ما زالت تفاصيل آخر عمليتي اختراق لحدود المملكة العربية السعودية من قبل طائرات مسيرة غير معلنة، لكن سرعة ردود فعل المواقع التابعة لميليشيات إيران في المنطقة فضحت جوانب من هذه التفاصيل، وإيران في العادة لا تعلن بنفسها عن أي عملية تقوم بها ميليشياتها، لكن هناك على الدوام ملكيون أكثر من الملك كما يقال. وبالنيابة عن إيران تقوم الميليشيات بتنفيذ أعمال من هذا النوع ضد خصومها انطلاقاً من الأراضي العراقية ثم تتولى الإعلان عنها، جاعلة من العراق هدفاً محتملاً لردود فعل قد يقدم عليها هؤلاء الخصوم.
وبحسب مواقع متخصصة فإن إيران لديها أنظمة طائرات مسيرة بعيدة المدى يمكنها الوصول إلى الرياض وعواصم أخرى في المنطقة بحمولة من المتفجرات خفيفة الوزن انطلاقاً من العراق أو من اليمن أو حتى من الأراضي الإيرانية. وسبق للميليشيات العاملة في العراق أن نفذت أكثر من عملية من هذا النوع عندما أطلقت طائرات ذات أجنحة "دلتا" يتراوح مداها بين 600 – 700 كيلومتر استهدفت خط أنابيب نفطي في أيار/مايو 2019، وعملية أخرى استهدفت معملاً لتكرير النفط في بقيق في المملكة العربية السعودية، في أيلول/سبتمبر من نفس العام، وغيرها. وبالاضافة للأراضي العراقية تستخدم ايران ميليشيا الحوثي في اليمن لإطلاق هذا النوع من الطائرات انطلاقاً من الاراضي التي تسيطر عليها في اليمن، إضافة لاستخدامها في أنشطتها في سوريا. وكانت ميليشيا الحوثي قد استهدفت مطار أبو ظبي الدولي في الإمارات في تموز/يوليو 2018 باستخدام هذه الطائرات، بحسب ما أعلنه إعلام هذه الميليشيا.
هددت هذه الميليشيا "دبي" في بيان أصدرته في 23 كانون الثاني/يناير، وبعد ذلك بأربعة أيام نشرت صورة لطائرة إيرانية مسيرة وهي تهاجم برج خليفة
رسائل "رمزية"
ويعتقد بأن هجمات 23 و 26 كانون الثاني/يناير الماضي كانت بطائرات شبه شبحية انطلقت من قاعدة "جرف الصخر" التي تسيطر عليها ميليشيا "حزب الله" عندما اخترقت المجال الجوي للرياض وأطلقت صواريخ اعتراضية على أهداف جوية. وساد هذا الاعتقاد لأن ميليشا حزب الله سبق وان شنت هجماتٍ في أيار/مايو وأيلول/سبتمبر 2019 من هذا الموقع، لكن ميليشيا "الوعد الحق" أعلنت عن مسؤوليتها عن الهجومين . وبسبب عدم وقوع أضرار كبيرة يعتقد أن الغاية من الهجمات كانت رمزية أكثر منها عسكرية خاصة وأن القنوات الدعائية التابعة لإيران في العراق واليمن نشرت الخبر بشكل احترافي معد مسبقاً. ويقول الباحث "مايكل نايتس" من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إن هذه الميليشيات "تلقت أوامر للقيام بذلك من الحرس الثوري الإيراني، الشريك الأكبر الوحيد الذي يتمتع بالصلات والتأثير لتوجيهها جميعاً في وقت واحد،" مضيفاً إن إيران تسعى من خلال عمليات الاختراق هذه إلى "تعزيز أهداف الحملة الدعائية التي تشنها إيران ووكلاؤها." وأكد الباحث إن الهجمات بالطائرات المسيرة من قبل الحوثيين على سبيل المثال ركزت "على احتلال العناوين الرئيسية، وعدم التسبب في أضرار مادية، وهو أمر قد يكون صعباً على أي حال بسبب الحمولة الصغيرة والدقة المحدودة لأنظمة الحوثيين القادرة على الوصول إلى مدينة تبعد 1000 كيلومتر عن مواقع هذه الأنظمة. ويتابع نايتس القول "وفي الحالة الراهنة، ثمة أدلة أكثر من أي وقت مضى تشير إلى وجود دافع رمزي في المقام الأول". وهددت هذه الميليشيا "دبي" في بيان أصدرته في 23 كانون الثاني/يناير، وبعد ذلك بأربعة أيام نشرت صورة لطائرة إيرانية مسيرة وهي تهاجم برج خليفة، مالبثت القنوات الإيرانية في العراق أن أعادت بثها مرات عديدة. وبحسب الخبير بالشؤون اليمنية سعيد ثابت فإن "إعلان الحوثيين عن قصف مناطق بعيدة مثل مطاري أبو ظبي ودبي، في ظل غياب توثيق أو أدلة منهم ونكران الطرف المقابل يبقى غير ممكن التثبت منه".
