فجأة، ارتفعت أسعار الأراضي في ناحية الوفاء التابعة لمحافظة الأنبار بشكل كبير، ولم يجد أهالي المحافظة سبباً لهذا الارتفاع، قبل أن تتكشف خيوط عملية فساد، وصفت بأنها الأكبر في المحافظة.
ولم يتجاوز سعر قطعة الأرض السكنية بمساحة 300 متر مربع سابقاً 1.5 مليون دينار عراقي في أحسن الأحوال (أكثر من ألف دولار بقليل)، لكنه ارتفع إلى 6 ملايين دينار، كما ارتفعت الأسعار في مناطق أخرى داخل نفس الناحية، إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم.
ولم يفصح سماسرة الأراضي في بادئ الأمر عن السبب الحقيقي لهذا الارتفاع المفاجئ لخوفهم من الملاحقة، حيث يرتبط الأمر بعملية فساد كبيرة، لكنهم كانوا مضطرين للحديث سراً مع الراغبين بالشراء، مؤكدين لهم "أن المطار الدولي سينشأ في هذه الناحية، وأن قطعة الأرض ستعني ثروة حقيقية بعد اكتماله"
وتتلخص عملية الفساد بتزوير والتلاعب بأوراق أكثر من 70 ألف قطعة أرض بمساحة 300 متر مربع، تقع حول المنطقة التي تخطط المحافظة لإنشاء مطار دولي فيها، مما يعني أن المتورطين كانوا على علم ودراية بقضية المطار التي سترفع سعر الأراضي لاحقاً، نظراً لقربها منه.
يقع الصغار وينجو الكبار
وغالباً ما يقع صغار الموظفين في المصيدة في مثل هذه القضايا، ويفلت المتورطون من السياسيين وكبار الموظفين. وحاول زعماء الكتل المتنافسة والمتنفذة في المحافظة (تقدم،عزم، سيادة)، استثمار الفضيحة للتسقيط فيما بينهم، لتبرئة أنفسهم والنيل من منافسيهم واستقطاب أصوات جديدة من أبناء اللمحافظة إلى صفهم، حيث أكد قانونيون على اطلاع بالقضية، إن يد القانون لن تصل إلى أي منهم، بعد أن جعل النظام العراقي الحالي من قادة الأحزاب وزعماء الميليشيات طبقة فوق القانون.
وأكد محام من المحافظة رفض الكشف عن اسمه، إن قضية ناحية الوفاء ليست الأولى، إذ أن للأحزاب السياسية سوابق في مناطق أخرى، مثل القصور الرئاسية ومنطقة اللواء الثامن. ولم يخف ناشطون شكوكهم بأن هيئة النزاهة نفسها قد تكون متورطة بالأمر، حيث قال الناشط المدني "سلام محمد"، إن التلاعب قد "تم بسبعين ألف إضبارة عقارية، وهذا الأمر احتاج إلى أشهر، فأين كانت النزاهة طوال ذلك الوقت؟"
ومن أجل تدارك الأزمة، سارعت هيئة النزاهة في نيسان/أبريل الماضي، إلى إلقاء القبض على مدير التسجيل العقاري في المحافظة وخمسة موظفين آخرين بتهمة تزوير الأوراق الخاصة بهذه الأراضي، وضبط أختام مزورة ومخشلات ذهبية ومبالغ مالية تصل إلى مليوني دولار. كما ألقي القبض على رئيس اتحاد نقابات العمال فرع الأنبار، بتهمة ارتكابه مخالفات في توزيع قطع الأراضي، التابعة لبلدية ناحية الوفاء.
في الموصل قصة أخرى
وبطلب من مديرية تحقيق بغداد التابعة لهيئة النزاهة، وضع المدير العام للتسجيل العقاري إشارة عدم تصرف على الأملاك التابعة لبلدية الوفاء لحين إكمال التحقيقات اللازمة، وذلك لمنع استمرار تحويل ملكية هذه الأراضي.
