يعود انتشار جريمة الإتجار بالبشر في العراق، إلى السنوات الأولى للاحتلال، حيث قاد الفقر والإحباط واليأس، العديد من العراقيين للوقوع في حبائل عصابات ذات أنشطة متعددة، تستهدف فرض السيطرة على الآخرين وتجنيدهم، صنفها القانون العراقي ضمن نطاق الإتجار بالبشر، مثل بيع الاشخاص واستغلالهم والعمل القسري والإسترقاق والتسول والمتاجرة بالأعضاء، وغيرها.
وسبق لمفوضية حقوق الإنسان أن كشفت أكثر من مرة، عن نشاط شبكات متخصصة بالإتجار بالبشر، بضمنها استغلال فتيات بعد تشغيلهن في المقاهي، والتغرير بالأطفال المشردين، والبغاء، وبيع الأشخاص بغرض المتاجرة بأعضائهم..
وقالت خلية الإعلام الأمني الحكومية في بيان لها، إن وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية في وزارة الداخلية، فككت في حزيران الماضي شبكة للإتجار بالبشر في بغداد تقودها امرأة، "يقوم أفرادها باستغلال الأطفال والنساء، في تجارة البشر وأعمال السمسرة والبغاء".
وبحسب مدير عمليات دائرة مكافحة الجريمة المنظّمة العميد "حسين التميمي"، فإن التسول يندرج أيضاً ضمن بند الإتجار، وتصل عقوبته إلى السجن المؤبد، وغرامة قيمتها 15 مليون دينار، مؤكداً أن المقبوض عليهم بهذه التهمة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، بلغ 795 متهماً"، لكن تقارير دولية قالت إن ما يحدث في العراق في أغلب الأحيان، هو معاقبة ضحايا الإتجار الضعفاء، وتبرئة الفاعلين الحقيقيين.
وفي واحدة من هذه الجرائم الشنيعة، حاول أحد الآباء بيع ابنته القاصر بخمسة آلاف دولار أميركي، قبل أن تقوم القوات الأمنية بإحباط عملية البيع.
وعلق باحثون اجتماعيون على ظاهرة بيع الأطفال في العراق بقولهم، إن غالبية هذه الجرائم يرتكبها ذوو الطفل لأسباب مختلفه، بعضها مرتبط بإدمان المخدرات، أوبحالات نفسية مركبة.
واستبعد الباحث الاجتماعي "هيثم الغريري"، أن يدفع الفقر "شخصاً ما إلى بيع جزء منه بأيّ شكل من الأشكال، خصوصاً إذا كانت ابنته"، مرجعاً مثل هذا التصرف إلى "المشكلات النفسية وإدمان المخدّرات، التي قد تمثّل سبباً رئيسياً في التورّط بمثل هذه الجرائم"، لكنه أيد الرأي القائل بأن الفقر إلى جانب تلك الأحوال، يؤدي بالتأكيد "إلى تصاعد عمليات بيع الأطفال من قبل ذويهم، الأمر الذي يتطلّب حلولاً حكومية ومعالجات وتثقيفاً مجتمعياً".
وصنف تقرير تناول قضية الإتجار بالبشر، العراق ضمن (الفئة 2) في هذا المجال. وجاء في التقرير الصادر عن الخارجية الأميركية، إن حكومة العراق لا تمتثل امتثالاً تاماً للحد الأدنى من المعايير الخاصة بالقضاء على الإتجار بالأشخاص، وإن "الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، لم تستوفيا الحد الأدنى من المعايير المطلوبة، في عدة مجالات رئيسية".
وشدد التقرير على أن "أوجه القصور في إجراءات التعرف على الضحايا وإحالتهم، علاوة على افتقار السلطات لفهم الإتجار، ظلت تحول دون تلقي الكثير من الضحايا لخدمات الحماية الملائمة".
وتطرق التقرير لمسألة معاقبة ضحايا الجريمة بدل المتسببين بها بقوله، إن السلطات "لا تتعرف بشكل استباقي على ضحايا الإتجار وسط الفئات السكانية الضعيفة، الأمر الذي أدى إلى الاستمرار في معاقبة بعض الضحايا على أفعال غير قانونية أجبرهم عليها المتاجرون بهم، مثل مخالفات الهجرة والدعارة".
ودعا التقرير إلى "ضمان عدم تعرض ضحايا الإتجار بالأشخاص للعقاب على أفعال غير مشروعة أجبرهم المتاجرون على ارتكابها"، وإلى "إصدار أحكام صارمة ضد المتاجرين، وضد المتواطئين من المسؤولين الحكوميين والموظفين والحراس في الملاجئ، التي تديرها الحكومة.
كما دعا التقرير إلى "تعديل قانون مكافحة الإتجار، بحيث لا يشترط وجوب توافر عنصر الإجبار بالقوة أو التزوير أو الإكراه، كي يعتبر جريمة إتجار بالأطفال لأغراض الجنس، وفقاً لبروتوكول الأمم المتحدة لعام 2000، الخاص بمنع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص"، وكذلك "استكمال اللوائح الكفيلة بتمكين التطبيق الكامل لقانون مكافحة الإتجار بالبشر".
وألمح التقرير لوجود بواعث قلق تتعلق بتواطؤ مسؤولين حكوميين في جرائم الإتجار، مشيراً إلى "تحقيق وزارة الداخلية خلال العام في 12 قضية، مع أفراد من قوات الأمن العراقية، وبصفة خاصة عناصر من الشرطة التابعة لوزارة الداخلية، وذلك بتهم الإتجار بالجنس". ولم تذكر الحكومة نتائج هذه التحقيقات حتى نهاية الفترة المحددة.
كذلك أشار التقرير لمعلومات نشرتها بعض المنظمات غير الحكومية، تفيد بأن مسؤولين حكوميين في مناصب قيادية، وفروا الحماية للمتاجرين من التحقيق والمقاضاة، أو أنهم أنفسهم تجنبوا المقاضاة، نظراً لنفوذهم بحكم مناصبهم وعلاقاتهم السياسية.
على صعيد متصل، أفاد مراقبون ومنظمات دولية، بوجود "تواطؤ رسمي إزاء تجنيد الأطفال أو استخدامهم كجنود بواسطة مليشيات مرتبطة بقوات الحشد الشعبي.
وتفيد المعلومات المتوفرة، بأن الحكومة العراقية لم تحقق في التقارير التي تحدثت عن تجنيد الميليشيات واستخدامها للأطفال ضمن وحدات الحشد الشعبي بشكل غير قانوني منذ عام 2017، وهو نشاط يندرج ضمن أنشطة الإتجار بالبشر.
وأكدت العضو السابق في لجنة مكافحة الإتجار بالبشر في العراق، الناشطة "بشرى العبيدي"، إنها تمتلك شخصياً معلومات عن تجنيد أطفال تتراوح أعمارهم بين 12-15عاماً، مارسوا نشاطاً قتالياً ضمن قوات الحشد الشعبي، مؤكدة في حديث صحفي، إن "القانون الدولي يجرم مثل هذه الأفعال، لأنها تدخل في إطار استغلال الأطفال في النزاعات والحروب".