تقنية إيرانية
ويعود تاريخ استخدام هذه الطائرات من قبل الميليشيات في العراق إلى آب /أغسطس 2016 أبان الهجوم على الموصل، لكن تقارير محلية كانت قد نقلت في حزيران/ يونيو 2015 عن مسؤول عراقي قوله إن "إيران زوّدت الحشد في الأنبار بثلاث طائرات مسيرة".
وتبرز في مقدمة الميليشيات التي تمتلك طائرات مسيرة يمكنها حمل قنابل يصل وزنها إلى 6 كيلوغرامات مليشيا الخراساني وحزب الله وبدر والعصائب والنجباء. وفي تصريح له عبر ضابط عراقي كبير عن اعتقاده "أن إيران وراء نقل التقنية إلى سورية والعراق لفصائل تدعمها، ومن ثم تسرّبت لجماعات الأخرى"
من المهم معرفة خطورة تسرب تقنية المسيرات وفرض رقابة على أجزاء تدخل بصناعتها، وإلزام إيران بالتوقف عن مد جماعات موالية لها بالتقنية والمال
وفي سوريا قال أحمد رحال وهو عميد انشق عن قوات النظام السوري لصحيفة ألكترونية إن الطائرات المسيرة الموجودة اليوم في سورية هي " تقنية إيرانية بالكامل" ، مؤكداً أن أغلب الميليشيات، بضمنها ميليشيات عراقية وايرانية وأفغانية "تمتلك طائرات مسيرة، تحمل قذائف متفجرة وبقدرات طيران مختلفة"
ويكمن خطر هذه الطائرات في سرعة تطورها إذ كان المدى القاتل للقنبلة التي تحملها قبل سنتين لا يتجاوز دائرة قطرها 6 أمتار، اما الان فقد تمت زيادة وزن القنبلة التي تحملها ليتسع المدى القاتل أضعاف هذه المساحة.
صناعة محلية
وقال مسؤول في وزارة الدفاع العراقية إن الحشد الشعبي وبقية المليشيات يمتلك ورشاً تعمل بشكل علني في كل من العراق وسوريا على "تطوير ترسانتها العسكرية بما فيها الطائرات المسيرة". وعبر باحثون شاركوا بورش عمل في بغداد ودول أوربية عن مخاوفهم من أن العامين المقبلين قد يشهدان دخول الطائرات المسيرة كسلاح للجماعات المسلحة في المنطقة. وقال الخبير بشؤون الجماعات المسلحة محمد الخالدي، الذي شارك بثلاث من هذه الورش في حديث صحفي إنه "من المهم معرفة خطورة تسرب تقنية المسيرات وفرض رقابة على أجزاء تدخل بصناعتها، وإلزام إيران بالتوقف عن مد جماعات موالية لها بالتقنية والمال، ومهم أيضاً معرفة أن أجهزة تحديد المواقع ولوحات التحكم لا تحصل عليها الجماعات من الصين بل من إيران". مضيفاً إن "هناك رغبة إيرانية بإبقاء المنطقة العربية مشتعلة غير مستقرة وهذا واضح، وستواصل طهران ضخّ ما تريد الجماعات من وسائل عنفية حتى لو اختلفت مع إيران فكرياً أو عقائدياً أو حتى بالأهداف". مؤكداً إنه "إذا كان شيوع إسلوب السيارات المفخخة في السبعينيات، فيمكن القول إننا أمام مرحلة جديدة تكون فيها الطائرات المسيرة سلاحاً لتنفيذ أعمال إرهابية، وخلال سنوات إذا استمر الصراع بهذا الشكل، ستكون الطائرات المسيرة ذات تقنية أكثر خطورة من حيث المسافات التي تقطعها والمتفجرات التي تحملها".