على عكس بحيرة حمرين، لا توجد روافد أو أنهار تصب في بحيرة ساوة في محافظة المثنى أو تخرج منها، وإنما يتكون مخزونها المائي من المياه الجوفية الواردة من نهر الفرات القريب، عبر التصدعات والشقوق. أما بحيرة حمرين الواقعة الى الشرق من ناحية السعدية في محافظة ديالى، فتتبع سد حمرين المقام على نهر الوند. وأفتتح هذا السد في حزيران/يونيو من عام 1981، للحؤول دون غرق مدن حوض ديالى في الفيضانات الموسمية، وكانت هذه البحيرة تزود المحافظة ب70% من حاجتها من المياه، مشكّلة خزيناً استراجياً لسد حاجة المحافظة، إذ أنها تستوعب ما يزيد عن مليارين و400 مليون متر مكعب من المياه.
وطوال العهود السابقة، كان الرأي العلمي يميل إلى أن بحيرة ساوة لن تجف، "بسبب التوازن بين الكمية المضافة من المياه الجوفية وكمية الماء المتبخرة"، لكن العهد الحالي الذي يحدث فيه ما لا يحدث في غيره، شهد جفاف البحيرة، لا بسبب العوامل المناخية ومنها التبخر فحسب، بل أيضاً بسبب الإقبال الكبير على المياه الجوفية وحفر الآبار، بعد أن شحت مياه الرافدين وما يتفرع منهما. وأعلن متحدث باسم وزارة الموارد المائية أن البحيرة، ولأول مرة في تاريخها، جفت بشكل كامل، لتلحق بها بحيرة حمرين، التي جفت هي الأخرى.
ساوة بحيرة الأساطير
وبسبب تاريخها الضارب في القدم، ووقوعها في منطقة صحراوية ولا ترتبط بالروافد والأنهار، ولكونها حوضاً محصوراً يقع على ارتفاع 17 متراً عن سطح البحر، عدت بحيرة ساوة من العجائب الطبيعية النادرة، ومثلت حتى وقت قريب وجهة سياحية جذابة، ونسجت حولها العديد من الاساطير، التي مازال العامة يتداولونها حتى جفت، وقد لا يكون لها ذكر في المستقبل كما كان لها على مدى التاريخ.
وأظهرت صور ومقاطع مصورة من الجو، نشرها الموقع الأمريكي المتخصص بقضايا المناخ "ويذر تشانل"، بحيرة ساوة وقد جفت تماماً، بسبب سحب المياه الجوفية من قبل المزارعين، لتعويض النقص الحاصل بإمدادات مياه السقي وشحة نهر الفرات، إضافة إلى العوامل المناخية.
وقال ناشطون في مجال البيئة، إن العراق بفقدانه لبحيرة ساوة فقد معلماً جيولوجياً بارزاً ذا مواصفات نادرة، من ناحية تكوينها الفيزيائي الذي أكسبها شهرة عالمية، وأن جفاف بحيرة يمتد عمرها لآلاف السنين، يشير إلى أن بحيرات أخرى ستواجه خطر الجفاف بسبب الإهمال". وعبرت الفنانة التشكيلية "رزان شاكر"، عن دهشتها من إمكانية التضحية بمثل هذه الأعجوبة البيئية، وأن ما يحدث "أمر خطير يجري في بلدنا،" مضيفة أن "هناك لا مبالاة تفوق الوصف تتسبب في كوارث تقضي على رموزنا البيئية الجميلة،" حيث "يتعرض نهرا دجلة والفرات العظيمان لنقص كبير في المياه، البحيرات تجف شيئاً فشيئاً، والتصحّر يأكل البلاد، كل شيء جميل ينتهي".
ماذا بقي من حمرين؟
أما بحيرة حمرين، فقد تناقص خزينها الإستراتيجي بمعدل قياسي تجاوز 90% ، بالمقارنة مع شهر آذار من عام 2019.
ولم يعد بإمكان الصيادين ممارسة مهنتهم، حيث توقفت قواربهم، ورحل العديد من العوائل التي تسكن بالقرب منها وتعتاش على صيد الأسماك.
وأعلن مدير ناحية السعدية، أن وضع البحيرة بات صعبا جداً، ونقلت مصادر صحفية عن مسؤولين حكوميين قولهم، إن السدود الجديدة التي أنشأتها إيران على روافد نهر دجلة، كان لها دور في تناقص كمية المياه ، وبالتالي جفاف البحيرة.
ورغم امتلاكها خزيناً مائياً كبيراً، ترفض إيران التفاوض حول حصص العراق المائية. وحذر هؤلاء المسؤولون من أن أزمة المياه لم تعد متعلقة بالزراعة فقط، بل بمياه الشرب أيضاً. وتضررت محافظة ديالى الحدودية مع إيران، والتي تقع فيها البحيرة أكثر من غيرها، بسبب قطع إيران روافد النهر.
ماذا يقترح المسؤولون؟
وعزا "تحسين الموسوي" الخبير في الموارد المائية سبب جفاف بحيرة ساوة، إلى تجاهل المسؤولين التحذيرات الدولية بشأن المناخ، الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى المياه وتراجع خطير في كمياتها، كما أن تحكم دول المنبع بحصة العراق المائية أدى لشحة المياه، وبالتالي إلى الإستخدام غير الرشيد للمياه. وأكد الموسوي في حديث صحفي، أن العراق لا يملك وحدات معاجلة للمياه ولا تقنيات ري حديثة.
وألقت الجهات الرسمية باللائمة على قلة الأمطار، حيث قال مستشار وزارة الموارد المائية "عون ذياب"، إن جفاف بحيرة ساوة يعود في جانب منه إلى النقص الحاد في كمية الأمطار، التي شكلت ما نسبته 30% بالمقارنة مع المعدلات السابقة. ودعا رئيس البيئة في محافظة المثنى "يوسف سوادي"، الذي أعلن جفاف البحيرة التاريخية، "المجتمع الدولي للتحرك من أجل إنقاذها"، واقترح "إيقاف الآبار الإرتوازية القريبة من البحيرة، والمشاريع الزراعية ومعامل الإسمنت والملح،" الأمر الذي فسره مراقبون، على أنه معالجة مشكلة بخلق مشكلة أخرى، وأن المعالجة الحقيقية تكمن في البحث السبب الذي دفع المزارعين وأصحاب المصانع لحفر الآبار الإرتوازية، وهو شحة مياه الرافدين بسبب إقامة السدود وحفر الأنفاق من قبل إيران.
أما رئيس الجمهورية برهم صالح، فقد اكتفى "بنعي" البحيرات، في تغريدة له على موقع تويتر، قال فيه أن جفافها، "تذكير قاسٍ بخطورة التغييرات المناخية التي تشكل خطراً وجودياً لمستقبل العراق والمنطقة والعالم".