قال محللون سياسيون إن تجربة 20 سنة من الاحتلال، أثبتت إن ما يظهر على سطح الطاولة للعيان من أحداث لا يمثل على الدوام الحقيقة، فهناك الكثير مما يحاك تحتها. ومن أبرز الحقائق التي حاولت الأحزاب الحاكمة المرتبطة بإيران وميليشياتها التعتيم عليها، هي حقيقة التخادم بينها وبين الاحتلال الأمريكي، وبطلان فرية المقاومة التي تتشدق بها.
وانخدع بعض العراقيين والعرب بدعاوى المقاومة التي وصلت أحياناً لاستهداف قوات الاحتلال وبعض مصالح الولايات المتحدة وسفارتها بالقذائف من قبل الميليشيات، التي لم توقع خسائر تذكر، ولم تتجاوز جدران السفارة الخارجية، مما دفع بعض المحللين للتصريح بأنها عمليات "متفق عليها"، من أجل إظهار الميليشيات بمظهر البطل المقاوم للمحتل، وهي أدوار إن لم تكن موجودة فإن الإدارة الأمريكية ستسعى لإيجادها لحاجتها اليها، وقد لتقديم خسائر محدودة من أجل إيجاد كيانات يلتف حولها الناس لاعتقادهم بأنها تمثل المقاومة، في حين أنها تخضع لسيطرتها.
وتلعب الأحزاب الممسكة بالسلطة دوراً مزدوجاً في هذا الموضوع، فهي تهادن الاحتلال وتعقد معه الصفقات بيد، وترعى الميليشيات "المقاوِمة" للاحتلال باليد الأخرى.
وتناول بيان صدر عن هيئة علماء المسلمين في العراق، حوار التعاون الأمني المشترك بين الولايات المتحدة وحكومة السوداني، التي التزمت خلاله بحماية الأفراد والمستشارين الأمريكيين والتحالف الدولي، والقوافل والمنشآت الدبلوماسية، معتبراً أن ذلك "يكشف بوضوح بطلان مزاعم قوى الإطار التنسيقي حينما تدعي المقاومة ومعاداة الاحتلال الأمريكي، ويُظهر الأكاذيب التي روّجتها ميليشياته قبل أشهر باستهداف القواعد الأمريكية في أنحاء البلاد".
دعوة أم استدعاء؟
وكان مقر وزارة الدفاع الأمريكية، قد شهد الشهر الماضي اجتماعاً حضره وفد عراقي ضم وزير الدفاع، ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، ورئيس أركان الجيش، ونائب قائد العمليات المشتركة وعدداً من المستشارين والضباط، الذين وصلوا واشنطن تلبية لدعوة من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون).
وأشار بيان الهيئة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، حاولت من خلال هذا الاجتماع أن تقدم "رسالة للرأي العام الدولي والإقليمي، تذكّر فيها بأن وصايتها على حكومات بغداد المتعاقبة قائمة وغير منقطعة، وأن مشروعها هو المتحكم في المشهد العراقي أساساً".
وألمحت الهيئة إلى اكتفاء البيان الصادر عن الاجتماع بالإشارة فقط إلى "التهديد المتطور من داعش" دون التطرق للتهديد الذي تمثله الميليشيات المدعومة من إيران، ودورها في تأزيم الواقع الأمني المضطرب في العراق. كما ركزت على التوصيات التي خرج بها الاجتماع، والمتمثلة ب"تطوير قدرات العراق الأمنية والدفاعية، بما يضمن تعزيز المصالح المشتركة بين البلدين"، معتبرة أن ذلك "يمثل دلالة أكثر بياناً وأشد وضوحاً من ذي قبل، على التخادم بين الولايات المتحدة وإيران". وأشارت الهيئة إلى أن الإطار التنسيقي، عاد لممارسة التدليس مرة اخرى بشأن مناهضة الوجود الأمريكي في العراق، عندما طلبت حكومته "وجوداً عسكرياً أمريكياً على الأرض"، وفق ما جاء ببيان البنتاغون، الصادر عن الاجتماع.
جس نبض الشارع
وكما فعل حزب الله اللبناني طوال العقود الماضية، تحاول الميليشيات العراقية المقربة من إيران إضفاء صفة المقاومة على نفسها، من أجل إيهام الشارع العراقي بوجود ما يسمى ب"محور مقاومة" تقوده إيران في المنطقة. وأشار محللون سياسيون، إلى أن مصالح إيران تقتضي أن تظهر ميليشياتها أمام الجمهور بمظهر المقاوم، وبنفس الوقت تؤسس لخط مهادن للوجود الامريكي، مؤكدين امتلاك سياسيي إيران، المهارة الكافية لتوزيع الأدوار على أتباعها في كلا الاتجاهين. وقالت تقارير نشرت مؤخراً إنها "دفعت في الفترة الأخيرة بزعيم العصائب "قيس الخزعلي"، للعب دور أكثر ليونة مع الولايات المتحدة، وحرضت بنفس الوقت جماعات أخرى لمهاجمته بسبب هذا الدور، في عملية جس نبض للشارع العراقي، الذي تحاول إبقاءه مغيباً ومطيعاً".
وفي هذا الاتجاه، نقلت مصادر صحفية عن قيادي في الحشد الشعبي وصفته بالبارز قوله، "إن هناك صراعاً متزايداً بين حركة حزب الله النجباء وعصائب أهل الحق، بسبب تعامل الأخيرة مع واشنطن"، فيما أكد قيادي من جماعة أصحاب الكهف، إن "عصائب أهل الحق جلسوا مع الأمريكيين الأعداء من أجل الحصول على مكاسب سياسية، وكنا نحن الضحية"، مضيفاً أن العصائب "تخلت عن المقاومة من أجل السياسة".
دور جديد لمُوالٍ قديم
وبدل دور "المقاوم" الذي تقمصه الخزعلي حتى الآن، تحدثت المصادر عن دور سياسي تحاول إيران إسناده إليه، وهو الدور الذي كان يطمح له زعماء ميليشيات آخرون، مما أثار غضبهم. ويسعى الخزعلي للعب دور أكبر في الحياة السياسية في العراق، وهو أمر لم يعترض عليه الأمريكيون رغم إدراجه وشقيقه "ليث الخزعلي" على قوائم الإرهاب مطلع 2020، بل على العكس من ذلك، حيث تحدثت مصادر مطلعة عن وعود قدمتها له سفيرة الولايات المتحدة لدى حكومة السوداني، خلال عدد من اللقاءات التي جمعت بينهما.
ولا يبدو أن الدور المرتقب للخزعلي يروق لرئيس ائتلاف دولة القانون "نوري المالكي"، الذي أكدت المصادر إنه سيفقد الكثير من امتيازاته لصالحه، في مقدمتها الأجهزة الأمنية التي أسستها الولايات المتحدة بعد الاحتلال، والتي سعى المالكي للسيطرة عليها، وفي مقدمتها جهاز الاستخبارات الذي يترأسه الآن رئيس الوزراء "محمد شياع السوداني"
وكانت العلاقة بين قطبي الإطار التنسيقي قد تأزمت حزيران الماضي، عندما هاجم نائب عن كتلة (صادقون) الجناح السياسي للعصائب، المالكي في تصريحات متلفزة، واتهمه بالتسبب بسقوط ثلث العراق بيد تنظيم الدولة داعش.