وقالت الهيئة في بيان أصدرته بهذا الخصوص، إنها تلقت معلومات تفيد بأن مدير التسجيل العقاري وموظفين ضمن إدارته، قاموا بتمليك أراض في ناحية الوفاء، التي تبعد 35 كم جنوب غرب مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، مبينة أن المتهمين "قاموا بفرز آلاف العقارات بنحو غير أصولي، وإنجاز بعضهم معاملات التسجيل العقاري في محال سكناهم، فضلاً عن تحويل ملكية العقارات وتثبيت التواقيع بأختام وليس بتواقيع حية، وطباعة معاملات التسجيل والاستمرار بالتسجيل، بالرغم من إيقافه حسب كتاب مديرية بلدية الأنبار".
ومن بين العديد من قصص الفساد في إنشاء المطارات، برزت قضية إعادة إعمار مطار الموصل، الذي تقدر كلفتها بأكثر من 200 مليون دولار، وكبقية مطارات البلاد ينظر أهالي الموصل لهذا المشروع على أنه مصدر جديد لتمويل الميليشيات والأحزاب النافذة في المحافظة، مشككين بالجدوى الاقتصادية من إعادة إعمار مطار صغير أنشأه الانكليز عام 1920، ومعربين بنفس الوقت عن اعتقادهم، بأن من الأولى الاستفادة من هذه المبالغ إضافة إلى الكلفة التشغيلية للمطار، في بناء المستشفيات والمرافق الأخرى المدمّرة، في ظل ظروف المحافظة الحالية.
مطار دولي لكل محافظة
ورغم عدم وجود جدوى اقتصادية من إنشاء مطارات متقاربة، مع تراجع الأنشطة خاصة السياحية منها، فإن هناك سعياً حثيثاً لإنشائها في محافظات كركوك وديالى وميسان وواسط وكربلاء وبابل والديوانية، من خلال استثمارات خاصة يقدم عليها متنفذو المحافظة، أو حتى من حصة المحافظة في الموازنة.
ومن أمثلة فشل هذه المشاريع ما حدث لمطار الناصرية، حيث اضطرت المحافظة لتحويل جزء من قاعدة الإمام علي الجوية لاستقبال الرحلات، لعدم وجود عدد كاف من المسافرين.
وأكدت مراكز اقتصادية، إن الهوس بإنشاء مطار دولي في كل محافظة بالعراق ليس له إلا تفسير واحد، هو تحقيق أكبر فائدة من المبالغ المخصصة له من خلال توقيع العقود الوهمية، إضافة لما يحيط به من عمليات فساد فرعية كما حصل في الأنبار، وبغياب رقابة مركزية حقيقية، تصبح مثل هذه المشاريع أرضاً خصبة للفساد،
واعترف عضو لجنة الخدمات البرلمانية "جاسم البخاتي"، بأن "قضية إنشاء مطارات جديدة في محافظات لا تملك مطارات أثيرت خلال الفترة الماضية من جانب مجالس المحافظات الملغاة، لكونها تمثل كسباً لهذه المحافظات"، مؤكداً أن "لا جدوى اقتصادية من إنشاء هذه المطارات".
ومع عودة الحديث عن الفساد في المطارات العراقية، استذكر ناشطون أشهر قضايا الفساد فيها، والتي كان بطلها المُدان الهارب "الشيخ" فايد الشمري، رئيس مجلس محافظة النجف ورئيس مجلس إدارة مطار النجف الدولي السابق، المحكوم بالسجن ثلاث سنوات فقط بقضية اختلاس 650 مليون دولار، وقد صدر الحكم غيابياً "لتعذر تنفيذ الحكم"، حيث يواصل حياته في استراليا متنعماً بأموال الفساد، في حين حكم القضاء العراقي في آب/أغسطس عام 2016، على صبي في الثانية عشرة من العمر بالسجن مع النفاذ، بتهمة سرقة مناديل ورقية.