عرفت بغداد العشوائيات لأول مرة بشكل واسع بعد إتمام سد الكوت عام 1939 وانخفاض منسوب المياه في الأهوار جنوب العراق دافعاً موجات بشرية للهجرة إلى ضواحي المدن وإلى بغداد بشكل كبير، نظام الإقطاع أيضاً ساهم برحيل أعداد من الفلاحين خاصة من محافظات ميسان وذي قار بحثاً عن فرص عمل، تركزت أعداد كبيرة منهم حول مبازل المياه وعلى أطراف بغداد حيث أنشأوا "الصرائف" بالطين وقصب البردي ولم تنجح محاولاتهم بممارسة المهن التي يجيدونها في الزراعة والرعي وصيد الأسماك لعدم توفر الشروط اللازمة لها فعمل كثير منهم في أعمال البناء ومهن بسيطة أخرى. بعد انقلاب 14 تموز 1958 ومجيء عبد الكريم قاسم إلى السلطة وبدل أن يصحح الأخطاء بتشجيع الهجرة المعاكسة وإعادتهم إلى مواطنهم الأصلية بعد توفير الظروف الملائمة، قام بتوزيع قطع صغيرة من الأراضي عليهم في جانب الرصافة شرقي بغداد أطلق عليها تسمية (مدينة الثورة) وهي عبارة عن مجموعة من القطاعات البائسة بلا خدمات حقيقية. أعداد أخرى منهم توزعت في مناطق أخرى من بغداد وبقية المدن متخذين من بيوت الصفيح والطين سكناً لهم.
خطوة قاسم بتوطين مئات الآلاف من البشر الذين تضاعفت أعدادهم بمرور الزمن بلا حلول حقيقية لمشاكلهم وخاصة مشكلة البطالة زادت من معاناتهم بقدر ما حرمت البلد من أيد عاملة كان بالإمكان احتواؤها في مشاريع زراعية تساهم في توفير لقمة العيش لهم وسد حاجة السوق من المحاصيل الزراعية وتعزيز الإقتصاد الوطني.
وقد لا يقدر المتجاوز حجم المخاطر المحيقة به أولاً ثم بالبيئة ثانياً إذ أن بعضهم شيد مسكنه على مساحة محظورة كتلك التي تمر تحتها أنابيب النفط، منها على سبيل المثال علوة زويني بالقرب من ساحة 83 في مدينة الثورة.
عشوائيات مابعد 2003
موجات أخرى من المهاجرين لحقت بهم أثناء العمليات العسكرية خاصة بعد الإحتلال وبدأت أعداد منهم بالتوغل داخل مراكز المدن مستغلين غياب المحاسبة القانونية فنشأت تجمعات سكنية فرضت واقعاً ديموغرافياً مختلفاً ضمن عشوائيات اتخذت من الأراضي المتروكة مستقراً لها صار يطلق عليها "التجاوز" فيما استوطنت أعداد أخرى منهم في منشآت ومبان حكومية متروكة. مصدر مسؤول في بلدية الكرادة صرح لصحيفة محلية أن هناك 24500 وحدة سكنية تتوزع على 43 موقعاً لمساكن عشوائية . ونشأت تجمعات أخرى على أراض زراعية تم تقطيعها وبيعها من قبل أصحابها وأخرى كانت قد استولت عليها ميليشيات وجهات متنفذة فيما بنى آخرون مساكنهم المتواضعة في الحدائق والساحات العامة فاقمت المشكلة وصعبت إيجاد الحلول لها.
