"النخيب" في الأنبار.. مشاكل طائفية وحدودية لا تنتهي

hozaya
1 آب، 2018

قسم التقارير - الأنبار

إنها الشمس في العراق وفسيفساء الصحراء، هكذا وصف الشاب الثلاثيني "سيف محرف" محل ولادته في ناحية "النخيب"، وهو يصف كيف كانت الحياة فيها، قبل أن يُجبَر على تركها عام 2014 لأسباب عدة، كان أهمها: الاستهداف الطائفي لسكان "النخيب".

"وتدعي محافظة كربلاء وسياسيوها بأن ناحية "النخيب" كانت تتبع لمحافظة كربلاء في سبعينات القرن الماضي"

وبدأت أولى محاولات الادعاء بأن ناحية "النخيب" التابع إداريًا لقضاء "الرطبة" في محافظة الأنبار كان يتبع لمحافظة كربلاء منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ومنذ ذلك الحين لم تترك الحكومات المتعاقبة للمالكي والعبادي فرصة إلا ودعمت هذا التوجه، فضلًا عن محاولات مستمرة لا تفتأ حكومة كربلاء المحلية تقوم بها من أجل ترسيخ واقع جديد بتبعية "النخيب" لكربلاء.

"النخيب".. تغيير الحدود الإدارية

ناحية "النخيب"، عنوان لمحاولة السيطرة على الأرض وما تحتها تحقيقا لغايات كثيرة، يقول "محمد نايف" لوكالة "يقين" -وهو موظف سابق في مكتب مدير ناحية "النخيب"-: إن "المحالاوت في ضم "النخيب"إلى كربلاء لم تتوقف، لكن آخر هذه المحاولات بدأت عام 2014 في بداية ولاية حكومة العبادي، عندما نقل الأخير المسؤولية الأمنية فيها من قيادة عمليات الأنبارإلى قيادة عمليات الفرات الأوسط –الذي يتبع محافظة كربلاء–".

ويضيف "نايف" في مطلع حديثه لوكالتنا، أن "هذه الخطوة كانت بمثابة إشارة خضراء لدخول مجاميع مليشيا الحشد الشعبي إلى منطقة "النخيب"، وتمددها على كامل الناحية حتى الحدود السعودية"، بحسبه.

وعن سبب تواجد القوات الميليشياوية في تلك المنطقة، يضيف "نايف" أن "أولى الادعاءات حينها في عام 2014 كانت تتمثل بأن هذه المجاميع المليشياوية تعد خط صد ضد مسلحي "تنظيم الدولة"، درءًا لأي زحف قد يكون باتجاه كربلاء".

وتدعي محافظة كربلاء وسياسيوها بأن ناحية "النخيب" كانت تتبع لمحافظة كربلاء في سبعينات القرن الماضي، لكن الرئيس الأسبق "صدام حسين" غير تبعية الناحية وضمها إلى الأنبار،وفي هذا الصدد يقول "كاظم منتظر" -وهو مقرر اللجنة القانونية في مجلس محافظة كربلاء في عام 2006- في حديث لوكالة "يقين": إن "النخيب" جزء لا يتجزأ من كربلاء، وأن النظام السابق هو من قضم الناحية من المحافظة وضمها إلى الأنبار لغايات التغيير الديموغرافي،وكان مجلس محافظة كربلاء طالب رسميًا في 24 تشرين الأول/نوفمبر 2010، باستعادة ناحيتَي "النخيب"و"الرحالية" التابعتين حاليًا إلى محافظة الأنبار، بموجب المادة 140 من الدستور العراقي، باعتبارهما تابعتين لقضاء عين التمر الكربلائي"، مشيرًا إلى أن "مجلس محافظة كربلاء لا يزال يقدم الخدمات إلى الناحيتين تبرعًا لكونهما تتبعان إداريًا حتى الآن لمجلس الأنبار"،بحسب "منتظر".

