يستند المؤشر العالمي للأمن الصحي في تقييم الواقع الصحي حول العالم على لائحة أعدها مركز هوبكنز ونشرها قبل عامين، وكان العراق حينها يقبع في المرتبة 176 من بين 195 دولة قبل أن تنتشر جائحة كورونا وتزيد الأمر تعقيداً. ويعاني قطاع الصحة في العراق من سلسلة طويلة من المعضلات منها ما يتعلق بشحة التمويل وتراجع الأولوية لهذا القطاع المهم في الميزانية الحكومية، إضافة لتداعي البنى التحتية للمستشفيات وتناقص الكوادر الطبية والتمريضية، مما يظهر مؤشرات عجز عن مواجهة كارثة وبائية بحجم فايروس كورونا. وأعلنت منظمة الصحة العالمية مطلع العام الجاري عن ما يقرب من 600 ألف إصابة بفايروس "كورونا" في العراق، ومثل هذه الأرقام تعتمد في الغالب على المصادر الرسمية التي وإن سلمنا بدقتها فهي تعتمد بدورها فقط على الإصابات المسجلة رسمياً والتي تواصل ارتفاعها بوتيرة متصاعدة. ولا يُخفي أطباء عراقيون مخاوفهم من أن يؤثر الفساد المالي والإداري المتفشي أصلاً في النظام الصحي كحال بقية مؤسسات الدولة، على طريقة التصدي للوباء. وعبر أطباء من مستشفى الكاظمية في بغداد عن شكوكهم بالإجراءات الحكومية لاستيراد وتوزيع اللقاح وبقية المستلزمات الطبية المرافقة ، والتي تتطلب تدريباً خاصاً وإمكانات لا يعتقدون أنها متوفرة بشكل كاف.
إن أداء الوزارة كان دون المستوى لسنوات عدة، وعلى ذلك لن يكون تأخير إنجاز المهمة مفاجئاً، خاصة وأن مثل هذه الملفات لا تنجو من شبهة الفساد
لقاح "رخيص"
وتعاقدت وزارة الصحة مع شركة "فايزر" للحصول على اللقاح بسعر مخفض "مراعاة للأزمة الاقتصادية" بحسب مصادر صحفية، لكن يبدو أن مسألة تخزين اللقاح أهم من شرائه إذ أنه يحتاج إلى برّادات خاصة تحافظ عليه في درجة 70مْ تحت الصفر، وهذه الإمكانات قد لا تتوفر في كل مكان وكل زمان، وهنا تكون حياة المواطن مهددة بشكل جدي سواء في تأخر وصول اللقاح إليه أو في وصوله خارج قياسات الخزن. وكان المتحدث باسم وزارة الصحة سيف البدر قد أعلن في وقت سابق إن "الهيئة الوطنية لانتقاء الأدوية وافقت على استخدام لقاح فايزر بشكل طارئ لمواجهة جائحة كورونا في العراق". وأكد وزير الصحة حسن التميمي إن وزارته إتفقت مع شركة فايزر على توريد 1.5 مليون جرعة من هذا اللقاح إضافة إلى 16 مليون جرعة من الاتحاد العالمي للقاحات. ولم يخفِ الوزير قلقه من الصعوبات التي ترافق عملية النقل، مؤكداً في تصريح له "إن عملية نقل اللقاح تحتاج إلى جهود، وهناك احتياج إلى خبرات الشركات المصنعة."
وعبر كتاب متخصصون عن شكوكهم بإمكانيات وزارة الصحة على إدارة ملف كبير كهذا ، ويقول الكاتب سجاد جياد إن أداء الوزارة كان "دون المستوى لسنوات عدة"، وعلى ذلك لن يكون تأخير إنجاز المهمة مفاجئاً، خاصة وأن مثل هذه الملفات " لا تنجو من شبهة الفساد". وفي الوقت الذي تتسابق فيه الدول لضمان حصول مواطنيها على اللقاح بأسرع وقت قال مسؤول في وزارة الصحة إن الشحنة ستصل إلى البلاد خلال الربع الثاني من هذا العام، أي أنها في أحسن الأحوال لن تصل قبل شهر أبريل/مايس القادم، وأكد مدير الصحة العامة بوزارة الصحة والبيئة رياض عبد الأمير الحلفي، في تصريح صحفي إن اللقاح "سيخصص في البداية لشرائح محددة من الكوادر الطبية وكبار السن وذوي الأمراض المزمنة".
إن العراق هو البلد الوحيد في العالم الذي تلقى قادته السياسيون اللقاح (سراً) قبل المرضى وكبار السن والجيش الأبيض الذي يتصدى بكل شجاعة وغيرة للوباء
زعماء الكتل حصلوا على اللقاح
وبحسب ما نقلته صحف ومواقع ألكترونية فإن زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم حصل على هدية من شخصية خليجية هي عبارة عن عشرة آلاف جرعة من اللقاح الصيني تم توزيعها على خاصته وكوادر تياره وقادة الحشد، ولم يصدر تأكيد لهذه الأخبار من جهة رسمية ، إلا أن محافظ النجف لؤي الياسري ألمح في لقاء تلفزيوني "لوجود لقاح صيني" . وكان أحد المدونين قد أشار في تغريدة له على تويتر لوصول هذه الجرعات، وقال إن أربعة أطباء من بينهم طبيب رئيس الوزراء الخاص قد تلقوا تدريباً خارج البلاد على كيفية حفظ وإدارة اللقاحات، مؤكداً أن الموضوع تم قبل أشهر. ونقلت مصادر صحفية عن سياسي بارز لم تسمه قوله إن الشخصية الخليجية قد أهدت الحكيم هذه الكمية من اللقاح لتوزيعها "على الحالات الطارئة، خاصة الكوادر الصحية، لكن مكتب الحكيم وزعها بشكل سري لشخصيات حكومية وسياسيين ومتنفذين ولمراجع دينية وعائلاتهم وخواصهم وبعض رجال الدين في النجف" بحسب المصادر التي عددت أسماء العشرات من هذه الشخصيات بضمنهم سياسيون أكراد من الحزبين الحاكمين شمال العراق. وحاولت هذه المصادر الحصول على معلومات أوفر عن شحنة اللقاح السرية من القيادي في تيار الحكمة فادي الشمري لكنه أجاب بأن "المعلومات لا تستحق التعليق"، أما مستشار رئيس الوزراء عبد الرحمن الجبوري فأخبر الصحيفة بأنه "لا يعرف شيئاً عن القصة".ونشر السياسي ابراهيم الصميدعي على صفحته في الفيسبوك: "أقول بأسف إن العراق هو البلد الوحيد في العالم الذي تلقى قادته السياسيون اللقاح (سراً) قبل المرضى وكبار السن والجيش الأبيض الذي يتصدى بكل شجاعة وغيرة للوباء"، لكنه حذف لاحقاً هذه الفقرة من تعليقه بحسب الصحيفة التي نقلت الخبر ونشرت صورة لتعليقه الأول، في حين نفى عباس عليوي عضو خلية الأزمة النيابية، تلقي أي مسؤول عراقي للقاح.
وفي مثل هذه الأوضاع لا يستطيع المواطن العراقي معرفة ما إذا كان بإمكانه الحصول على حصته من اللقاح المزمع استيراده ، وبانتظار هذه الفرصة عليه استخدام الوسائل المتاحة للوقاية من الفايروس، أو كما يقول المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية الدكتور أحمد المنظري : "إن الأمر متروك لكل واحد منا للبقاء في حالة تأهب وممارسة التدابير الوقائية الشخصية حتى تأمين اللقاح".