قسم التقارير - العراق
أصر معظم المرشحين لانتخابات البرلمان العراقي التي ستجري في 12 من شهر أيار/ مايو المقبل على تكرار الأساليب القديمة ذاتها في الكسب الانتخابي، والمتمثلة باستغلال الحاجة المادية للناخب في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة ، فضلًا عن العزف على وتر العاطفة الدينية والتخندق العشائري والمناطقي، وهو ما يفسره أستاذ في علم الاجتماع بأنه دليل على الإفلاس وعدم القدرة على تقديم برنامج انتخابي حقيقي، أو خطة للنهوض بالأوضاع المتردية.
وإذا كان البعض من هؤلاء المرشحين قد اختاروا الطريق الأسهل للفوز عبر شراء التسلسلات المتقدمة في القوائم القوية، أو عمدوا إلى شراء البطاقات الانتخابية التي راجت عمليات بيعها في جميع المن العراقية ، فإن الآخرين فضلوا العودة إلى الطرق التقليدية، بعد إضافة بعض التحديثات عليها؛ لملائمة التنافس الانتخابي الشرس، الذي يخوضه أكثر من 6500 مرشح للفوز بامتيازات مقعد البرلمان العراقي.

ولائم ودعوات للتشهير بالفقراء
وتعد طريقة الولائم الانتخابية هي القاسم المشترك بين معظم المرشحين، وفي جميع المناطق العراقية بلا استثناء، ومنها: العاصمة بغداد، وتحديدًا في غربها، حيث منطقة "الغزالية" التي يسكنها الأستاذ الجامعي "قاسم حميد الجبوري" 56 عامًا، والذي يحتفظ بأكثر من 15 دعوة لحضور تجمعات انتخابية ينظمها أشخاص لحساب المرشحين، الذين يعيدون استهلاك كلام مكرر ووعود لا طائل منها ، بحسب تعبيره.
الأستاذ "الجبوري" قال لــ"وكالة يقين" إنه بعد تلبية 3 دعوات؛ قرر التوقف عن حضورها؛ ليقينه بأن جميع محتويات هذه الجلسات مصطنع وغير حقيقي، حيث يشرف على تنظيمها أشخاص يزعمون أنهم وجهاء وشيوخ عشائر، وأن الدعوات يتكفلون بها لخدمة الصالح العام ، مضيفًا بأن الحقيقة هي استلامهم لمبالغ ضخمة من المرشح، لقاء تنظيم الوليمة التي تتصدرها لافتات، تؤكد أن أهالي أو وجهاء المنطقة يرحبون بابنهم البار، في إشارة إلى المرشح الذي ليس له أي تاريخ أو منجز.

ويتابع "الجبوري" أن منظمي هذه الدعوات يستقبلون أسبوعيًا أكثر من 4 مرشحين، ويحتفلون بهم، ويعلنون الدعم والتأييد لهم، بالرغم من التناقض الكبير في التوجهات والميول والانتماءات السياسية لهؤلاء المرشحين ، مستدركًا بأن هذا الأمر لا يمثل أي مشكلة لتجار الحملات الانتخابية، أو حتى المواطن الفقير الذي يضطر إلى الحضور والاستماع إلى الكلمات والأهازيج الكاذبة؛ من أجل الفوز بوجبة الغداء أو العشاء، وظرف يحتوي على مبلغ مالي لا يتجاوز الــ25 ألف ينار.
ويعرب "الجبوري" عن أسفه لاستغلال حاجة الفقير بشكل بشع، من قبل المرشح ومنظم الدعوات، من خلال تصويرهم أثناء تناول الطعام، أو استلام المظاريف المالية أو الهدايا، ونشرها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتعرض الشخص لحملة واسعة من السخرية والتشهير من قبل أقربائه ومعارفه.

