تعتمد الحكومات في العديد من دول العالم على الإحصاءات والبحوث، سواء تلك التي تجريها دوائرها المختصة، أو التي تصدر عن مؤسسات دولية ومحلية معتبرة، لتقييم التطور الحاصل في مختلف المجالات، وتعزيز سبل تجاوز الأزمات، بعد مقارنتها بالإحصاءات السابقة. فعندما تشير إحصائية العام الحالي في أحدى الدول لانخفاض نسبة الأمية عن معدلاتها السابقة، فهذا يؤشر جدية المؤسسة الحكومية في التعامل مع الحالة لخفض نسبها، مما يكسبها ثقة المواطن بأهليتها وبالعكس، وما ينطبق على الأمية ينطبق على بقية المجالات.
لكن ما يحدث في عراق ما بعد الاحتلال يختلف عما يحدث في غيره من الدول، حيث يرتفع الخط البياني للحالات السلبية كل عام عن السنين السابقة، صعوداً من 2003 حتى حلول عام 2023، دون أن يثير ذلك اهتمام المؤسسات المعنية بمعالجتها. ولم يجد المتابعون لهذا الشأن سنة واحدة من سنوات الاحتلال العشرين وقد انخفضت فيها نسب الجريمة أو التسرب من المدارس، أو انتشار الأمراض، مما يثبت بحسب باحثين، أن الخلل لا يكمن بحكومة معينة اتسمت فترتها بتراجع الأداء، بل هو تحصيل حاصل لنهج متبع تشترك فيه جميع الحكومات، هو نهج المحاصصة، الذي يكرس الفساد وينعكس سلباً على كل جوانب الحياة.
ومثلما أظهرت الإحصاءات المنشورة أواخر عام 2021 تراجع الأوضاع بشكل عام خلال سنة كاملة عما سبقها من السنين، طالعتنا الإحصاءات الجديدة المنشورة أواخر 2022، لتظهر أرقاماً مرعبة وغير مسبوقة عن نسب الجريمة والانتحار والعنف حدثت خلال العام، بما يؤشر عدم اكتراث الجهات الرسمية لارتفاعها مقارنة بالأعوام السابقة، وبذل الجهد المطلوب لخفضها.
عام خيبات الامل
ورغم أن مواطنين عبروا في أحاديث لهم لقنوات اعلامية، بأن الأمل لم يكن موجوداً يوماً بهذا النظام لينتشلهم من معاناتهم، في العام الماضي كما في الأعوام السابقة، إلا ان عدداً من هذه القنوات اصطلح على تسمية عام 2022 ب"عام خيبات الأمل". واستعرضت المنصات الإعلامية أحداث العام الماضي، بدءاً بتعثر الأداء السياسي، وما اصطلح عليه ب"الانسداد السياسي" وانعكاساته على الحياة العامة، ثم استمرار الأزمات المزمنة منذ السنوات السابقة دون حلول، مثل أزمة النازحين وأوضاعهم في المخيمات، وامتلاء السجون بالمغيبين والمعتقلين وما يعانونه من تعذيب وابتزاز وانتزاع الإعترافات بالقوة، حيث يضم العراق أكبر عدد من المغيبين في العالم، بحسب اللجنة الدولية للصليب الاحمر، وكذلك انتشار السلاح وعجز السلطات عن حصره بيد الدولة، وهو شعار رفعته كل الحكومات السابقة دون تحقيقه، ثم أزمة المياه الناشئة عن إقامة إيران للسدود ومانتج عنها من اضرار بالواقع الزراعي والتغير المناخي والبيئة بشكل عام، وأزمة السكن وانتشار العشوائيات.
ومن بين الأزمات التي استفحلت عام 2022 تراجع قيمة العملة الوطنية، حيث اعتبرها خبراء ماليون من النتائج البارزة للفساد المالي والاداري، والذي كان من بين مظاهره أيضاً "سرقة القرن"، والتي عولجت هي الاخرى بطريقة لا تقل فساداً عن السرقة ذاتها، إذ عقدت حكومة السوداني صفقة مع المتهم الرئيس تضمنت إطلاق سراحه، وهي طريقة وجدها قانونيون سابقة لا مثيل لها في القضاء العراقي.
