قانون تعادل الشهادات.. عقار جديد لعقدة المؤهل العلمي

hozaya
9 تشرين الثاني، 2020

 

لم تلق مداخلة لنائب برلماني من السخرية والتندر بل ومن الإستهجان بقدر ما لقيت مداخلة عبد الأمير الدبي عن كتلة الصادقون التابعة لعصائب قيس الخزعلي العام الماضي والتي بقيت تتردد على مواقع التواصل الإجتماعي كمادة للتندر والسخرية حتى  قرر مجلس النواب مؤخراً جبر خاطر النائب المذكور بقانون " أسس تعادل الشهادات والدرجات العلمية العربية والاجنبية".
وكان النائب المذكور قد طالب في مداخلته بالعفو العام عن أصحاب الشهادات المزورة ، فالمزور كما وصفه النائب في معرض دفاعه عن مداخلته هو " شاب يريد أن يعيش حياة كريمة، فلا يجب أن نجعل من الشهادة والتحصيل الدراسي حجر عثرة أمامه"!

وجاءت مداخلة الدبي في جلسة المجلس التي ناقشت إعادة منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية المفصولين من وظائفهم بسبب تزوير شهاداتهم، مبرراً طلبه بالقول إنه "منذ عام 2003 وحالات تزوير الشهادات منتشرة في العراق." وأن " كثيراً من الوزراء والنواب السابقين ومسؤولين كبار في الدولة استفادوا من الشهادات المزورة". وكأن التزوير يجب أن يكون هو القاعدة والتحصيل العلمي الذي لا يجب أن يكون حجر عثرة في الطريق هو الإستثناء.

أما القانون فلا يجد فيه المختصون غير مخرج يتساوى فيه الذين يعلمون والذين لا يعلمون ويتساوى فيه الذين يزورن بالذين يجتهدون.

إن مجلس النواب لم يضع في الحسبان رأي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي تعد المؤسسة الأولى المعنية والمختصة بالأمرقبل التصويت عليه

 

ماذا يتضمن القانون الجديد؟

ست عشرة مادة تضمنها القانون الحديد كان من بينها السماح لأصحاب الدرجات العليا في الحكومة بالحصول على الشهادة بعيداً عن الشروط المعمول بها كالتفرغ ، رغم أن هذا يتعارض مع قانون انضباط موظفي الدولة. كما أجاز القانون فقرة تتعارض مع المادة السابعة و الأربعين من الدستور التي تنص على مبدأ الفصل بين السلطات وهي أن يكون للأمانة العامة لمجلس النواب أن تعادل الشهادات التي تصدر عن معهد التطوير البرلماني .
ومن بين ما اعترضت عليه جهات عديدة ومنها وزارة التعليم العالي أن القانون يسلب حق الوزارة مبدأ التقييم العلمي في منح الألقاب ويعتمد بدلاً من ذلك على ما أطلق عليها القانون "الجهود المتميزة" كأساس للتقييم ،إضافة إلى العديد من النقاط الأخرى التي اعتبر المختصون أنها تغمط حقوق المتميزين والمبدعين وتساويهم بغيرهم ورأوا في القانون إسلوباً لتمرير شهادات مزورة أو لا تتوافق مع المعايير العلمية العالمية والتي تعمل بها الوزارة منذ عقود. وأشكلت الوزارة على البرلمان أنه لم يأخذ برأيها باعتبارها صاحبة الإختصاص في هذا الموضوع مبدية في بيان أصدرته بهذا الخصوص قلق مؤسسات التعليم العالي وتحفظها على العديد من مواد القانون. وانضمت مؤسسات علمية أخرى ل"جبهة الرفض" حيث أبدت لجنة عمداء كليات الإعلام أسفها للتدخلات السياسية في أمر يخص التعليم العالي لتمرير تشريع "ينسف القوانين النافذة ويحطم منظومة علمية قائمة على تراكم الخبرات والسياقات الرصينة" مشيرة إلى أن القانون الجديد "يسفه الألقاب العلمية وسياقات منحها،" وأكدت اللجنة أن "صياغة القانون الجديد تكشف بوضوح عن جهل وعدم فهم لمعايير الجودة العلمية والبحث العلمي". وقالت لجنة عمداء كليات الإعلام إن القانون "سيء الصيت" ودعت إلى التصدي له.

