الموت برداً يهدد حياة النازحين بعد مضي قرابة 10 سنوات على نزوحهم، و ماتزال معاناة أكثر من مليون عائلة نازحة في المخيمات مستمرة، ولم تتراجع أزماتهم على الرغم من الوعود الحكومية بإنهاء ملف النازحين في العراق، والذي بات ملفاً سياسياً مركوناً على طاولة المفاوضات السياسية لتحقيق المكاسب على حساب أرواح هذه العائلات التي تسكن مخيمات لا تصلح للسكن البشري، والتي تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
وبدأت ازمة النزوح منذ منتصف العام 2014 بعد تسليم القوات الأمنية قرابة ثلث البلاد لتنظيم الدولة “داعش”، وبعد استعادة مناطقهم استولت المليشيات على إدارة العديد من المدن منها جرف الصخر والعوجة وسليمان بك والبيجي في محافظة صلاح الدين، وكذلك منطقة العويسات ومساحات واسعة في الأنبار، إضافة إلى قرى محافظة ديالى مثل المقدادية والسعدية وحوض الوقف، وغيرها من المناطق، وكانت هذه الاستعادة كانت سببا إضافيا منع النازحين من العودة لمناطقهم.
ويبلغ عدد النازحين في عموم العراق أكثر من مليون و180 ألف نازح في عموم العراق، ما يقارب 700 ألف منهم في إقليم كردستان العراق، وآخرون منتشرون في أكثر من 10 محافظات خاصة نينوى والأنبار، بحسب أرقام منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة.
الشتاء القاسي
وفي السنوات الأخيرة وعدت حكومة بغداد بإنهاء ملف النزوح في العراق وإغلاق المخيمات في كافة المحافظات، لكن هذا المشروع اصطدم بمشاكل منها غياب الأمن، وبقاء مخلفات الحرب، حيث الكثير من المدن عبارة عن أنقاض متراكمة.
ومع دخول فصل الشتاء تجددت معاناة العائلات النازحة في مخيمات النزوح، خاصة مع فقدان هذه المخيمات لأدنى مقومات العيش، و لا تحمي المقيمين فيها فيها من مياه الأمطار وتقلبات الجو.
وحذر ناشطون، من أن أزمات النازحين تتفاقم مع حلول الشتاء، بسبب عوامل الطقس مثل هطول الأمطار، وما تسببه من وحل في المواقع التي يسكنون فيها، فضلا عن وجود خيم مهترئة لا تقي من البرد الشديد، ولا تجنبهم المخاطر.
وقال الناشط الحقوقي، بهاء جمعة، إن الإجراءات حكومة غير كافية لرفع الظلم والمعاناة عن العائلات، وكانها تنتقم بشكل لا إنساني وطائفي معها عبر إذلالها في هذه المخيمات، وما زالت تلك المخيمات تحتاج إلى إجراءات سريعة وعاجلة، توازي حجم البؤس الذي يعيشه النازحون هناك، ما يستدعي العمل والتنسيق بشكل أكبر مع منظمات دولية وعربية، وفقا الناشطين.
وأضاف جمعة، خلال حديثه لوكالة "يقين"، أن البرد القارس في هذه الأيام من السنة، يضع الجميع أمام مسؤولية انسانية ودينية من أجل حل ومعالجة مشكلة هذه العائلات، وتوفير الملاذ الآمن لها لإنقاذها مما تعانيه.
وأوضح أن، الخيام التي يسكنها النازحون تفتقر للعوازل وعدد كبير منها مهترئة، مع غياب وسائل التدفئة، مضيفاً أنّ الخيام تفيض بالمياه، مؤكداً، أن وسط الوضع المأساوي جداً، أكثر ما تحتاجه العائلات في الوقت الراهن هو توفير وسائل الحماية والوقاية من أجل الحفاظ على حياة النساء والأطفال وكبار السن.
وانتقد جمعة، دور الأمن في حماية النازحين، مشؤاً إلى أن أسلوب الجهات الأمنية وتعاملهم مع النازحين يعد بعيداً عن الأعراف والقيم الإنسانية، حيث تشهد المخيمات حالات ابتزاز واعتداءات غير اخلاقية من قبل بعض أفراد الأمن بحق العائلات.
