في الدول التي تتبع أنظمة ديموقراطية، وتعتمد الإنتخابات وسيلة لوصول نواب ينتخبهم الشعب ليشرعوا قوانينه ويراقبوا أداء الحكومة في تتطبيق هذه القوانين، يمكن لأي شخصية أن ترشح نفسها بصفة مستقلة، لكن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يكون المرشح عضواً في حزب لم تتم إجازته بشكل رسمي من قبل الدولة، بل أن من المستحيل أن يتشكل حزب، ويعمل بشكل علني وينشئ مقراته دون موافقة رسمية، إلا اذا كان حزباً معارضاً ويعمل بشكل سري، أما بقية الأحزاب سواء كانت مشتركة بالسلطة أم لا، فيجب إجازتها من قبل الدولة.
وفي بعض البلدان يمنح مجلس النواب إجازة تأسيس الحزب، في حين تناط هذه المهمة بوزارة الداخلية في بلدان أخرى. وتختلف شروط منح الإجازة من بلد لآخر تبعاً لقوانينه، لكنها في الغالب تشترط على الحزب أن يقدم ما يثبت أنه غير مرتبط بجهة أجنبية ولا يحصل على أموال ودعم من الخارج، وأن لا يقل عدد أعضائه عن نسبة معينة من السكان يحددها القانون، وأن لا تكون له توجهات عنصرية أو طائفية، أو أهداف ترمي لهدم أسس المجتمع، وأن لا يستخدم العنف لتحقيق أهدافه. وتمتلك السلطات حق حظر الحزب الذي تثبت مخالفته لشرط أو أكثر من الشروط المنصوص عليها في القانون، وهكذا يستمد الحزب السياسي مشروعية العمل، ودعوة الجمهور لتبني أفكاره.
وفي ظل هذه الحقائق هل تمتلك الأحزاب القائمة في العراق، والتي تقوده منذ احتلاله وحتى اليوم هذه الشرعية، ومن منحها إجازة لتمارس أعمالها، وقبل هذا وذاك: هل هناك قانون للأحزاب مُقر ومعمول به كما في بقية بلدان العالم؟
لا يجوز تأسيس الحزب أو التنظيم السياسي على أساس العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التعصب الطائفي أو العرقي أو القومي
قانون الأحزاب العراقية
بحسب متابعين للشأن العراقي، فإن جميع الأحزاب العاملة فيه تشترك بتورطها، إما بتمويل خارجي، أو بأفكار لا تتلاءم مع طبيعة وبناء المجتمع، أو بكونها تنظيمات مسلحة، أو بأكثر من واحد من هذه المشتركات.
وشاركت المئات من هذه الأحزاب والتيارات والحركات، وحتى الميليشيات المسلحة، وغيرها من المسميات في الإنتخابات التشريعية التي أجريت في الأعوام 2005 و2010 و2014 دون أن يكون هناك قانون للأحزاب يحدد الأطر الوطنية التي يجب على هذه الأحزاب الإلتزام بها. وفي 27آب/أغسطس 2015 شرع قانون الأحزاب العراقية، لكن بنوده لم تطبق، كما لم ينشر في الجريدة الرسمية، في محاولة من الأحزاب الحاكمة لتلافي الجدل الذي لابد أن ينشأ بسبب عدم تطبيقه، أو بسبب النواقص التي يحتوي عليها. وتنص المادة الخامسة من القانون الذي يضم 61 مادة، على أن "يؤسس الحزب أو التنظيم السياسي على أساس المواطنة، وبما لا يتعارض مع أحكام الدستور، ولا يجوز تأسيس الحزب أو التنظيم السياسي على أساس العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التعصب الطائفي أو العرقي أو القومي"، وهي من أكثر المواد التي أحرجت الأحزاب السياسية، ودفعتها للإلتفاف على القانون. وبحسب الكاتب والصحفي "أحمد صبري،" فإن "أغلب الكتل والأحزاب السياسية في العراق منذ احتلاله عام 2003 وحتى الآن هي أحزاب تابعة للمكونات العرقية أو القومية." ويعتبر صبري هذه المادة ضرورية "للحدِّ من التمييز والعنصرية في العراق في حال طبقت بالشكل السليم، لكن هذه المادة تفتقر إلى تعريف العنصرية أو الطائفة والجهة المسؤولة عن وصف الحزب وتحديد هويته."