من ناحيتها رفضت رئاسة الجامعة المستنصرية في بيان لها القانون بشدة وقالت "إن مجلس النواب لم يضع في الحسبان رأي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي تعد المؤسسة الأولى المعنية والمختصة بالأمرقبل التصويت عليه" داعية إلى إعادة النظر به وصياغته " بما يحفظ مكانة المؤسسات التعليمية العراقية بين نظيراتها العالمية ذات الجودة الرصينة" بحسب البيان.

 

 

قانون لخدمة المسؤولين

وحال صدور القانون استطلع عدد من القنوات الإعلامية آراء نخبة من الأساتذة الجامعيين و المتخصصين بشؤون التعليم العالي حوله. وقال العميد السابق لكلية الإعلام بجامعة بغداد هاشم حسن لإحدى القنوات الإخبارية إن القانون ارتكب عدة أخطاء دستورية وقانونية مضيفاً أن "وضع امتيازات لمنح شهادات من خلال معادلتها بطرق ملتوية لأعضاء البرلمان، والتحايل على مبدأ مهم ونظام تعليمي سائد في أغلب بلدان العالم، بإتاحة معادلة الشهادة العليا والبكالوريا "غسيل شهادات". على حد تعبيره.

وتنص المادتان الرابعة والخامسة من القانون على قبول أي دراسة في الاختصاص مقابل عدد سنوات الثانوية من دون اشتراط وجود البكالوريا (الثانوية العامة).
وانتقد حسن المادة الثانية عشرة من القانون التي تتيح لأصحاب الدرجات الخاصة وأعضاء البرلمان والوزراء إمكانية الحصول على شهادات دون القيود السابقة معتبراً أنها تجعل القانون "مفصلاً على مقاس المسؤولين" مضيفاً أن القانون "بدعة، ولا سيما بإتاحته معادلة شهادات المبتعثين وفقا لوثيقة تفيد بأن المبتعث قد أكمل دراسته". وشدد على أن هذا الجراء "لا يتطابق مع المعايير العلمية السائدة التي تشترط  تقديم نص مكتوب لأطروحة ماجستير أو دكتوراه  ومجاز من قِبَل لجنة علمية، ومن ثم مطابقتها من قبل لجنة علمية مختصة مع دراسة السنوات التحضيرية داخل بلاده".

 

سابقة خطيرة

المتحدث باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي حيدر العبودي انتقد القانون لأنه " لم يمر على مجلس شورى الدولة" الذي عليه أن يستوثق من عدم تعارضه مع التشريعات السارية وهذا ما جعل بعض مواده تتعارض مع القوانين النافذة مثل قانون الخدمة الجامعية وقانون الخدمة المدنية وقانون الإجازات الدراسية، واستغرب المتحدث من أن القانون استثنى " شرائح وفئات معينة " مؤكداً رفض الوزارة  والجامعات العراقية له معتبراً إياه "سابقة خطيرة"

مجالات كثيرة كان العراق يقف في صدارتها على مستوى العالم وتشهد له بها المحافل الدولية، في الصحة والزراعة والصناعة لكنه يقف الآن خارجها متفرجاً على دول حديثة باتت ترتقي سلم التقدم وتجتازه بخطوات بعيدة. التحصيل العلمي هو خط الصد الأخير في مواجهة الجهل لكن هذا القانون لا يريد للعلم أن يكون "حجرعثرة" على طريق الفاشلين والمزورين وفق رؤية النائب الذي طالب بالعفو عنهم. وليس من الغريب إذن أن يلفظه مؤشر دافوس أيضاً العام الماضي خارج تصنيف جودة التعليم العالمي كما لفظته بقية المحافل مادمنا نشرع قوانيننا بهذه الطريقة.

 

menu-circlecross-circle