"وبهذه الأدلة تكون "النخيب" تابعة للرطبة منذ القدم"

لكن وعلى الجانب الآخر يقول "سطام الدليمي" -وهو مشاور قانوني عمل موظفا في دائرة التسجيل العقاري في محافظة الأنبار في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي-، يقول لوكالة "يقين": إن"ناحية "النخيب"وعلى المستوى الإداري، فقد كانت تابعة إلى الرطبة وجزء من "البادية الشمالية" التي تأسست وفق نظام الإدارة الخاصة في البادية رقم 22 لسنة 1946، وكانت شرطتها تتبع شرطة البادية العربية في الرطبة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921".

أما عن تاريخ تحويل "النخيب"إلى ناحية، يضيف "الدليمي" أنه "وبموجب المرسوم الجمهوري المرقم 596 في 1960، فقد حولت "النخيب" من قرية إلى ناحية، ويكون مركزها في "النخيب" وترتبط بقضاء الرطبة التابع لمحافظة الأنبار، وظل ذلك  لغاية 1978 عندما ضمت الحكومة العراقية آنذاك "النخيب" لمحافظة كربلاء ولمدة أربعة عشر شهرًا فقط، بُعَيْد الأزمة التي حدثت بين وجهاء عشائر "النخيب" وحكومة الرئيس العراقي الأسبق"أحمد حسن البكر"، ثم أعيدت "النخيب" رسميًا إلى الأنبار عام 1979 إلى محافظة الأنبار بموجب المرسوم الجمهوري المرقم 408 لسنة 1979، وتكون تابعة إلى قضاء الرطبة، وبهذه الأدلة تكون "النخيب" تابعة للرطبة منذ القدم"، بحسب "الدليمي".

ما الذي يجري في "النخيب"؟ 

"حدود برية، تضم أبراجًا إسمنتية وترابية، ونقاط تفتيش ومقاتلين مدججين بالأسلحة من ميليشيا الحشد الشعبي"، كانت هذه الكلمات هي إجابة "نواف سليمان" وهو شاب عراقي من مدينة عامرية الفلوجة مر مؤخرًا إلى"النخيب" في طريقه إلى البصرة.

ويضيف "سليمان" لوكالة "يقين" -وهو يصف ما مر به عند وصوله إلى الحدود الإدارية للنخيب-: إن "الأمر أشبه بحاجز أو حدود برية بين دولتين، حيث السواتر الترابية العالية التي يصل ارتفاعها إلى المترين، ثم خندق خلف هذه السواتر بعمق مترين أيضًا، وأبراج مراقبة متناثرة على طول هذا الساتر".

وعن الإجراءات الأمنية التي تتبعها القوات التي تنتشر في "النخيب" والتي وصفها "سليمان" بأنها مجموعات من ميليشيا الحشد الشعبي، يقول إن "الإجراءات تتمثل بإجراء تصريح أمني عند الدخول لـ"النخيب"، حيث إن القوة المنتشرة تتبع قيادة عمليات الفرات الأوسط وشرطة كربلاء"، ويختتم "سليمان" حديثه لوكالتنا بالقول: إن "التصريح والتدقيق الأمني الذي أعطي له بعد التدقيق مكتوب عليه أن الجهة المصدرة له تتبع محافظة كربلاء وليس الأنبار"، بحسبه.

وتحتل ناحية "النخيب" ثلث مساحة محافظة الأنبار، ومحاذية للملكة العربية السعودية برًا، وتصل حدود الناحية حتى منطقة الكيلو 160 والحدود الأردنية، وتعد معبرًا استراتيجيًا بريًا وعقدة طرق مهمة، بسبب احتوائها على شبكة الطرق السريعة التي بنيت في ثمانينات القرن الماضي، والتي تصل من الحدود الأردنية إلى محافظة البصرة، والمملكة العربية السعودية والعاصمة بغداد ومدن أخرى، وبهذا تكون هذه المنطقة بمثابة مركز رئيس للطرق المتفرعة في المنطقة الغربية من العراق.

وكان رئيس المجلس الموحد لعشائر بغداد"رعد السليمان" قد صرح في وقت سابق، أن الخندق الذي تعمل عليه بعض الجهات -وفي حال انجازه- سوف يعزل محافظة الأنبار عن المملكة العربية السعودية، وأن المحاولات الحثيثة لِضم "النخيب" إلى كربلاء تعد جزءًا من مخطط التغيير الديموغرافي الذي ترعاه دولًا إقليمية، بحسبه.

