المتظاهرون يطالبون بالقصاص والرئاسات الأربع تجتمع لبحث تداعيات اعتقال "مصلح" 

نفذ ثوار تشرين وعدهم بالخروج من جديد في تظاهرات واسعة اعتباراً من الخامس والعشرين من أيار، استمراراً للتظاهرات السابقة، التي انطلقت في تشرين 2019 في بغداد والمحافظات. وتميزت التظاهرات الأخيرة بمركزيتها حيث تقاطر متظاهرو المحافظات على ساحة التحرير في بغداد، موحدين مطالبهم بإسقاط العملية السياسية والأحزاب المشاركة بها. وانتشرت قوات مكافحة الشغب بكثافة حول ساحة التحرير لمنع الوفود القادمة من المحافظات، ومن أحياء العاصمة للمشاركة في التظاهرات، التي أطلقوا عليها ( مليونية 25 أيار). واعتصمت أعداد من المتظاهرين أمام مجلس القضاء الأعلى في بغداد، مطالبين بالكشف عن قتلة الناشطين ومحاكمتهم، متهمين في هتافاتهم إيران والميليشيات والأحزاب الموالية لها، بخطف واغتيال المتظاهرين والناشطين الرافضين لهيمنتها على مقدرات البلاد. وأدان بيان صدر عن الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين في العراق "الانتهاكات والجرائم الدموية بحق المتظاهرين" مؤكداً "إن الحكومة الحالية وميليشياتها وأحزابها مفلسون، وأن فشلهم المستمر يدفعهم لانتهاك حقوق العراقيين، وعلى أحزاب السلطة وميليشياتها أن يعوا بأن الشعب العراقي أكد بهذه التظاهرات رفضه الكامل للنظام السياسي القائم بكل تفاصيله، وبات مؤمناً بأنه لن يأتي بأي خيرٍ للعراقيين؛ لأنه المتسبب بضياع العراق وقتل أبنائه ودماره ونهب ثرواته ومقدراته، وإخراجه من مسيرة الحياة الكريمة والعيش الآمن" بحسب البيان.

فضح تصريح وزير الدفاع "جمعة عناد" ضعف المؤسسة العسكرية أمام هذه الميليشيات التي تتحكم بمقادير البلاد

اعتقال "قاسم مصلح"

وأشار البيان لإصابة أكثر من 150 متظاهراً في الأيام الأولى لاندلاع التظاهرات نتيجة إطلاق الرصاص الحي، توفي عدد منهم، فيما أكدت مصادر أخرى وجود عدد من النساء المتظاهرات والمسعفات بين الجرحى، الذين كانت جروح بعضهم خطيرة. وللتغطية على هذه الجريمة وامتصاص غضب الشارع، أعلن عن اعتقال القيادي في ميليشيا الحشد الشعبي "قاسم مصلح"، الذي أكدت وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن مصادر أمنية، مسؤوليته عن اغتيال ناشطين، لكن مصادر أخرى أوردت روايات مختلفة عن أسباب اعتقاله، حيث ذكرت وكالة رويترز أن "اعتقال مصلح كان على صلة بهجوم صاروخي أخير على القاعدة العراقية الأمريكية عين الأسد". وكانت مصادر ميليشيا الحشد قد ذكرت أن قوة أمنية عراقية قامت بمساعدة أمريكية، بعملية إنزال جوي في منطقة الدورة جنوب بغداد، حيث تمت عملية الإعتقال. وفضح تصريح وزير الدفاع "جمعة عناد" ضعف المؤسسة العسكرية أمام هذه الميليشيات التي تتحكم بمقادير البلاد، إذ قال لإذاعة محلية إن "عملية اعتقال مصلح جرت بطريقة خاطئة." وكانت قوات من ميليشيا الحشد قد حاصرت منزل رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي” ومواقع أخرى داخل “المنطقة الخضراء” بعد وقت قصير على اعتقاله، مستعرضة أسلحتها، ومهددة باقتحام هذه المقرات. وعلقت وسائل إعلام عربية على هذه الأحداث بالقول إن الدولة العراقية "لا تكتفي بالسيطرة الكبيرة التي تمتلكها على مقدّرات الدولة نفسها، سواء ضمن أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، وضمن الطيف الواسع من السياسيين من قادة ومسؤولي الأحزاب ونواب البرلمان"، بل إنها "تعزز هذه السيطرة عبر الميليشيات المسلحة المتعددة الأشكال والأسماء والاختصاصات والوظائف".

