حرائق مستشفيات وتجريف بساتين ..ذي قار الثائرة تحت سياط الإنتقام 

يطلق الناشطون على محافظة ذي قار تسمية (عاصمة الثورة) بسبب تنامي حركة الإحتجاج فيها بشكل ملفت، ليس منذ انطلاق احتجاجات تشرين وإنما منذ البدايات المبكرة لعهد الإحتلال. وبسبب احتجاجاتهم يسود الإعتقاد لدى أوساط الناشطين في المحافظة، أن الواقع المأساوي الذي تعيشه محافظتهم  هو نوع من العقوبات تمارسها الأحزاب وميليشياتها ضدهم منذ ذلك الحين بأشكال مختلفة. بل أن هناك من يرى أن حرائق المستشفيات وتجريف البساتين وغيرها من الممارسات، ليست إلا أعمالاً إنتقامية تنفذ بشكل متعمد، لإجبارهم على الرضوخ والقبول بهذا الواقع. ولأن ذي قار تحتل موقعاً متقدماً بين المحافظات الثائرة، كان عليها أن تدفع ثمن تمردها على الواقع الفاسد، المتمثل بتقاسم المغانم بين لجان الأحزاب الإقتصادية الجارية على قدم وساق طيلة ما يقرب من عقدين من الزمن من قوت أبنائها ودمائهم، حتى ما إذا ثار شبابها وطالبوا بحقوقهم، كشرت هذه الأحزاب وميليشياتها عن أنيابها وأوغلت في دمائهم وأرزاقهم . وانطلقت احتجاجات ذي قار منذ وقت مبكر من عهد الإحتلال مطالبة بتحسين أوضاعها، لكنها بدأت تعي في الأعوام الأخيرة، أن تغيير مسؤول بآخر لا يحل مشاكلها، وأن تجزئة المطالب يصب في صالح النظام، فرفعت سقف مطالبها كبقية المحافظات الثائرة لتطالب بتغيير النظام بأكمله. 

احتراق مستشفى الحسين في ذي قار قتلٌ عمد وفق المادة ٤٠٦ من قانون العقوبات التي تعاقب بالإعدام

حرائق المستشفيات  

واتفقت آراء العديد من الخبراء على أن حريق مستشفى الحسين في الناصرية كان متعمداً، رغم اختلاف الأسباب التي سوقها هؤلاء الخبراء، والتي لا تبرر بأي شكل كان  القيام بقتل هذا العدد من الأبرياء حرقاً، والذين لا يجمعهم شيء سوى أنهم مصابون جميعاً بفايروس خطير، وحضروا لمستشفى حكومي لتلقي العلاج. وفي هذا الشأن يرى الخبير القانوني علي التميمي إن " احتراق مستشفى الحسين في ذي قار قتلٌ عمد وفق المادة ٤٠٦ من قانون العقوبات التي تعاقب بالإعدام". ونقلت وسائل الإعلام عن هذا الخبير قوله "إن قانون العقوبات العراقي عاقب في المواد ٣٤٢ و ٣٤٣ بالسجن المؤبد على الحريق المتعمد في المنشأة الحكومية والسجن ١٠ سنوات اذا كان الحادث غير متعمد"، مضيفاً "إن العراق يواجه وباء، وبالتالي اتخاذ كل الاحتياطات واجب، وسبق أن حصل حريق مشابه في مستشفى ابن الخطيب في بغداد، ويمكن أن نصف هذا الفعل بأنه قتل عمد وفق المادة ٤٠٦ من قانون العقوبات التي تعاقب بالإعدام" القائمين بهذا الفعل الشنيع.
وأكد ناشطون شاركوا بتظاهرات ليلة الاثنين / الثلاثاء عقب الحادث، إن البحث عن الأسباب وتشكيل لجان تحقيقية لم يعد يهمهم، وقالوا في أحاديث لصحفيين قاموا بتغطية التظاهرة "إننا في مواجهة مفتوحة مع الفاسدين، نحن نعلم أن فسادهم لن يتوقف بتغيير مسؤول وهم يعلمون أن تظاهراتنا لن تتوقف قبل أن يتغير هذا النظام بأكمله، لذلك علينا توقع المزيد  من هذه الجرائم".