أحزاب أم ميليشيات؟
ولا يرتبط عمل الحزب بالإنتخابات فقط، حيث يفترض أن تكون لديه أهداف إصلاحية قابلة للتحقيق، لكن الأحزاب العراقية تنتظر الإنتخابات لتتقدم بطلب المشاركة فيها، وكأن عملها مرتبط بالإنتخابات فقط. وتتولى مهمة إجازة المشاركة بالإنتخابات دائرة الأحزاب والتنظيمات السياسية في المفوضية، التي وافقت على أكثر من 300 حزب منها لخوض الإنتخابات. وتأسست هذه الدائرة وفق المادة الثانية من قانون الأحزاب، التي يرى صبري إنها تمثل أبرز نقاط الضعف فيه، حيث أن مجلس مفوضية الانتخابات "يخضع بدوره لهيمنة الكتل السياسية الفائزة في الإنتخابات فقط، وكان من الأفضل ربطها بسلطة قضائية مستقلة أو وزارة العدل، أو كما هو معمول به في أغلب دول المنطقة بوزارة الداخلية على أقل تقدير"، مضيفاً إن "أبرز المشكلات والأهم هو عدم تحقيق الهدف الأكبر من القانون، وهو الكشف عن تمويل الأحزاب وتحييد المال السياسي، إذ يبقى تصنيف الأحزاب على أنها تابعة لمكون اجتماعي أو عنصرية أو حظرها رهناً بأهواء القائمين على تطبيق القانون".
ويشترط القانون أن لا يقل عدد أعضاء الحزب عن 2000 عضو، ومع أن هذا العدد لا يتناسب مع عدد السكان، فقد منحت دائرة الأحزاب والتنظيمات السياسية التابعة لمفوضية الإنتخابات، إجازة تأسيس ل 25 حزباً لا تضم أعضاءً أو هيئات قيادية، وليس لها مقرات، واعتبرتها الدائرة "أحزاباً شخصية" يقتصر تمثيلها على مؤسس الحزب فقط.
أما المادة الثامنة من القانون فتنص على "أن لا يكون تأسيس الحزب وعمله متخذاً شكل التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية، كما لا يجوز الإرتباط بأي قوة مسلحة". وبحسب مراقبين فإن هذه المادة تتعارض جملة وتفصيلاً، سواء مع تكوين الأحزاب التي لديها أذرع مسلحة، أو مع الميليشيات التي دخلت البرلمان فعلياً بصفتها العسكرية كتنظيمات مسلحة.
الأحزاب قبل الإحتلال
وتشكلت الغالبية العظمى من الأحزاب العراقية على أسس طائفية بعد الإحتلال، فيما تشكل عدد منها قبل الإحتلال في الخارج وخاصة في إيران، التي استغلتها أثناء الحرب مع العراق في إثارة النعرات الطائفية، وفي تنفيذ أعمال إجرامية ضد المدنيين، للتأثير على الوضع الأمني الداخلي، واستمرت على نهجها حتى بعد الإحتلال واستلامها زمام السلطة، من خلال ميليشياتها التي تعبث بأمن العديد من المناطق لتنفيذ أجندات إيران، البلد الذي تشكلت برعايته. وبحسب الكاتب محمود القيسي فإن "من أسوأ المصائب وأشدها بؤساً، إرتباط معظم الأحزاب العراقية بأجندات خارجية تابعة لدول الجوار إرتباطاً تاريخياً وتمويلياً يقيد حركة الحزب ويتحكم في قراراته حتى ولو على حساب الوطن، لا بل حتى الأحزاب الجديدة والصغيرة بدأت بذات التوجه العام، وانساقت خلف دول خارجية للحصول على الدعم والمال." ويرى القيسي أن "الأحزاب السياسية تلجأ إلى أحضان الدول التي ارتبطت بها من أجل المشورة وإيجاد حلول لا يمكن تطبيقها على المجتمع والبيئة العراقية."