من هو قاسم مصلح ؟

وفي سابقة فريدة اجتمعت الرئاسات الأربع لبحث تداعيات اعتقال عضو في ميليشيا، متهم بارتكاب جرائم قتل، اعتقل وفق مذكرة قضائية متعلقة بالإرهاب. فقد اجتمع الخميس رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان والقضاء لبحث الحادثة، وما أفرزته من ردود فعل غاضبة من قادة الحشد، أعقبها انفلات أمني في بغداد ، التي شهدت الأربعاء إنتشاراً واسعاً لآليات الحشد وعناصره المدججين بالسلاح، داخل المنطقة الخضراء وحول محيطها، قاموا خلالها بتطويق بعض المقار الحكومية، مطالبين بإطلاق سراح "مصلح". وصدر عن اجماع الرئاسات بيان تضمن حديثاً عن حصر السلاح بيد الدولة، وهو أمر اعتادت البيانات الحكومية تكراره دون تطبيق عملي. وتضاربت الأنباء حول المكان الذي احتجز به "مصلح"، لكن مصادر مطلعة ذكرت إن القوة التي ألقت القبض عليه، سلمته إلى عهدة أمن الحشد. 

وقاسم مصلح كان قائداً لقوات "حفظ النظام" التابعة للعتبة الحسينية في كربلاء، ثم قائداً للواء "علي الأكبر"، التابع لحشد العتبات، الذي تديره مرجعية النجف بشكل مباشر، وشغل منصب قائد “لواء الطفوف” في الحشد الشعبي، ثم تسلم عام 2017 منصب قائد عمليات الحشد في الأنبار، ضمن قواته التي تضم العديد من الفصائل المدعومة من إيران، وكان مقرباً من نائب رئيس الهيئة أبو مهدي المهندس وقائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني، اللذين قتلا في قصف أمريكي مطلع العام الماضي، قرب مطار بغداد.

في هذه المرة أيضاً، كما في المرة السابقة، قامت قيادات من الحشد الشعبي بتهديد قيادات عليا في الجيش العراقي، ونشرت صور وعناوين سكن من شارك في إلقاء القبض على المعتقل

تداعيات الحادث 

وعلقت وسائل إعلام على ماحدث بالقول إن "الدولة العراقية لا تستطيع ضمن شبكة السيطرة الإيرانية العسكرية والأمنية والسياسية المعقدة، أن تتحقّق كسلطة قادرة على ضبط النظام والقانون وامتلاك شرعيّة حقيقية"، وأنها "غير قادرة على تحريك الجيش وقوات الأمن ضد أشكال العصيان والتمرّد، على شاكلة ما حصل في قضية "مصلح"، فأجهزة الدولة العراقية نفسها هي مجال تنازع مرجعيّات تشكّل إيران أحد عناصرها الفاعلة، التي تراقب وتمنع تشكّل قوة وطنية عراقية فعليّة قادرة على الحفاظ على سيادة البلاد وتطبيق القانون والنظام".

وقال الكاتب سعد ناجي جواد إن الكاظمي "تعرّض إلى تحد جديد آخر من قِبل فصائل الحشد الشعبي التابعة قانوناً إلى قيادته، مضيفاً أنه "في هذه المرة أيضاً، كما في المرة السابقة، قامت قيادات من الحشد الشعبي بتهديد قيادات عليا في الجيش العراقي، ونشرت صور وعناوين سكن من شارك في إلقاء القبض على المعتقل، وعندما لم تجد هذه القيادات الدعم الذي تحتاجه لمواجهة تهديدات فصائل الحشد، والتي وصلت إلى حد مهاجمة مساكنها الخاصة وعوائلها، اضطرت إلى الاختباء في أماكن سرية وآمنة".

وخلص الكاتب إلى القول "لا أدري كيف يريد السيد الكاظمي من القوات المسلحة العراقية الرسمية، أن تتجاوب معه وتطبّق أوامره بعد الآن، وهي تجد نفسها تتعرض في كل أزمة للتهميش".

menu-circlecross-circle