شهد الإقتصاد العراقي حالة شلل تام منذ الشهور الأولى للإحتلال، أدى إلى تدهور متسارع للأوضاع المعيشية للمواطن العراقي. وكان هذا الإقتصاد يعاني من مشاكل جدية قبل الإحتلال، بسبب الحصار الإقتصادي الذي استمر قرابة ثلاث عشرة سنة، لكن نظام البطاقة التموينية والبطاقة الدوائية كانا يمثلان حماية محدودة بشكل ما، من الجوع والمرض. ولم تستطع حكومات النظام الجديد أن تجد حلولاً مقبولة لحماية المواطن من الفقر، رغم رفع الحصار عن البلاد، وحصولها على مداخيل كبيرة من عائدات النفط، الذي كان يقايضه سابقاً بالمواد الغذائية، وفق قرارات النفط مقابل الغذاء، المفروضة عليه. وخلال أكثر من 18 عاماً من عمر الإحتلال، سنت الحكومات المتعاقبة قرارات وإتخذت عدداً من الإجراءات التي فاقمت الوضع الإقتصادي وضيقت سبل العيش على المواطنين، بدل أن تنهض بواقعهم الإقتصادي، ومنها رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار، الذي أدى لارتفاع كبير بالأسعار لا يتناسب مع دخل الطبقة المتوسطة، ناهيك عن الطبقة الفقيرة، إضافة لتذبذب تجهيز المواد التموينية المدعومة من قبل الدولة، والتي تقلصت مفرداتها كثيراً وتردت نوعياتها عما كانت عليه في سنوات الحصار الإقتصادي.
سارعت الحكومة بإلقاء مسؤولية ارتفاع الأسعار، التي بلغ بعضها ثلاثة أضعاف سعره الحقيقي على عاتق التجار، الذين وصفهم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بأصحاب النفوس الضعيفة.
حرب غير معلنة
ومنذ تنفيذ قرار البنك المركزي رفع سعر بيع الدولار للبنوك وشركات الصيرفة في كانون الأول/ديسمبر الماضي، إرتفعت أسعار السلع والمواد المستوردة وخاصة الغذائية منها، ثم انسحب هذا الارتفاع على المنتج المحلي، الذي يعاني أصلاً من مشكلات كثيرة. ويشكو المزارعون المحليون من "حرب غير معلنة" حسب وصف أحد هؤلاء المزارعين من محافظة ديالى، ألذي لخص معاناتهم ب "تقليص الحصص المائية القادمة من إيران، وحرائق مزارع القمح، وتسميم الأسماك،" وهي ظواهر موسمية تحدث منذ سنوات دون حلول، مستهدفة المنتج المحلي بشكل متعمد بحسب هذا المزارع، الذي أضاف القول "قد أضطر لترك مهنة آبائي وأجدادي. الزراعة لم تعد تجدي نفعاً، لا يوجد دعم حكومي لأسعار البذور والمبيدات وغيرها من المستلزمات الزراعية التي يحتاجها الفلاح، والآن ارتفعت تكاليف هذه المستلزمات المستوردة، بسبب رفع سعر صرف الدولار."
وظهرت آثار قرار البنك المركزي بعد ما يقرب من سنة على صدوره، حيث انخفضت القدرة الشرائية للمواطنين بشكل كبير. وتضرر نتيجة هذا القرار المستهلكون وصغار التجار، ويقول "علي محمد"، الذي يمتلك متجراً صغيراً في بغداد، إن "أسعار السلع الغذائية بدأت في الإرتفاع تدريجاً منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي، وشهدت في الشهرين الماضيين ارتفاعاً كبيراً"، مضيفاً أن "المواطن لايستطيع التكيف مع الإرتفاع الكبير للأسعاربسبب محدودية موارده، وهذا الوضع يضر البائع والمشتري بنفس الوقت".
