد العالمي إلى المراتب الخمسة الأولى لأكثر دول العالم فسادا.