أصيبت أشجار النخيل بالعديد من الأمراض، مما دفع المتنفذين لتقديم إغراءات مادية لأصحابها بالتخلي عنها، ليتم بيعها وتقسيمها إلى قطع سكنية خارج إطار القانون

تجريف البساتين

وما زالت عمليات حرق وتجريف بساتين المحافظة جارية في العديد من المناطق المحيطة بمدينة الناصرية، حيث أصبحت أشبه بصحراء قاحلة تضربها العواصف الترابية في موسم الصيف ، بعد أن كانت هذه البساتين تمثل حزاماً أخضر يحيط بالمحافظة، وتساهم بتأمين السلة الغذائية لها. وتدنى المردود الإقتصادي لبساتين المحافظة بسبب تراجع الدعم الحكومي في مجال مكافحة الأمراض الزراعية، حيث أصيبت أشجار النخيل بالعديد من الأمراض، مما دفع المتنفذين لتقديم إغراءات مادية لأصحابها بالتخلي عنها، ليتم بيعها وتقسيمها إلى قطع سكنية خارج إطار القانون.  وفي لقاء صحفي أشار رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية في المحافظة مقداد الياسري، إلى أن "حرمان الفلاحين من الدعم الحكومي وانعدام الجدوى الاقتصادية لبساتين النخيل هو ما جعل الفلاح يتساهل مع تجريف البساتين وبيعها كقطع اراض سكنية"، 

وقدر الياسري ما تم تجريفه لحد الآن بأكثـر من 15% من مجموع مساحة البساتين الإجمالية والتي تصل إلى حوالي 42 الف دونم ، مضيفاً أن مخاطر التوسع العمراني على حساب المساحة الخضراء بات يهدد بيئة المدينة وجماليتها، بالإضافة إلى الأضرار الإقتصادية. 

تجاوز على القانون 

وتخول توجيهات أمانة مجلس الوزراء لعام 2016 القائممقامين ومدراء النواحي بممارسة صلاحياتهم الجزائية، برفع التجاوز الحاصل على البساتين وفقاً لقانون حماية المنتوج الزراعي رقم 71 لسنة 1968، لكن واقع التجاوز الحاصل يشير إلى أن هذه التوجيهات بقيت حبراً على ورق. وفي هذا الصدد يقول معاون مدير زراعة ذي قار فرج ناهي ثمار إن "قانون حماية المنتوج الزراعي يعتبر الأراضي الزراعية والبساتين ومناطق الأهوار ومنتجاتها ووسائل الإنتاج الزراعي ثروة قومية، يتوجب على أصحابها وذوي العلاقة فيها والمسؤولين، التصرف فيها وإدارتها واستغلالها بصورة صحيحة". وأكد ثمار "أن القانون فرض عقوبات تتضمن الحبس والغرامة للمخالفين، لكن المسؤولين المعنيين بتنفيذ القانون لم يستخدموا صلاحياتهم بصورة واسعة، للحد من استشراء المشكلة التي أخذت تتفاقم في الاعوام الاخيرة". 

يذكر أن الفساد المستشري في ملف حرق وتجريف البساتين ليس جديداً على هذه المحافظة، التي يطالب أبناؤها بالحد منه، دون استجابة تذكر. واعتبر ناشطون في تغريدات لهم أن المتنفذين والقائمين على تطبيق القانون هم من يتسبب بتراجع الدعم الحكومي للفلاحين وأصحاب البساتين، وبالتالي تنتشر الأمراض الزراعية ويتراجع المردود الإقتصادي، فيضطر أصحاب البساتين لبيعها، ليشتريها هؤلاء المتنفذون ويحولوها إلى أراض سكنية. وكان هذا الملف واحداً من ملفات كثيرة دفعت بذي قار لتكون في مقدمة المحافظات الثائرة، لتتم معاقبتها بهذه الطرق الوحشية.

23 يناير، 2023
سياسة إيران المائية تحرم العراق من ثلث أراضيه الزراعية
7 أبريل، 2022
غياب الدعم ومنافسة المستورد ينهي صناعة الدواجن في العراق
4 نوفمبر، 2019
مظاهرات العراق.. كيف تجسد روح التعاون بين فئات المجتمع؟
20 أبريل، 2017
"حزام بغداد"… بين القتل الطائفي والتهجير الديمغرافي
15 ديسمبر، 2019
عراقيون عن #مقابر_المغيبين في الفلوجة: من يقف وراء الجريمة؟
8 فبراير، 2018
أهالي الفلوجة.. عائدون "نادمون" أمام صدمة الفوضى والاختطاف
8 مارس، 2024
بسبب الفساد وسوء الإدارة.. العراق بمراتب متأخرة ضمن مؤشر الرخاء والازدهار.
1 مارس، 2021
أحكام بالسجن ضد متظاهرين كرد تواجه بردود فعل داخلية وخارجية واسعة 
25 يونيو، 2017
العيد في العراق تسمية لا فرحة... والأسباب هي ؟
23 يناير، 2018
#ملينة_منكم.. آلاف المغرّدين ينددون بسياسة حكومة بغداد
17 مارس، 2019
خدمة الإنترنت في العراق.. الأعلى تكلفة والأسوأ خدمة
24 أبريل، 2021
نادمون على تطوع أبنائهم .. ذوو قتلى الميليشيات يعيدون حساباتهم
menu-circlecross-circle