مواطن: طلبات التعيين تنتهي إلى القمامة
وفي منطقة "الشعلة" المجاورة لـ"الغزالية"؛ تأخذ الدعاية الانتخابية شكلًا أكثر تأثيرًا في الحاجة المادية للناخب، حيث يشهر أغلب المرشحين الورقة السحرية؛ وهي: التعيين الوظيفي للناخب وأفراد عائلته، والتي أحصى الحاج "باسم عريبي اللامي" تكرارها بشكل غير مسبوق خلال الشهر الأخير، مع توافد أعداد ضخمة من المرشحين على المنطقة لتفقد أحوالها، والسؤال عن احتياجات السكان.
"تأخذ الدعاية الانتخابية شكلًا أكثر تأثيرًا في الحاجة المادية للناخب"
الحاج "اللامي" 59 عاما، الذي يمتلك وكالة للحصة التموينية في شارع 60؛ أوضح لـ"وكالة يقين" أن العديد من سكان "الشعلة" باتوا يحتفظون بعدة نُسَخ من ملفات تضم مستمسكاتهم الثبوتية وشهادة التحصيل الدراسي، وهي الأوراق التي يطلبها كل مرشح منهم لغرض تعيينهم في الوزارات والدوائر الحكومية ، متابعًا بأن البعض يتكفل بالتعيين في الأوقاف أو الصحة أو التربية، بينما ذهب بعضهم إلى أبعد من هذا، حين تعهد بتوفير التعيينات في وزارَتَي النفط والكهرباء، والتي يعلم الجميع بأنها وعود شبه مستحيلة.
ويقر "اللامي" بأن هذه الطريقة مكررة، وسبق استخدامها في السنوات السابقة من دون جدوى، حيث تم إهمال هذه الطلبات، أو حتى العثور عليها في القمامة ، مستدركًا بأن الحاجة تدفع بالمواطن الفقير والطامح إلى تكرار الأخطاء في سبيل الفوز بفرصة التعيين، أو مجرد العيش على أمل أو وهم انتظار هذه الفرصة.

برلمانية تحذر من وعود التعيينات
من جهتها تؤكد النائبة في اللجنة القانونية بالبرلمان العراقي "زينب السهلاني" أن قانون الموازنة الخاص بعام 2018، والذي تم إقراره في آذار/ مارس الماضي كان واضحًا، حيث لم يتضمن أي درجات وظيفية في الوزارات أو الدوائر غير المرتبطة بوزارة.
"التظاهر بالورع والتقوى يبدو أسهل الطرق لكسب الناخب"
"السهلاني" أوضحت لــ"وكالة يقين" أن القانون خلا من التخصيصات المالية للتعيينات الوظيفية الجديدة، فضلًا عن إيقاف كل التعيينات بطريقة الحذف والاستحداث في الدوائر، والتي تتم عبر استقالة الموظف أو وفاته أو تركه الوظيفة وغيرها ، مضيفة بأن الموازنة تحتوي على فقرة حذف الدرجة الوظيفية فقط من دون استحداث أخرى بمكانها .
وتابعت البرلمانية "السهلاني" أن الطريقة الوحيدة للحصول على الدرجة الوظيفية في موازنة 2018؛ هي عبر رئيس الوزراء، أو الوزير، وعن طريق تقديم طلب إلى وزارة المالية، من أجل استحداث الدرجات المطلوبة، وتكون بقرار من مجلس الوزراء .

مرشحون يصلون في وقت الانتخابات
وإذا كان استحداث الدرجات الوظيفية صعبًا على المرشح؛ فإن التظاهر بالورع والتقوى يبدو أسهل الطرق لكسب الناخب، وهو ما يؤكده المهندس "بارق خليل العبيدي" الساكن في منطقة "الأعظمية"- شمال بغداد، والذي يسلط الضوء على ظاهرة ارتياد المرشح "حتى وان لم يكن يصلي" للمساجد المختلفة في بغداد، وخصوصًا في صلاتَي الجمعة والعشاء، حيث يتزايد عدد المصلين عن باقي الصلوات.
"الطريقة الوحيدة للحصول على الدرجة الوظيفية في موازنة 2018؛ هي عبر رئيس الوزراء، أو الوزير"
المهندس "العبيدي" الموظف في وزارة النقل بَيَّن في حديث لـ"وكالة يقين" أن أكثر من 12 مرشحًا للانتخابات واظبوا في الفترة الأخيرة على الصلاة في مساجد منطقة "الأعظمية"، وخصوصًا في مسجد الإمام "أبي حنيفة النعمان"، في سبيل اللقاء مع الإمام والخطيب و المصلين، وخوض الأحاديث معهم، والتي تبدأ بالسؤال عن الحال والاحتياجات، وتنتهي بتعهدات شتى سوف سينفذها للمنطقة فور دخوله تحت قبة البرلمان ، مشيرًا إلى أن جميع هذه الخطابات بدت مستنسخة بشكل حرفي عن كلمات المرشحين الذين زاروا المنطقة في الانتخابات الماضية.
ويتابع "العبيدي" أن الأمر لم يقف عند الصلاة، وتعداه إلى حضور المناسبات الاجتماعية لأهالي المنطقة، والمساهمة في ترتيب حفل الزفاف في حالة الأعراس، وإبداء التأثر و الحزن أو حتى البكاء في مجالس عزاء لأشخاص لا يعرفهم المرشح ولم يسمع بهم من قبل، في حين أصر أحد المرشحين -وهو موظف حكومي براتب محدود- على إرسال وجبة من أهالي المنطقة لأداء فريضة العمرة، ووعد آخرين بمقاعد للحج، والتي يعلم الجميع بأنها محسومة بموجب القرعة.

