بعد أن انتهت من جرائمها في قضاء المقدادية بمحافظة ديالى، توجهت قطعات من ميليشيا الحشد الشعبي إلى منطقة "حاوي العظيم" أواسط الشهر الجاي، وسط حالة من الرعب يعيشها سكان المنطقة من تكرار هذه الجرائم، التي صمتت عنها الحكومة كما صمتت قبلها عن عمليات التهجير في أحياء ومناطق أخرى من حزام بغداد، وهي حلقات وجد محللون سياسيون أنها ترتبط جميعاً بمسلسل التغيير الديموغرافي والطائفي، والتي شاركت بها قوات حكومية جنباً إلى جنب مع ميليشيا الحشد. وشملت العمليات الأخيرة قرى كريم الداود، والزورة في قضاء خانقين، إضافة إلى تفتيش ضفتي حاوي العظيم الشرقية والغربية بين سد العظيم من الشمال، حتى مصد النهر على نهر دجلة جنوباً. ونقلت القنوات التلفزيونية التابعة للميليشيات بياناً نشره إعلام الحشد جاء فيه، إن "قيادة عمليات صلاح الدين وقيادة عمليات سامراء وقيادة عمليات شرق دجلة للحشد الشعبي، نفذت واجب تفتيش الساحل الغربي لحاوي العظيم، فيما نفذت قيادة عمليات ديالى للجيش والحشد الشعبي عملية تفتيش حوض العظيم الشرقي". وأضاف البيان أن اللواء 23 ولواء نداء ديالى والقوات الخاصة لقيادة عمليات ديالى للحشد الشعبي شاركت في العملية أيضاً. وأرجع البيان أسباب هذه العملية إلى "ملاحقة فلول داعش وتدمير مخابئه، وفتح طرق جديدة لتسهيل توغل القوات لعمق تلك المناطق"، وهو الإدعاء الذي اعتادت بيانات الميليشيات على تكراره، كلما أقدمت على ارتكاب جريمة جديدة.
من "حاوي العظيم" إلى "قره تبة"
وكان بيان لميليشيا الحشد قد أعلن الخميس الماضي عن انتشار قواته في قرى شمال خانقين بمحافظة ديالى. وجاء في البيان إن "اللواء 28 في الحشد باشر اليوم بتأمين قرى شمال خانقين في ديالى" لتنفيذ ما أسماها ب"عملية أمنية لتأمين قرى كريم الداوود والزورة بمحاذاة نهر الوند شمال خانقين في ديالى".
وكانت قرية قرة تبة في قضاء خانقين التابع لمحافظة ديالى، قد تعرضت لقصف بقذائف الهاون قبل اجنياح قوات الحشد له بخمسة أيام، أدى لإصابة مدني بجروح بليغة. وأكد مصدر أمني إن "أربع قذائف هاون سقطت في محيط منطقة المشروع بناحية قره تبه 110كم شمال شرق بعقوبة"، مضيفاً إن "سقوط القذائف أسفر عن اصابة مدني بجروح وتضرر منزلين"، وإن "القوات الامنية بدأت عملية بحث وتحرٍ لمعرفة مكان إطلاق القذائف".
وليست هذه المرة الأولى التي تجتاح فيها ميليشيات الحشد قضاء خانقين، إذ سبق أن انتشرت فيها مع قطعات من القوات الحكومية في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، حيث شهد هذا القضاء تدهوراً أمنياً إثر دخولها إليه.
علماء الأمة يستنكرون
ورغم حملة الإستنكار الواسعة لجرائم المقدادية وما سبقها، استمرت هذه الميليشيات مدعومة بالقوات الحكومية بارتكاب جرائمها، متذرعة بالبحث عن عناصر تنظيم الدولة "داعش". وكانت ست عشرة منظمة وهيئة واتحاداً ورابطة إسلامية من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، قد دعت في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، إلى التصدي "للحملات الإرهابية التي تمارسها الميليشيات الطائفية في العراق" خاصة في قرى محافظة ديالى، التي تشهد حملة منظمة من الجرائم ضد الإنسانية، فيما تغض السلطات الحكومية النظر عنها. ولفت بيان وقعت عليه هذه المنظمات إلى جرائم الحشد المتواصلة ضد المدنيين العزل بدوافع طائفية، وخاصة مجزرة قريتي"نهر الإمام والعامرية".
