سلمت الكويت السفير العراقي لديها مذكرة احتجاج، بعد إصدار المحكمة الاتحادية العليا العراقية لقرار يقضي بالانسحاب من اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية بين البلدين في خور عبد الله، لعدم دستورية القانون الخاص بها.
وشهدت هذه القضية تطورات متسارعة خلال الأيام القليلة الماضية، عقّدت الأزمة بين البلدين. وكانت المحكمة المذكورة، وهي أعلى سلطة قضائية في العراق، قد أصدرت قراراً يقضي ب"عدم دستورية القانون رقم (42) لسنة 2013، بشأن تصديق الاتفاقية بين العراق والكويت، الخاصة بتنظيم الملاحة في خور عبد الله".
وبرر بيان صدر عن إعلام المحكمة هذا القرار بقوله، إنها أصدرته لمخالفة قانون المصادقة على الاتفاقية، "أحكام المادة (61/رابعاً) من دستور جمهورية العراق، التي نصت على أن تنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يُسَّن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب".
ويعتبر قرار المحكمة ملزماً لكل السلطات العراقية، ولا يمكن لأي جهة رسمية عراقية الطعن به أو عدم تنفيذه، وهكذا فقد أصبحت الاتفاقية لاغية من الجانب العراقي، بموجب الدستور.
واعتبر محللون اقتصاديون إن تصديق الحكومة العراقية على الاتفاقية عام 2013، يصب فقط في مصلحة الجانب الكويتي، الذي حصل على فرصة انتظرها طويلاً، لإنشاء ميناء مبارك الكبير في جزيرة بوبيان على الشاطئ الغربي للخور، ليكون أحد أكبر موانئ الخليج بقدرته الاستيعابية، ولينهي الملاحة العراقية إلى الابد، بعد إتمام مراحله الأربع.
هل تدول الكويت القضية؟
وبحسب الخبير القانوني "سالم حواس"، فإن من المتوقع أن تلجأ الكويت إلى المحاكم الدولية وحتى مجلس الأمن الدولي، من أجل حسم هذه الاتفاقية التي لم يعد العراق ملزماً بها بعد قرار المحكمة. أما المحلل السياسي "ماهر جودة"، فيرى أنّ قرار المحكمة "ربما سيخلق أزمة وتوتراً جديداً بين العراق والكويت، خصوصاً أن هذا الإلغاء تم من طرف واحد".
في الجانب الكويتي، يُنظر إلى قرار المحكمة على أنه لا قيمة له على المستوى الدولي. ويرى النائب الكويتي "عبد الكريم الكندري"، إن "قرارات مجلس الأمن حاسمة بهذا الشأن بالنسبة لحدودنا، لكنه سيؤثر على ما تبقى من حدود غير مرسمة، وتحديداً ما يتعلق بالعلامة البحرية 162"، مضيفاً أن تنصل العراق من الاتفاقية "يشير لنوايا سيئة من الطرف العراقي، ويجب أن يواجه بحزم من الحكومة الكويتية والخارجية والبرلمان الكويتي" بحسب النائب، الذي طالب خارجية بلاده بإعلان موقفها تجاه حكم المحكمة الاتحادية العراقية.
وبالفعل، فقد أحاط وزير الخارجية الكويتي "سالم عبد الله الجابر الصباح" وزراء خارجية دول مجلس التعاون، خلال اجتماعهم الذي عقد في نيويورك يوم الأحد 17 أيلول/سبتمبر الجاري، بحيثيات حكم المحكمة العراقية، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الكويتية "كونا". وأصدر المجلس الوزاري الخليجي بياناً دعا فيه العراق "لاتخاذ خطوات جادة وعاجلة، لمعالجة الآثار السلبية لهذه التطورات، والتي ترتبت على حكم المحكمة الاتحادية العليا، الصادر يوم الإثنين الموافق 4 أيلول/ سبتمبر 2023"، والمتضمن "حيثيات تاريخية غير دقيقة خارج السياق، بشأن الاتفاقية"، بحسب الوكالة.
كيف فرط المالكي بحقوق البلاد؟
وأبرمت الاتفاقية عام 2012، لتصادق عليها حكومة "نوري المالكي" في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2013، وهي اتفاقية دولية حدودية لتنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله، وبذلك ألزم المالكي بلاده بها، بعد أن وقعت من قبل الحكومتين، وأودعت لدى الأمم المتحدة.
ويقع خور عبد الله بين شبه جزيرة الفاو العراقية، وبين جزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتين شمال الخليج العربي. وبموجب هذه الاتفاقية، قُسم الممر الملاحي اعتباراً من نقطة التقاء القناة الملاحية في الخور حتى الحدود الدولية.
ومنذ مصادقة حكومة المالكي عليها قبل عشر سنوات حتى الآن لم يهدأ الشارع العراقي، الذي اعتبرها تفريطاً بحقوق العراق.
وأكد متخصصون إن كلاً من مجلس النواب وحكومة المالكي قد تنازل عن حقوق البلاد الملاحية، بتنازله عن الممر المائي الوحيد الذي يصل الموانئ العراقية بالبحر.
وقُسم الخور بين البلدين على أساس تنصيفه، لا على أساس مرور خط التقسيم بأعمق نقطة تمر به، فيما يعرف بخط التالوك. وقال مدير إعلام شركة الموانئ العراقية "أنمار الصافي"، إن 90% من المياه العميقة مسيطر عليه من قبل الجانب الكويتي، بحكم الترسيم الجائر للحدود عام 1991، الذي أعطى الكويت مياه أكثر عمقاً من العراق.
سياسة البيع بالتجزئة
وواجهت حكومة المالكي والتحالف الوطني الذي كان يضم أغلب الأحزاب الحاكمة آنذاك، تظاهرات في مختلف محافظات العراق بعد المصادقة على الاتفاقية، حيث اتهمهم المتظاهرون ببيع البصرة.
وتلاحق الأحزاب الحاكمة التي تسلمت مفاتيح البلاد من المحتل الأمريكي، تهماً ببيعها بالتجزئة، حيث تعقد الحكومات بالتناوب صفقات للتنازل عن الحقوق الوطنية شمالاً وجنوباً، بالإضافة لما تتبرع به للجارة الشرقية، مقابل مباركتها وقبولها بها.
وسيؤدي الانتهاء من إنشاء ميناء مبارك الكبير، إلى توقف عمل الموانئ العراقية بما فيها مشروع ميناء الفاو الكبير المتلكئ. وتساءل مواطنون من أهالي محافظة البصرة، عن سبب تصديق حكومة المالكي على الاتفاقية، وكيف أصدرت قانوناً يتعارض مع الدستور، ولماذا سكتت الحكومات اللاحقة عشر سنوات قبل أن تتذكر المحكمة العليا الاتحادية الآن، بأنه يتعارض مع فقرات دستورية، وهل كان السكوت ضمن صفقة تضمنت عرقلة إنجاز ميناء الفاو الكبير، بالتزامن مع الخطوات المتسارعة، لإنجاز ميناء مبارك؟