وركزت وسائل الإعلام المختلفة على قضية الخدمات والمشاريع المتلكئة والمشاريع الوهمية، التي ساهمت بدورها في انتشار البطالة. أما واقع التعليم فقد تميز في العام الماضي بفقدان الكتب المدرسية وظاهرة تسريب الاسئلة، كما احتل الجانب الصحي وانتشار التلوث والأمراض السرطانية، والكوليرا والحمى النزفية، جانباً من اهتمام وسائل الإعلام.
نسب حالات الانتحار ارتفعت بشكل مخيف"، أما حالات الطلاق فقد أجملتها إحصائية رسمية لمجلس القضاء الأعلى ب 6330 حالة
أرقام مرعبة
وانعكست هذه الازمات عموماً على الواقع الاجتماعي، حيث ارتفعت حالات الطلاق والتفكك الأسري وتفشي تعاطي المخدرات وجرائم القتل وغيرها.
فعلى مستوى جرائم القتل، أكد الخبير القانوني "جمال الأسدي"، وقوع "نحو 5300 جريمة قتل حتى نهاية عام 2022، وبنسبة سنويّة تتجاوز 11.5 في المئة لكلّ مئة ألف نسمة، وهي النسبة الأعلى مقارنة بالدول العربيّة وإيران وتركيا".
ونشر الاسدي، وهو مفتش سابق لدى وزارة الداخلية، مقارنة معززة بالأرقام، بين نسب الجريمة المسجلة عام 2015 وما تلاها، وهي أرقام تصل لأضعاف ما تنشره الجهات الرسمية. وكان المتحدث باسم وزارة الداخليّة "خالد المهنا" قد تحدث في وقت سابق، عن 1077 جريمة قتل مسجلة لدى وزارته، في حين تشير الأرقام التي نشرها الأسدي على تويتر إلى أكثر من 5000 جريمة، وهو رقم يقترب من 5 أضعاف ما أعلنته الداخلية.
وأكدت مراكز حقوقية، أن وزارة الداخلية تحاول إخفاء الأرقام الحقيقية للجرائم ومنها جرائم القتل، لتجنب غضب الجماهير وانتقادات المجتمع الدولي، لتقصيرها في دراسة الظاهرة ومعالجة أسبابها. وقالت هذه المراكز، إن الأرقام الرسمية رغم تواضعها فهي أرقام لا يستهان بها، مضيفة أن الإحصائيات الحكومية المتعلقة بالجرائم ليست واضحة، حيث أن هناك جرائم إرهاب رسميّ وغير رسميّ، وجرائم مالية وإدارية وإلكترونية، وكذلك غسيل الأموال والرشوة وجرائم الاختفاء القسري، التي تنفذها قوات حكومية وميليشيات، تتقاضى رواتباً من الحكومة.
ألانتحار والطلاق
ولا يقتصر التراجع الكبير في الاوضاع الانسانية في العراق على ذلك، فقد أظهرت الاحصائيات الرسمية ارتفاعاً كبيراً بحالات العنف الاسري، حيث قال مدير الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية العميد "غالب العطية" في تصريح صحفي، إنّ العراق سجل "1300 حالة عنف أسري ضد المرأة خلال العام 2022"، وأن "169 فتاة هاربة أُعيدت لذويها خلال العام الحالي"، كما تعرضت أكثر من 1500 من النساء لحالات ابتزاز إلكتروني خلال العام، بحسب العطية.
من جانب آخر ذكرت مفوضية حقوق الانسان، إن نسب الانتحار قد ارتفعت خلال السنوات الماضية، فبحسب عضو المفوضية "علي البياتي"، فإن "العراق يسجل سنوياً ما يقارب 600 – 700 حالة انتحار، مضيفاً أنه "في ظل الأزمات الحالية التي يعيشها العراق نعتقد أن نسب حالات الانتحار ارتفعت بشكل مخيف"، أما حالات الطلاق فقد أجملتها إحصائية رسمية لمجلس القضاء الأعلى ب 6330 حالة حتى نهاية حزيران/يونيو الماضي. وعزت مصادر صحفية هذا الارتفاع إلى البطالة والفقر واليأس من حدوث تغيير إيجابي.