الحويجة.. عقدة الملف الأمني في شمال العراق

hozaya
23 تشرين الثاني، 2018

يقضي "حسام الدين العبيدي" أيامه في مدينة أربيل، التي إتخذها محل إقامة له، بعد أن نزح من الحويجة قبل ثلاث سنوات، العبيدي الذي عاد قبل أشهر إلى الحويجة لتفقد أحوالها وتهيئة أوضاعه للعودة إلى مدينته، قرر أن يتريث في قرار العودة، بعد أن بدت له الحويجة وكأنها مدينة خارج نطاق العيش، إذ لا ماء ولا كهرباء ولا أمن ولا خدمات طبية وتعليمية.

ويقول العبيدي في حديثه لوكالة "يقين" إن البقاء في أربيل خير له من العودة في الوقت الحاضر إلى مدينة الحويجة، إذ لا طاقة له بالعودة إلى حياة الخوف، وترقب الإعتقال والتفجيرات وسوء الخدمات، بحسبه.

"نسبة العائدين بالمجمل لا تتجاوز 60% من نسبة من كانوا يسكنون في الحويجة"

أكثر من عام مضى على إستعادة سيطرة القوات الحكومية على مدينة الحويجة، بعدما أعلنت في السادس من تشرين الأول/ اكتوبر 2017 إنتهاء العمليات العسكرية في المدينة، إلا أن الوضع الأمني في مدينة الحويجة وما حولها ما زال قلقًا ويشهد خروقات أمنية وعمليات عسكرية مستمرة.

عقدة الملف الأمني

تتبع الحويجة إداريًا محافظة التأميم، وتبعد عن مركزها 47 كيلومترًا إلى الجنوب الغربي، بينما تبعد عن بغداد 250 كيلومترًا إلى الشمال الشرقي، وتكمن أهمية المدينة في وقوعها على امتداد طريقين رئيسيين إلى محافظة نينوى، وإلى إقليم كردستان، الذي يطالب بتبعيتها وفق المادة 140 من الدستور العراقي للمناطق المتنازع عليها.

عضو مجلس محافظة التأميم "برهان العاصي العبيدي" يعزو في حديثه لوكالة "يقين" أسباب الخروقات الأمنية في الحويجة إلى موقعها ضمن محافظة التأميم ومركزها مدينة كركوك، ومجاورة المحافظة لخمس محافظات أخرى هي: ديالى والسليمانية وأربيل ونينوى وصلاح الدين، فضلًا عن أن عمليات إستعادة السيطرة على المدينة لم تكن شاملةً إنما هي عملية سريعة، بحسب وصف العبيدي.

وكشف العبيدي عن أن نسبة العائدين إلى المدينة تختلف من منطقة إلى أخرى وتعتمد على الخدمات الرئيسية في المدينة، إلا أن نسبة العائدين بالمجمل لا تتجاوز 60% من نسبة من كانوا يسكنون في الحويجة قبل عام 2014، ويعزو نسبة العودة القليلة نسبيًا للمدينة إلى تردي الخدمات وتدهور الوضع الأمني.

"تعاني الحويجة الآن من ذات الأوضاع التي أوصلتها إلى ما هي عليه"

ويضيف قائلا: "إن مدينة الحويجة تعتمد بالأساس على القطاع الزراعي الذي تعد الحويجة أحد أهم مراكزه في البلاد، إلا أن الإهمال الكبير للزراعة وعدم دعمها حكوميًا، أدى الى إنتشار البطالة بين السكان" لافتاً إلى أن إدارة المحافظة لا تمتلك ميزانية تكفي لإعادة إعمار الحويجة وتحقيق الإستقرار فيها.

أما الصحفي "إبراهيم الحسني" فيتعقد أن سكان الحويجة لن يعودوا إليها في المدى المنظور، ما لم تعمل الحكومة المركزية والمحلية على توفير فرص العمل والخدمات الرئيسية اللازمة، فضلًا عن تأمين المنطقة وما حولها.