غياب القرار الحكومي
وتلجأ الدول التي تمر بمثل هذه الأزمات إلى إجراءات فورية تجنب شعوبها الإنزلاق إلى كوارث إنسانية، وفي هذا الصدد يرى الخبير الإقتصادي "صفوان قصي" أن التصدي لمثل هذه الأزمة، يحتاج لقرار حكومي عاجل". وأكد قصي في حديث صحفي إن "السوق يشهد ارتفاعاً في أسعار معظم السلع الإستهلاكية لعدة أسباب، منها أسباب خارجية ترتبط بارتفاع واضح في أسعار معظم السلع دولياً، وبنسبة تقترب من (20 %)، لتأثر خارطة الإنتاج العالمي بجائحة كورونا، ومحلياً بسبب عدم الإستقرار السياسي، وتخفيض قيمة الدينار العراقي، وعدم قدرة الإنتاج المحلي على تعويض النقص الحاصل في الإستيراد، وارتفاع تكاليف النقل للبضائع المستوردة". وأضاف قصي "إن مثل هذه القرارات ترتبط بتتبع الأسعار واستثمار الوفرة المالية الحاصلة بفعل ارتفاع أسعار النفط، وإضافة سلع غذائية لمفردات البطاقة التموينية، وشمول الأفران المرخصة والمولدات الأهلية بحصة مجانية من الوقود."
وتناقصت مفردات الحصة التموينية تدريجياً حتى وصلت إلى أربع مفردات فقط، توزع خلال 6 إلى 8 أشهر في السنة بدلاً من 12 شهراً.
واقترح الخبير الإقتصادي عدداً من الإجراءات العاجلة، التي يرى أنها يمكن أن تسهم في كسر الأسعار، مثل "تفعيل دور دائرة الجرائم الإقتصادية في مراقبة عملية الإستيراد، وعدم ابتزاز المستوردين من قبل مافيات الفساد، ودعم قدرات المنتج المحلي الزراعي والصناعي بالإعفاءات المباشرة أو غير المباشرة، ومنح التسهيلات المالية لتوسيع قاعدة الانتاج".
تبادل الإتهامات
وسارعت الحكومة بإلقاء مسؤولية ارتفاع الأسعار، التي بلغ بعضها ثلاثة أضعاف سعره الحقيقي على عاتق التجار، الذين وصفهم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في كلمة سابقة له في مجلس الوزراء ب"أصحاب النفوس الضعيفة". لكن عضو غرفة تجارة بغداد علي الغالبي قال إن سبب موجة غلاء السلع وخاصة الغذائية منها هي الحكومة، مؤكداً أن رفع سعر صرف الدولار أثر بشكل سلبي على الأسعار. وأضاف الغالبي إن "النسبة الكبرى من المواد الغذائية تستورد من الخارج بالدولار، ومن المنطقي أن تشهد صعوداً بالأسعار مع ارتفاع صرف الدولار"، مبيناً أن "أسعار المواد الرئيسية كزيت الطعام والرز والسكر والطحين، سجلت ارتفاعاً ملحوظاً أرهق المواطنين."
وكان الهدف المعلن من رفع صرف العملة الأجنبية هو "دعم الصناعة المحلية، ووقف تهريب الدولار إلى خارج البلاد من خلال مزاد بيع العملة، وكذلك تغطية نفقات رواتب الموظفين" بحسب الخبير الاقتصادي "إيفان شاكر"، لكنه أكد أنه وبعد ما يقرب من سنة على قرار البنك المركزي، فإن "غالبية الأهداف التي حددتها الحكومة من خلال خفض قيمة الدينار العراقي خلال هذه الفترة لم تستطع تحقيقها، وفشلت في دعم وتطوير الصناعة المحلية، وأيضاً خلال هذه الفترة، قفزت معدلات التضخم بأرقام قياسية، مما أثر سلباً على المواطنين"، وأضاف شاكر إن "الحكومة فشلت في وقف تهريب العملة الصعبة (الدولار)، وأن قرارها خفض قيمة الدينار، كان بطريقة عشوائية من دون مراعاة القدرة الشرائية للمواطنين، وحتى من دون مراعاة الإقتصاد العراقي الكلي، وهو قرار بعيد كل البعد عن الفكر الإقتصادي الحديث".