احتياجات أساسية
تتركز احتياجات النازحين في فصل الشتاء حول نقص المدافئ والوقود والفرش والأغطية والوسائد والسجاد وغير ذلك من الأشياء المستهلكة بشكل سنوي، وتتزايد معاناة النازحين مع انسحاب المنظمات الدولية والفرق التطوعية التي تعمل علي جمع التبرعات من الأفراد وبعض التجار شكّل عائقا كبيرا في دعم العائلات النازحة.
كما تسبب نقص وسائل التدفئة ونقص الغذاء أدت إلى تسجيل الكثير من حالات الوفاة داخل المخيمات، لافتا إلى عدم وجود أي أرقام رسمية أو حقوقية حول عدد الحالات، بحسب ناشطين عاملين في مجال الإغاثة.
كان من المؤمَّل إغلاق ملفات الأسر النازحة في “العراق”؛ بحلول شهر أيلول/سبتمبر الماضي، وفقًا لتوجيهات “وزارة الهجرة والمهجرين”، التي عدّت العائلات غير العائدة مندمجة في مناطقها التي نزحت إليها.
وبعد مرور قرابة أربعة أشهر على عدم إنهاء هذا الملف؛ يعّزو وكيل وزارة الهجرة والمهجرين في حكومة بغداد، كريم النوري، التأخر الحاصل إلى أنَّ ملفَّ النزوح: “معقد جدًا”، وتحتاج الوزارة إلى وقت للانتهاء منه.
ويُضيف النوري، أنَّ إغلاق الملف كان ضمن برنامج حكومة السوداني، خاصة مع فصل الشتاء مع ما يرافقه من صعوبات وتحديات للنازحين، وأنَّ وزارته لديها استعدادات مسّبقة لاستقبال المتغيرات المناخية، فضلاً عن رصد ومتابعة المواطنين في مناطق النزوح بسبب الجفاف.
وأشار إلى أن الوزارة قد تسّتعين بمنظمات دولية وإمكانيات وزارات أخرى من أجل الوقوف على الصعوبات التي يواجهها النازحون، مضيفاً، أنَّ العدَّ التنازلي قد بدأ لإنهاء ملف النزوح، منوهًا أن ما تبقى هو (26) مخيمًا أغلبها في “إقليم كُردستان العراق”، تضم 27 ألف عائلة.
أزمة حرجة
وفي السياق، تناول تقرير أعدته المفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية ECHO جانب الأوضاع الإنسانية للنازحين والعائدين في إلى مناطقهم، ولم تتحقق إجراءات العودة في ظل قلة الخدمات وصعوبات في التأقلم، وعدم إمكانية حصولهم على خدمات ورعاية اجتماعية وتعليم.
وجاء في التقرير أنه منذ استعادة المناطق التي كانت تحت سيطرة التنظيم، فإن الأزمة الإنسانية في العراق في مخيمات النزوح لاتزال أزمة إنسانية حرجة.
وتذكر المفوضية الأوروبية في تقريرها انه رغم انتهاء مرحلة الحرب ووجود برامج تعزيز استقرار وتعهدات حكومية بتحسين الخدمات ووضع نهاية لحالة النزوح، فإن هناك حالات عديدة ما تزال قائمة متعلقة باحتياجات إنسانية لنازحين، وأن الحلول المستدامة لم يتم تحقيقها لهم.
وفي وقت سابق صنفت جمعية، وورلد وايد ديسشن 2024، الوضع الإنساني لهؤلاء في العراق على انه ازمة منسية تتمثل بوضع إنساني شديد القسوة ومزمن.
وأضافت، أنه بالإضافة الى الوضع الإنساني الناجم عن الحرب ضد داعش، فان العراق يشهد أيضا ازمة بيئية ومناخية حادة، تؤثر على وفرة المياه والزراعة وتربية الحيوانات وصيد الأسماك بالنسبة للعائلات الفلاحية.