ويرى الحسني في حديثه لوكالة "يقين" أن مدينة مهمة كالحويجة تعد نقطة تقاطع عدة مدن من الناحية الأمنية، وأنها لن تشهد إستقرارًا أمنيًا ما تكن للحكومة المركزية إرادة أمنية وسياسية في ذلك، لافتًا إلى تعدد جهات إتخاذ القرار الأمني فيها، الأمر الذي يؤثر سلبًا على جهود إعادة الاستقرار إليها.

مشاكل متفاقمة

تعاني الحويجة الآن من ذات الأوضاع التي أوصلتها إلى ما هي عليه، وبحسب عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان "محمد الكربولي" الذي يرى أن "الحفاظ على النصر أهم من النصر ذاته"، ويقول إن تنظيم الدولة لا ينتهي بالسلاح، بل بتوفير الخدمات وفرص عمل للشباب في مختلف أنحاء البلاد، بحسب تعبيره.

ويؤكد الكربولي في حديثه لوكالة "يقين" أن فكر التنظيم عاد لينمو من جديد في الحويجة وما حولها، نتيجة عدم اقتناع الشباب بالأوضاع الحالية وعدم إحساس سكان الحويجة بأي تغيير ملموس على أرض الواقع، إضافة إلى الإقصاء والتهميش الذي يعانيه سكانها والمساومات والاعتقالات العشوائية، والتأخر الكبير في عمليات الإعمار وتعويض المتضررين، على حد تعبيره.

"الحويجة تعد من أكثر المدن العراقية تعقيدًا من الناحية الأمنية"

من جانبه يرى الناطق باسم مركز الإعلام الأمني العميد "يحيى رسول" في حديثه لوكالة "يقين" أن ما يحدث في الحويجة من خروقات أمنية واضطرابات يعزى إلى بقايا خلايا تنظيم الدولة المختبئين في الوديان والأحراش الكثيرة في الحويجة وما حولها.

وعلى الرغم من أن مركز الحويجة يشهد استقرارًا أمنيًا نسبيًا -بحسب رسول- إلا أنه يعتقد أن حوض "سهل" الحويجة الممتد إلى ديالى وصلاح الدين وارتباطها جغرافيًا بكركوك، ووجود الكهوف وسلسلة جبال مكحول وحمرين التي تتصف بجغرافية صعبة ووعرة، يستغلها مقاتلو التنظيم للاختباء، وتنفيذ هجمات بين الحين والآخر.

المساحات الواسعة والجغرافيا المعقدة التي تتصف بها الحويجة وما حولها، يؤكد رسول أن أي قطعات عسكرية لا تستطيع السيطرة عليها بشكل مطلق، مشيرًا إلى استمرار العمليات العسكرية، واستخدام الطيران الحربي، إضافة إلى إدخال كاميرات المراقبة الحرارية وطائرات المراقبة المسيرة من نوع CH4 إلى مسرح العمليات ومراقبة السهول والهضاب وجبال مكحول وحمرين.

مدينة معقدة أمنيًا

ويرى المحلل الاستراتيجي والأمني "هشام الهاشمي" أن الحويجة تعد من أكثر المدن العراقية تعقيدًا من الناحية الأمنية، وكان على الحكومة أن تبدأ فور إعلان استعادة السيطرة عليها بعمليات البناء والإعمار.

"الحكومة تتحمل كامل المسؤولية عما يحدث في الحويجة في ظل إهمال متعمد"

ويؤكد الهاشمي في حديثه لوكالة "يقين" أن الحويجة لم تستعاد بعمليات قتالية كالتي حدثت في الموصل مثلا، إذ عمد تنظيم الدولة إلى ترك وحدات قتالية تقليدية فقط غير نخبوية لمشاغلة القوات الحكومية، ما لبثت هذه الوحدات أن اختفت عن مسرح العمليات، الأمر الذي أبقى الهيكل التنظيمي للتنظيم على حاله، من دون تمكن القوات الأمنية من تفكيكه، بحسب تعبيره.

