أصدر الرئيس الأمريكي "جو بايدن" قراراً بتمديد حالة الطوارئ "الوطنية" بالعراق. وقال موقع البيت الأبيض، إن التمديد سيكون لمدة سنة كاملة إعتباراً من 22 أيار/مايو الجاري، وهو الموعد الذي تنتهي فيه مدة الطوارئ السابقة. وبعث بايدن برسالتين إلى "كامالا هاريس"، نائبته التي ترأس مجلس الشيوخ، وإلى "نانسي بيلوسي" رئيسة مجلس النواب، تضمنتا نص القرار. وعزا بايدن في رسالته أسباب التمديد إلى عقبات تعترض إعادة الإعمار في العراق وفرض الأمن والسلام، وتطويرالمؤسسات الإقتصادية والسياسية فيه، معتبراً أن هذه العقبات تمثل تهديداً غير مألوف وغير عادي لسياسة بلاده الخارجية ولأمنها القومي.
وتناولت العديد من المراكز البحثية القرار من زوايا متعددة، فقد قال الكاتب السياسي والمحلل الإستراجي الدكتور "فارس الخطاب"، في مقال نشره مركز الرافدين للدراسات الإستراتيجية (راسام) الخميس، إن تمديد حالة الطوارئ في العراق "إجراء بات شبه تقليدي لكل الرؤوساء الأمريكيين منذ عام ٢٠٠٤م وحتى الآن؛ أي منذ احتلال هذا البلد عام ٢٠٠٣م، بزعم إنشاء منظومة حكم تعتمد الديمقراطية في حكم العراق، وتؤسس لبناء نظام مؤسساتي يعتمد الخبرات والمهنية لكل قطاعات العمل السياسية والإقتصادية والتعليمية وسواها، بالإضافة إلى إنشاء منظومة عسكرية وأمنية تضبط الأمن وتضمن إستمراره!."
الفشل بالإعمار الذي وعدت به الإدارات الأمريكية، حيث لا يوجد إعمار في العراق بشكل مطلق منذ احتلاله وحتى اليوم
إعتراف بالفشل
وأكد "الخطّاب" في مقاله، إن المسوغات التي سوقها بايدن في رسالته، تمثل اعترافاً رئاسياً أمريكياً خطيراً "بفشل المشروع الأمريكي في العراق بدءاً من احتلاله عام ٢٠٠٣م وحتى تاريخنا الحالي؛ أي أن واشنطن التي غزت العراق واعدةً العالم بشكل عام والشرق الأوسط بشكل خاص بعراقٍ ديمقراطي مستقرٍ ذي مؤسسات سياسية واقتصادية رصينة، وأنه سيمثل مصدر إشعاعٍ وإلهامٍ لدول المنطقة من أجل التغيير نحو النموذج العراقي، وبالتالي النموذج الأمريكي، تجد نفسها اليوم في وضعٍ ينفي وجود أية مؤشرات عن وجود نظام دولةٍ في العراق".
وطرح المحلل الإستراتيجي في مقاله، تساؤلاً عن ماهية التهديدات القادمة من العراق، والتي تستوجب تمديد حالة الطوارئ، وعن "جدوى هذا الوضع الذي لم ينجح في التخلص من هذه التهديدات رغم مرور 19 عاماً، وصولاً إلى دور الحكومات العراقية المتعاقبة في التعامل مع هذه التهديدات".
ومن جوانب الفشل التي فضحتها مبررات بايدن لتمديد حالة الطوارئ في العراق، الفشل بالإعمار الذي وعدت به الإدارات الأمريكية، حيث "لا يوجد إعمار في العراق بشكل مطلق منذ احتلاله وحتى اليوم؛ وهذه مسألةُ تقود إلى مساءلة الحكومات العراقية عن مئات المليارات التي ادعت حكومات المحتل الأمريكي بإنها صرفتها من أجل الإعمار، وهذا الملف تحديداً ربما يعلمه الشعب العراقي تماماً، وقد خرج منتفضاً ومتظاهراً طيلة السنوات الماضية، مطالباً باجتثاث الفساد وإعادة إعمار البنى التحتية المتهالكة، لكن لا حياة لمن تنادي سواء على مستوى هذه الحكومات أم على مستوى اللقاءات الأمريكية مع رؤوساء الوزارات العراقية، ألذين زاروا واشنطن والتقوا برؤسائها."