إنعدام المستمسكات الثبوتية
كشفت المفوضية وجود فجوات كبيرة قائمة في تقديم خدمات عامة للنازحين والعائدين، تتمثل في عدم حل قضية مزمنة متعلقة في منح وثائق مدنية للنازحين، ورغم عدم إمكانية الحصول على إحصائية دقيقة لأعدادهم.
وأكدت، أن التقديرات تشير الى وجود 433 ألف نازح وعائد يفتقرون الى وثيقة رسمية على أقل تقدير من وثائق الأحوال المدنية، وأن ما نسبته 25% من النازحين يفتقر كل منهم الى واحدة أو اكثر من وثائق الهويات المدنية الرئيسية.
وأضافت، أن المشكلة المتعلقة بهؤلاء النازحين هي صعوبة الحصول على وثائق رسمية للولادة أو الوفاة أو الزواج، وقد يكون سبب ذلك هو ضرورة اجتيازهم تدقيقا امنيا.
وأشارت، إلى أن ما يتعلق بالأطفال وجانب التربية والتعليم، لأن الافتقار الى الوثائق المدنية، وخصوصا شهادات الولادة والهويات، يشكل عائقاً كبيراً بالنسبة للأطفال النازحين من الحصول على تعليم رسمي.
وأفادت أن ذلك يتجسد أكثر في المخيمات ومواقع النزوح غير الرسمية حيث يكون فيها الحصول على تعليم رسمي أمرا صعبا ويتعذر تحقيقه، ولهذا هناك حاجة مستمرة لتقديم تعليم غير رسمي لهم مع تسهيل الحصول على التعليم الرسمي كباقي التلاميذ.
تغيير ديموغرافي
وفي ظل الظروف التي يكابدها النازحون، تطرح العديد من الأسئلة عن أسباب عدم عودة هؤلاء إلى ديارهم، لتبرز بعد التدقيق أسباب يصفها النازحون بـ "الطائفية والديموغرافية" مما يحول دون عودتهم إلى ديارهم حتى الآن.
ومن أبرز تلك المخيمات، التي يمكن وصفها بغير النظامية، مخيم "بزيبز" الواقع في قضاء العامرية بمحافظة الأنبار بين حدود محافظتي بغداد وبابل، والذي يضم 1360 عائلة نازحة من أهالي مدينة جرف الصخر شمالي بابل، وقرية العويسات التابعة لقضاء العامرية، والتي تحول أسباب سياسية دون عودتهم إلى مدنهم.
وتمنع بعض الجهات السياسية والميليشيات الطئفية عودة النازحين لمناطقهم، بهدف التغيير الديموغرافي، أو إستغلال قضيتهم من خلال دفع بعض العشائر لاتهامهم بالضلوع بعمليات قتل أو تهجير لأبنائهم، وهو ما يعيق عودة بعض القرى في محافظات الأنبار ونينوى و صلاح الدين وديالى على الرغم من خضوع النازحين للتدقيق الأمني وحصولهم على موافقة بالعودة، وفقا للمهداوي.
ويرى الناشط، محمد عامر، أن هنالك استغلال سياسي من بعض الأطراف التي تتاجر بملف النازحين وتستثمره في المناسبات الانتخابية لأغراض سياسية، منبها لضرورة أن يكون ملف إعادة النازحين بمعزل عن رغبة الأحزاب السياسية وأن تتكفل به الحكومة بشكل مباشر مع وضع خطة واضحة لذلك.
وأشار عامر، إلى عدم وجود إرادة حكومية وسياسية لحل المشكلة، لأن ملف النازحين سيغلق بوقت قياسي، بشرط إبعاد هذه القضية عن الاستقطاب السياسي والتدافع حول السلطة والمكاسب الحزبية.
وأكد أن هناك عمليات تغيير ديموغرافي ورغبات إقليمية ومحلية تقف خلف استمرار هذا الملف، وهناك رغبات واجندات سياسية تعمل على عدم غلق ملف النازحين لانتفاعها منه، أو تلبية لرغبات إيران بإستمرار الملف لخدمة مشروعها التوسعي في المنطقة، لأن إيران لا ترغب بعودة نازحي جرف الصخر مثلاً، لأنها تعد مركزاً لعمليات الحرس الثوري وموقع جغرافي محوري في المنطقة.