واستعرض البيان عمليات الإعدام الميدانية التي نفذتها هذه الميليشيات ضد النساء والشيوخ والأطفال والمرضى في هتين القريتين، وقيامها بدفن بعضهم أحياء، مع تدمير وهدم المساجد والمساكن وتجريف البساتين وحرقها. وذكّرالبيان بفاجعة جرف الصخر، التي حدثت قبل عدة سنوات لأسباب طائفية، مستنكراً هذه الجرائم، ومحملاً الحكومة العراقية وأحزابها مسؤولية ارتكابها، وذلك "لتخاذلها وسكوتها المريب عن هذه الجريمة المروعة، وعدم قيامها بواجبها في الدفاع عن المدنيين العُزَّل والنساء والأطفال، وغضِّها الطرف عن مساءلة ومحاكمة قادة الحشد الشعبي" بحسب البيان، الذي دعا "المجامع والروابط والمؤسسات العلمائية والحقوقية والإعلامية، والخطباء والدعاة وأبناء الأمة الإسلامية جميعاً وشرفاء العالم، للقيام بواجبهم في استنهاض دولهم وحكوماتهم للقيام بواجبها المنوط بها في نصرة المستضعفين، وتصدِّيهم لهذه الحملات الإرهابية، وفضح جرائم هذه الميليشيات ومن يقف وراءها من الدول الإقليمية والغربية وحكوماتها، التي تزعم رعايتها لحقوق الإنسان وتتباكى على ذلك إذا كان الأمر يتعلَّق بغير المسلمين".
لماذا ديالى؟
ودأبت الميليشيات الموالية لإيران على القيام بحملات تطهير طائفي في قرى محافظة ديالى الحدودية مع إيران، ولاحقت سكانها من قرية الى قرية، ونُشرت صور ومقاطع فيديو تظهر ملاحقة الميليشيات للعوائل التي فرّت من قرية نهر الإمام إلى قرية "شوك الريم"، بعد المجزرة التي شهدتها، والتي تعرضت بدورها لقصف بالهاونات؛ عقاباً لها على استقبالها للهاربين من قرية نهر الإمام .
ولا تقتصر جرائم الميليشيات الموالية لإيران على محافظة ديالى، لكن مراقبين عزوا التركيز عليها لقربها من إيران، التي تعمد لإجراء تغيير سكاني لصالح القوى السائرة في فلكها، عبر ميليشياتها العاملة في العراق، مستخدمة العامل الطائفي، خاصة وأن هذه المحافظة لا تبعد عن العاصمة بغداد أكثر من ستين كيلومتراً، وتعتبر الجسر الذي يوصل طهران إلى بغداد، مما يضع هذه المحافظة في دائرة إهتمامها. ويرى الصحافي العراقي حيدر الجنابي أن ساسيي السلطة لم يتوقفوا عن ضخ جرعات التحشيد الطائفي إلى جمهورهم خلال الانتخابات الأخيرة، حيث لجأ كثير من المرشحين إلى العامل الطائفي في حملاتهم الإنتخابية، سعياً وراء الحصول على أصوات الناخبين بعد دورات برلمانية فاشلة. واعتبرت الصحافية غفران يونس أن "من الطبيعي أن تسعى طهران وعبر الميليشيات المرتبطة بها إلى تأسيس منطقة آمنة فيها، على اعتبار أن لها حدوداً مع إيران وتُعدّ النقطة الأقرب إلى العاصمة بغداد ومحافظة صلاح الدين. كما ترغب طهران من خلال الهيمنة عليها بأن تخلق مناطق فراغ جديدة على شاكلة منطقة جرف الصخر".