جوانب الفشل الأخرى
أما جانب الفشل الآخر الذي أشره الكاتب، فهو الفشل في توفير الأمن الآني والمستقبلي، مشيراً إلى أن واشنطن تعلم "أنها هي من دمرت الجهاز الأمني العراقي بكل تفاصيله ومسمياته، بقرارات أصدرها الحاكم المدني للعراق أبان احتلاله "بول بريمر"، ثم أصبحت – واشنطن- هي من تتولى تحديد ضوابط القبول والإنتساب للجيش العراقي الجديد وبقية القوى الأمنية الأخرى، والتي حرصت أن تكون من وحي التقسيمات الطائفية والعرقية، وتركت عمليات تلغيم هذه القوى بمليشيات أنشئت قبل احتلال العراق في إيران، وبالتالي أصبحت هذه التشكيلات جزءاً من المشكلة الأمنية لا حلاً لها."
من ناحية أخرى أشار الكاتب إلى أن مسوغات بايدن لتمديد حالة الطوارئ تعني "عدم وجود مؤسسات سياسية واقتصادية في العراق،" معتبراً هذه المسألة "غريبة وخطيرة تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الأولى عنها." وبهذا الخصوص أكد الكاتب السياسي إن من "يهدم البناء المؤسسي لدولة ما بغية تأسيس نظام مـؤسسي ناجع، ثم يترك هذا البلد بدون هذه المؤسسات، يجب أن يحاسَب قانونياً مهما إمتد الزمن ؛ لأن القائم بهذا العمل، وهي الولايات المتحدة هنا، كان يقصد تخطيطاً وتنفيذاً إلغاء مفهوم الدولة في العراق، وقد نجح فعلاً ؛ إذ حوّل العراق من دولة ذات مؤسسات ضابطة لإيقاع العمل والقانون والحياة الاقتصادية والسياسية، إلى دويلة مليشيات وقوى غير نزيهة جاءت مع قوى الإحتلال الأمريكي ثم الإحتلال الإيراني، وقام الجانب الأمريكي فقط بتغطيتها بغطاء تسويقي إسمه "الديمقراطية"، ركيزتها الوحيدة إجراء انتخابات مزورة، ومُقاطَعة من قبل الشعب العراقي".
ألأمل بوعي الشباب
وتساءل الكاتب عما إذا كان العراق بالفعل يشكل "تهديداً غير مألوف وغير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة"، أم أن "واشنطن أفاقت الآن على عراقٍ منخرطٍ تماماً في الفلك الإيراني، ألمسيطر على عمليته السياسية ومقدراته الإقتصادية والأمنية والتعبوية العسكرية، أو أن لدى واشنطن معلوماتٍ عن أنشطةٍ سياسية وطنية، بلغت مستويات شعبية مقلقة، قد تكون قادرة على تحريك الشارع العراقي نحو إسقاط العملية السياسية، وبالتالي إنهاء المشروع الأمريكي-الإسرائيلي بجعل العراق بلا دولة ولا مؤسسات وبشعبٍ غير معني بأمور بلاده ولا أمته، وقد يكون أيضاً بسبب دخول القادة المتنفذين لمكونٍ رئيسي مهم في العراق اليوم تحت العباءة الإيرانية، فيما كانوا يتقاطعون معها قبل احتلال العراق بشكل كامل، بل ويحاربون مشروعها المسمى "تصدير الثورة".
وخلص الكاتب إلى أن "واقع الحال في العراق يؤكد توجه هذا البلد نحو المجهول، لكن تبقى الآمال معقودة على وعي الشباب العراقي الحاد في تفاصيل مجريات الأمور في بلادهم، كما هي الآمال معقودة أيضاً بقوى سياسية لم تتراجع أبداً عن نهجها وشعاراتها الرافضة لكل أنواع وصيغ الإحتلال، أمريكياً كان أم إيرانياً."