أسباب طائفية واقتصادية

أسباب عديدة وغايات متعددة، تقف وراء محاولات قضم "النخيب" وضمها إلى محافظة كربلاء، يقول الدكتور "محمد الجبوري" الأستاذ المحاضر السابق في كلية العلوم السياسية في جامعة الموصل: إن "أسبابًا عدة تقف وراء تلك المحاولات، بل إن أسبابًا كثيرة تقف وراء التوقيتات التي تطرح فيها المسألة قانونيًا كل مرة".

وعن الأسباب يقول "الجبوري" متحدثًا لوكالة "يقين": إن "الأسباب تنقسم ما بين طائفية واقتصادية، وإن أحد أهم الأسباب وراء تلك المحاولات -بل وأهمها- هي ما تتمتع به ناحية "النخيب" من محاذاة للحدود البرية للملكة العربية السعودية، وهذا ما جعل "النخيب" هدفًا إيرانيًا بامتياز، من خلال الدفع بمليشيا الحشد الشعبي تجاهها، ودفع السياسيين الشيعة باتجاه المطالبة بها".

ويضيف الأستاذ، أن "النخيب" منطقة قليلة السكان، حيث لا يزيد عدد سكانها عن 6000 نسمة، كلهم من العرب السنة، ونظرًا لذلك وبهذا العدد القليل من السكان، لن يكون من الصعب على الميليشيات تغيير ديموغرافية "النخيب"، التي تزيد مساحتها عن ثلث مساحة محافظة الأنبار"، بحسبه.

"أن "النخيب" تقبع على أرض تضم ثروة نفطية وغازية هائلة"

أما الأسباب الاقتصادية، فيضيف "الجبوري" أن "النخيب" تقبع على أرض تضم ثروة نفطية وغازية هائلة، وأن الحكومة العراقية قبل عام 2003 كانت تروم بدء الحفر في المنطقة،إلا أن الاحتلال عام 2003 حال دون ذلك"، مشيرًا إلى أن "هذه الثورة النفطية والغازية الكبيرة فتحت شهية السياسيين الشيعة، مما دفعهم نحو المطالبة بها".

وفي ختام حديثه لوكالتنا يقول: إن "محافظة كربلاء ومجلسها عمدوا إلى اختيار توقيتات تكون فيها الأوضاع السياسية في العراق مشوشة للغاية"، ويطرح "الجبوري" مثالين عن ذلك، أولهما: ما حدث في عام 2010، عندما طالب مجلس محافظة كربلاء بضم "النخيب" وقتما كانت ولاية حكومة المالكي الأولى قد انتهت، والكل مشغول بالنزاع الذي حدث بين علاوي والمالكي، وثانيهما: عام 2014 عندما شهدت المحافظات المنتفضة ترديًا أمنيًا كبيرًا ونزوحًا لملايين السكان، مما شكل فرصة مواتية لمليشيا الحشد الشعبي وقتها في الدخول إلى"النخيب" وفرض الأمر الواقع، بحسبه.

هل سينجح الطائفيون في قضم "النخيب"

إجراءات عديدة ومعقدة من أجل إلحاق"النخيب" بمحافظة كربلاء، يقول الخبير القانوني "عدي طلال": إن "إجراءات السيطرة على "النخيب" قانونيًا تقف أمام إجراءات عديدة وضحها الدستور المعمول به في العراق الآن، وأهمها المادة 140 من الدستور، والخاصة بالمناطق المتنازع عليها، والتي تستوجب إجراءات عديدة، أهمها:إجراء استفتاء سكاني لأهل الناحية قبل ضمها".

ويضيف "طلال"، أن "محاولات ضم "النخيب" لمحافظة كربلاء قانونيًا لن ترى النور برأيه"، حيث أوضح أن "الوضع السياسي في العراق الآن لا يصب في جهة من يحاول ضمها، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك قواعد عسكرية كبيرة في الأنبار، إضافةإلىأن المملكة العربية السعودية -ومن خلال علاقاتها بواشنطن- ستمارس أقصى الضغوط في سبيل منع ذلك، ومنع أي تمدد إيراني تجاه حدودها البرية"، بحسب "طلال".

menu-circlecross-circle