عدد سكان العشوائيات وصل إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون مواطن في كل المحافظات
مخاطر العشوائيات
الموارد والبنى التحتية المتهالكة أصلاً تتحمل عبئاً مضافاً بوجود العشوائيات ولو أضفنا لها البناء بدون ترخيص والإنشطار في الدور المقامة أصلاً مع زيادة سكانية تبلغ حوالي مليون ولادة سنوياً يمكن تخيل حجم المشكلة فأنبوب الماء الرئيسي المخصص لحي يضم 100 ألف نسمة لا يمكنه تحمل ضغط 200 ألف وهذا يشمل محولة القدرة الكهربائية واستيعاب الشوارع لوسائل النقل وقائمة طويلة من الخدمات التي لن يكون بالإمكان توفيرها لأحياء صممت لاستيعاب عدد محدود من السكان
وقد لا يقدر المتجاوز حجم المخاطر المحيقة به أولاً ثم بالبيئة ثانياً إذ أن بعضهم شيد مسكنه على مساحة محظورة كتلك التي تمر تحتها أنابيب النفط، منها على سبيل المثال علوة زويني بالقرب من ساحة 83 في مدينة الثورة.
غالباً ما يتجمع سكان هذه العشوائيات على شكل مجاميع تنتمي لعشيرة واحدة حتى سميت بعضها بأسماء العشائر التي تقطنها، وبسبب العادات القبلية التي درج عليها هؤلاء تحدث مشاكل ناجمة عن الخلافات المعروفة بينهم وغالباً ما تكون الكلمة الأخيرة للسلاح في حل هذه المشاكل وهذه بحد ذاتها قضية تهدد أمن المناطق التي سكنوها ناهيك عن التغيير الديموغرافي الذي قد يفرضه وجود مجاميع تنتمي ل"ثقافة" غير معروفة في مجتمع المدينة .
عندما يكون الحل أخطر من المشكلة
لا يمكن لأحد أن ينكر أن قيام مواطن بإنشاء مبنى بلا ترخيص على أرض لا تعود له مخالفة يحاسب عليها القانون لكن الأخذ بالأسباب ومعالجة الموضوع بقدر من الإنسانية واجب لا يجوز التغاضي عنه.
ومثلما أخطأ عبد الكريم قاسم في معالجته لظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة ولم يعالج أسبابها أخطأت من جديد حكومات ما بعد الإحتلال بالمعالجة فبدلاً من إيجاد حلول دائمة لهم قامت أجهزتها في الحكومات المحلية وأمانة بغداد والبلديات بتهديم مساكن المتجاوزين في بعض المناطق دون أي تصور لما يمكن أن ينجم عن هذه الخطوة.
إن سكان العشوائيات يعانون من مشاكل لا حصر لها تبدأ بوضعهم الإقتصادي والبطالة المنتشرة بين أبنائهم ولا تنتهي بتسرب أبنائهم من المدارس إلى الأحياء الصناعية ومساطر العمال للمساهمة في توفير لقمة العيش التي أصبح الحصول عليها أصعب من ذي قبل بعد انتشار الوباء وتوقف كثير من الأعمال وهم بانتظار حل شامل لمعاناتهم.
في الرابع من الشهر الجاري رأس وزير التخطيط خالد بتال اجتماعاً للجنة التوجيهية العليا لمعالجة العشوائيات حضره مدير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية ومستشار صندوق الأمم المتحدة للسكان ووكيلا وزارتي التخطيط والإعمار والإسكان والبلديات، وعدد من المديرين العامين من وزارة التخطيط ووزارة الإعمار وأمانة بغداد والصندوق الاجتماعي للتنمية. ونقل بيان للوزارة صدر عن الإجتماع قول الوزير إن" العشوائيات تمثل أحد الملفات المهمة والخطيرة التي يجب ايجاد الحلول المناسبة لها بما يسهم في خلق حياة أفضل لساكنيها"
وبالعودة لوثائق وزارة التخطيط نجد أن عدد سكان العشوائيات وصل إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون مواطن في كل المحافظات، ويأمل هؤلاء الثلاثة ملايين ونصف المليون إنسان أن لا تكون حلول وزارة التخطيط على طريقة الحكومات المحلية وأمانة بغداد والبلديات الذين حضروا الإجتماع بتهديم مساكنهم على رؤوسهم وخلق مشاكل جديدة بدل حل المتراكم منها.