تبليط انتخابي
إلى ذلك يعد "عثمان خلف الحديثي"، وهو صاحب محل لبيع الملابس الرجالية في منطقة "العامرية"- غربي بغداد، أنهم كانوا محظوظين حين حصلوا على شيء ملموس من الوعود الانتخابية، وهو تبليط شارع لا يتجاوز طوله النصف كيلومتر، بعد مناشدات لأكثر من 10 سنوات.
"العمل في تبليط الشارع كان يباشر به لعدة ساعات ثم يتوقف ليومين أو أكثر من أجل تركيز الدعاية الانتخابية وتكثيفها"
ويبين الشاب "الحديثي" لـ"وكالة يقين" أن "شارع المطبعة" في منطقة "العامرية" كان الأكثر تضررًا من شوارع المنطقة، واختاره أحد المرشحين مادةً انتخابيةً استمر العمل فيها أكثر من شهرين، مصحوبة بعدد من الزيارات والصور الفوتوغرافية والمنشورات الممولة على مواقع التواصل الاجتماعي فاق عددها مجموع ذرات مواد البناء المستخدمة في التبليط ، بحسب تعبيره.
ويوضح "الحديثي" أن العمل في تبليط الشارع كان يباشر به لعدة ساعات ثم يتوقف ليومين أو أكثر من أجل تركيز الدعاية الانتخابية وتكثيفها، من دون مراعاة لحالة الازدحام الشديدة التي تسبب بها قطع الشارع، واضطر الساكنون فيه إلى إيداع سياراتهم لدى أقربائهم ومعارفهم ، مستغربًا من تخلي المؤسسات الحكومية المختصة عن واجبها في أعمال الصيانة والإنشاء، وتركها مادة رخيصة للدعاية الانتخابية.

أستاذ جماعي: المرشحون لا يملكون شيئًا حقيقيًا لتقديمه
من جانبه يعد أستاذ علم الاجتماع "علي كرجي الحلبوسي" أشكال الحملات الدعائية التي يقوم بها المرشحون في العراق، بأنها تعبير عن إفلاس وعدم القدرة على تقديم أي برنامج حقيقي لإقناع جهور الناخبين وكسب ثقتهم ، مستغربًا عن علاقة الولائم أو الصلاة، أو تنظيم بطولة رياضية ذات تكاليف رخيصة، أو توزيع هدايا بالعمل البرلماني.
ويؤكد الأستاذ "الحلبوسي" في حديث هاتفي مع "وكالة يقين"، أن الموضوع بالأساس قائم على الخطأ؛ لأن المرشح يجب أن تكون له سيرة وأعمال سابقة، سواء في العمل البرلماني أو الوظيفي، وأن يكون ذا منجز في تخصصه، حتى وإن كان زعيمًا عشائريًا أو ناشطًا إغاثيًا، متابعًا بأن هذا المنجز يكون هو الأساس لكسب الناخب وإقناعه، وليست الوسائل الرخيصة التي تستغل الفقر والعوز، أو اللعب على المشاعر الدينية أو الطائفية.
"الموضوع بالأساس قائم على الخطأ؛ لأن المرشح يجب أن تكون له سيرة وأعمال سابقة"
ويشدد "الحلبوسي" على أن المرشح يجب أن يقدم برنامجًا انتخابيًا واضحًا معززًا بموافقة قائمته، على أن يستهدف جانبًا معينًا من معاناة المواطن، ويعمل على معالجتها خلال مدة زمنية معينة ، مبينًا أن هذا البرنامج يكون بمثابة الاتفاق المبرم بينه وبين الناخب، وهي الطريقة المتبعة في دول العالم، التي لا تتخذ من البرلمان وسيلة للنفوذ والكسب الحرام.
ويستغرب "الحلبوسي" من الثقة بنائب بدأ مسيرته البرلمانية بجريمة ارتكبها حين اشترى البطاقة الانتخابية أو التسلسل الانتخابي، أو برشوة قدمها إلى الناخب، سواء كانت على شكل مبلغ مادي، أو وعد بالتعيين، أو وليمة، وغيرها من الطرق الرخيصة ، مستفسرًا عن شكل المصداقية والنزاهة التي يحملها هذا النائب، وهل تؤهله لتمثيل عدد كبير من الناخبين من المفترض أن يدافع عن حقوقهم ويسعى إلى تحصيلها ؟.