مع انقضاء عام وبداية عام جديد استعرضت الصحف والمواقع المتخصصة أوضاع البلدان المختلفة وما تحقق فيها من إنجازات وإخفاقات، وتفاوتت تقييماتها فيما يتعلق بوصف حالة العراق في آخر يوم من عام 2020 لكن الجميع اتفق على أنه كان العام الأسوأ ليس منذ الإحتلال فحسب بل في تاريخ العراق كله، فالواقع الصحي المتردي الذي فاقم وضعه انتشار فيروس كورونا وتراجع التعليم والأزمة الإقتصادية وأوضاع المهجرين وكذلك تردي الوضع الأمني وانتشار ظاهرة الإغتيالات التي استمرت مع تزايد عدد المتظاهرين في مختلف المحافظات منذ أكثر من عام، كلها مؤشرات على هذه الإخفاقات المتلاحقة.
إحدى السيدات من الذين استطلعت آراءهم صحيفة عربية في تحقيق ميداني قالت إنه عام الجائحتين، جائحة كورونا وجائحة قمع التظاهرات بدلالة العدد الكبير من الضحايا الذين سقطوا خلال عام كامل من غليانها.
أن الجائحة ساهمت في تراجع حركة الاحتجاج الذي قمعته الأحزاب وميليشياتها قبل أن تحد منها الجائحة. وحصد الوباء منذ حلوله ما يقرب من 13 ألف ضحية حيث سجل العراق أعلى نسبة في عدد الإصابات عربياً .
عام الجائحتين
قد يكون عام 2020 الأسوأ بسبب الأعداد الكبيرة لضحايا كورونا، فهي كبيرة حتى في الأرقام الرسمية ، لكن مراقبين يرون أن هذه الجائحة انتشلت النظام من السقوط ، والذي وجد فيها شماعة لتعليق أخطائه والتذرع بها لتبرير فشلة بإيجاد حلول للمشاكل المتراكمة عاماً بعد عام وحكومة بعد حكومة، كما أن الجائحة ساهمت أيضاً في تراجع حركة الإحتجاج الذي قمعته الأحزاب وميليشياتها قبل أن تحد منها الجائحة. وحصد الوباء منذ حلوله ما يقرب من 13 ألف ضحية حيث سجل العراق أعلى نسبة في عدد الإصابات عربياً ، بعدد اقترب من 600 ألف إصابة قبل نهاية العام، وأشر إهمالاً متراكماً في إدارة وتأهيل المؤسسة الصحية التي سقطت في أول اختبار حقيقي، وكانت لهذا الوباء انعكاساته على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتردية أصلاً، وهو ما أشر أيضاً هشاشة مؤسسات الدولة وفشلها في إدارة أزمة وطنية تقتضي تنسيقاً وتعاوناً بين جميع هذه المؤسسات بلا استثناء، وفضح عددُ الإصابات والوفيات إخفاقاً مزدوجاً على صعيد الإستعدادات المتخذة في المستشفيات وكذلك في تنمية الوعي الجماهيري بمخاطر هذه الجائحة والمساعدة في خلق سلوك عام متعاون من أجل تخفيف نتائجها إلى أقل قدر ممكن.
قمع الإنتفاضة
الجائحة الثانية بحسب وصف السيدة المشاركة في الإستطلاع "كانت أدهى وأمر"، وقالت إن الأعداد الكبيرة من الضحايا الذين سقطوا خلال عام كامل من الإحتجاجات يعبر عن وحشية ميليشات أحزاب السلطة وهي "إضافة لسجل هذه الأحزاب المخزي الذي يمتد لعقود خلت ويغص بأعمال القتل والتهجير والتفجيرات" حسب تعبيرها.
وأصيب ما يقرب من 25 ألف متظاهر توفي 669 منهم فيما اعتقل 3 آلاف محتج في 13 محافظة عدا أحداث السليمانية الأخيرة وفق إحصائية سابقة لموقع ويكيبيديا الذي أحصى أيضاً أكثر من 166 عملية اختطاف لناشطين وناشطات قتل بعضهم وتعرض البعض الآخر لشتى أنواع التعذيب فضلاً عن عمليات اغتيال مباشر بطرق مختلفة منها الدهس وإطلاق النار والرمي المباشر بقنابل الغاز. ووثقت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة بالعراق أكثر من 300 انتهاك ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية خلال العام أبرزها ما ترافق مع حركات الإحتجاج، من بينها اغتيال 4 صحفيين وإصابة 10 آخرين، إضافة إلى التهديد بالتصفية الجسدية واعتقال 74 صحفياً والاعتداء على 167 آخرين بحسب تقرير نشرته الجمعية على موقعها الإلكتروني.
العراق مرشح لتسجيل أسوأ أداء له على مستوى النمو السنوي لإجمالي الناتج المحلي منذ 2003 في ظروف تفشي الجائحة وانخفاض أسعار النفط، والاحتجاجات المستمرة وغياب الإصلاحات
إخفاقات بكل الصعد
وتصدرت الأزمة الإقتصادية بقية جوانب الإخفاق الحكومي في العام المنصرم والتي أشرت فشل النظام المعتمد على الإقتصاد الريعي. ولم تقتصر انعكاسات هذه الأزمة على طبقة الموظفين الذين تأثرت رواتبهم بها بل تجاوزتها الى كل الشرائح متمثلة بندرة الموارد المالية نتيجة الاعتماد على النفط بشكل رئيس. ولمعالجة الأزمة المالية اضطرت الحكومة للإقتراض الداخلي الذي قال خبراء اقتصاديون عنه أنه جاء بمثابة معالجة الخطأ بالخطأ. وتعليقاً على مسألة الإقتراض قال محمود داغر المدير العام السابق للعمليات المالية في البنك المركزي في تصريح صحفي إن "استمرار الاقتراض بهذا الحجم الكبير هو توريث للدين وزيادة للأعباء على الأجيال المقبلة" مؤكداً إمكانية "حذف أكثر من خمسة تريليونات دينار من الديون، من بينها مستلزمات الرئاسات الثلاث وبعض النفقات المتعلقة بالاستثمار". وبحسب البنك الدولي، فإن العراق مرشح لتسجيل أسوأ أداء له على مستوى النمو السنوي لإجمالي الناتج المحلي منذ 2003 في ظروف تفشي الجائحة وانخفاض أسعار النفط، والاحتجاجات المستمرة وغياب الإصلاحات، والعجز عن معالجة الفساد وهي أسباب أدت إلى خسارة الموازنة العراقية لحوالي 11 مليار دولار من عائدات بيع النفط فقط خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام بحسب أرقام البنك الدولي.
نبوءة طفل!
أكثر من جائحة مرت على العراقيين عام 2020 ولن يستطيع الباحث إحصاءها لكثرتها وتشعبها. التحقيق الصحفي الميداني الذي قالت فيه إحدى السيدات " إنه عام الجائحتين"، شمل شرائح أخرى من المواطنين في بغداد وبعض المحافظات، وطلب مراسل الصحيفة في هذا التحقيق وصفاً بكلمة واحدة لعام 2020 في العراق ، قال رجل مسن في ساحة الطيران حيث يتجمع العمال للبحث عن عمل إنه العام الأصعب ووصفه أستاذ جامعي بأنه عام الفشل ، لكن طفلاً كان يبيع المناديل الورقية في أحد التقاطعات قال (إنه العام الأخير) وعندما أخبره المراسل أنه لم يفهم ماذا يقصد بالأخير قال الطفل: "لا أدري. أنت طلبت مني أن أصفه بكلمة واحدة وقد فعلت، إنه العام الأخير"، ثم اختفى بين السيارات!