ويشير إلى أن مقاتلي التنظيم والخلايا النائمة له ومقاتليه الذين أسماهم بالمقاتلين "الشبح"، غستفاقوا بعد ستة أشهر من إنتهاء العمليات العسكرية في المدينة ليبدأوا سلسلة جديدة من الهجمات، بحسب الهاشمي.

وعن الحلول التي يمكن للحكومة اتخاذها لتحسين الأوضاع في الحويجة وما حولها، أضاف الهاشمي أن الحل الأمثل للسيطرة على الحويجة، يتمثل بالعودة إلى تكتيك مقاتلي الحشود المناطقية من أبناء المدينة حصرًا معززة برعاية عسكرية وخدمية، لإقناع السكان بأنهم هم أصحاب القرار الأمني في المدينة.

الحكومة هي المسؤولة

"يبقى سكان المدينة على حالهم، ما بين نزوح قسري وبقاء اضطراري"

من جانبه، يعتقد أحد أعيان مدينة الحويجة والذي فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية؛ أن جميع القوات الحكومية في الحويجة هي من خارج المدينة بل ومن خارج المحافظة، كاشفًا عن أن هناك بعض الحشود المسلحة في الحويجة والذين لا يمتلكون سوى بنادق كلاشنكوف ويتكفلون بشراء ذخيرتها على حسابهم الخاص.

ويضيف في حديثه لوكالة "يقين" أن الحكومة تتحمل كامل المسؤولية عما يحدث في الحويجة في ظل إهمال متعمد للمدينة وسكانها، وإصرار حكومي على عدم إشراك أبناء كركوك في إدارة الملف الأمني في المدينة، على الرغم من عديد المطالبات والمناشدات التي حثت الحكومة على تسليح أبناء الحويجة، كونهم أكثر العارفين بطبيعتها الجغرافية الصعبة، والتي لا يمكن للأجهزة المسلحة الدخيلة عليها التعامل مع جغرافيتها الوعرة والقاسية، على حد تعبيره.

وفي ظل استمرار الإهمال الحكومي والتقصير الأمني في الحويجة، يبقى سكان المدينة على حالهم، ما بين نزوح قسري وبقاء اضطراري في المدينة التي لم تشهد استقرارًا أمنيًا ومجتمعيًا منذ سنوات.

7 أغسطس، 2020
دفن موتى كورونا .. تجارة مربحة تديرها ميليشيات العراق
23 سبتمبر، 2023
الابتزاز الإلكتروني يتفاقم مع ضعف أجهزة الحكومة
22 سبتمبر، 2022
حالة انتحار كل 12 ساعة ..ما الذي يدفع العراقيين لإنهاء حياتهم؟
10 سبتمبر، 2021
عصابات تهربها عبر وسطاء..آثار العراق على منصات البيع الألكترونية
22 أغسطس، 2018
الموصل.. المخلفات الحربية والمنازل المفخخة تفتك بحياة المواطنين
27 أبريل، 2022
بلاد الرافدين بلا رافدين .. تقارير تحذر من جفاف دجلة والفرات خلال سنوات
27 يوليو، 2023
المصارف المالية الأهلية.. فساد مالي مستشري بدعم حكومي
21 سبتمبر، 2020
شركات الإتصالات في العراق.. خدمات رديئة، أجور مرتفعة ورقابة مفقودة
1 يناير، 1970
العراق والكويت ، ازمات متجذرة ومتجددة رغم تغير الأنظمة والحكومات
11 مايو، 2022
أبناء المسؤولين وزعماء الميليشيات .. حياة بذخ وإسراف من أموال الشعب
21 يناير، 2020
الأقاليم في العراق.. رفض شعبي وعزف على التقسيم
13 يوليو، 2023
القيافة العسكرية.. قصة فساد جديدة بوزارة الدفاع
menu-circlecross-circle