لا يعول كثير من الباحثين في الشأن العراقي على تصريحات النواب الذين تصدوا لمسألة تجاوز حكومة الكاظمي لصلاحياتها ومطالبتهم بمحاسبتها، حيث تعكس تصريحاتهم توجهات كتلهم وأحزابهم، وهي في الغالب تنطلق من مصالح حزبية، وإن كان بعضها يتبنى في ظاهره تطلعات الشارع العراقي. وبحسب هؤلاء الباحثين فإن كثيراً من مطالبات النواب في الدورات الماضية بمحاسبة المسؤولين السابقين وتلويحهم بكشف ملفاتهم، ذهبت أدراج الرياح بعد تسويات أجريت في غرف مغلقة.
ومؤخراً ارتفعت أصوات نواب في "الإطار التنسيقي" مطالبة بمحاسبة حكومة الكاظمي لتجاوزها صلاحياتها، بعد أن أصبحت حكومة تصريف أعمال لا يحق لها إبرام عقود واتفاقيات خارج هذه الصلاحية. ولاحظ هؤلاء الباحثون أن النواب لم يتطرقوا للاتفاقيات التي أبرمت مع الجانب الإيراني، ولا إلى التعيينات في الدرجات الخاصة التي حظي بها أعضاء في الإطار، رغم أنها هي الأخرى خارج صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، مما يكشف حقيقة الطابع الحزبي الضيق لهذه المطالبات. لكن تقارير صحفية أوردت العديد من الانفاقات الأخرى وصفتها ب"الخطيرة"، أبرمتها حكومة الكاظمي خارج صلاحياتها، بعد حل البرلمان بتاريخ 07 تشرين الأول/أكتوبر 2021 ، تمهيداً للانتخابات المبكرة، التي أجريت بعد ذلك بثلاثة أيام.
يرى الخبراء الاقتصاديون أنه من أخطر المشاريع على الاقتصاد العراقي، وأنه سيخنق ميناء الفاو الكبير بشكل تام
أنبوب العقبة
وكان النائب علي الجمالي قد ذكر أن هناك توجهاً نيابياً للطعن بما أبرمته حكومة الكاظمي من اتفاقيات وعقود، لكونها لا تمتلك صلاحية إبرامها. وقال الجمالي إن "أولى خطوات الرقابة البرلمانية هو التحرك للطعن بالعقود والاتفاقيات التي أبرمتها حكومة الكاظمي المنتهية ولايتها خلال فترة تصريف الاعمال"، مضيفاً أن "اتخاذ القرارات وإبرام العقود في ظل غياب البرلمان ليس له شرعية قانونية ودستورية."
وكان النائب علي عبد الستار قد سبق الجمالي في الإشارة لهذا الموضوع، مؤكداً أن على حكومة الكاظمي أن تجيب على أسئلة تتعلق باتفاقية أنبوب العقبة.
وبحسب موقع قناة المملكة الأردنية الهاشمية، فإن مجلس الوزراء العراقي وافق على الاتفاقية الإطارية، الخاصة بمشروع مد أنبوب نقل النفط الخام من البصرة إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، كمنفذ جديد لصادرات النفط العراقي.
النائب رفيق هاشم تطرق هو الآخر لأنبوب العقبة، معتبراً أن مصادقة حكومة تصريف الأعمال على مثل هذه الاتفاقية بعد حل مجلس النواب "مخالفة ستحاسب عليها". وأضاف هاشم أن مجلس النواب القادم "سيحاسب جميع الأطراف المتورطة بأنبوب العقبة، لأنه مشروع يخدم المصالح الخارجية ولا توجد به مردودات مالية" حسب تعبيره. ولم يتطرق أي من النواب الثلاثة التابعين للإطار التنسيقي، لقرارات صدرت بتعيين مسؤولين في درجات خاصة من الإطار التنسيقي، وهي أيضاً خارج صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، ولم يتطرقوا لاتفاقية الربط السككي مع إيران، الذي يرى الخبراء الاقتصاديون أنه من أخطر المشاريع على الاقتصاد العراقي، وأنه سيخنق ميناء الفاو الكبير بشكل تام، والتي حاولت أطراف حكومية التملص من مسؤوليتها فيه، معتبرين أنها كانت مجرد "مذكرة تفاهم" وليست اتفاقية، خلافاً لما صرح به المسؤولون الإيرانيون.
تصريف الأعمال والفراغ الدستوري
وتعرف القواميس السياسية حكومة تصريف أو تسيير الأعمال بأنها "حكومة مؤقتة ناقصة الصلاحية لأغراض تصريف الأمور في بعض الأوقات، قد تكون مرحلة انتقالية أو انتخابات أو ظرف طارئ مثل عدم تأسيس حكومة جديدة أو تأخرها، ولا يحق لهذه الحكومة البت بالأمور المهمة والمصيرية". ووفقاً لهذا التعريف اعتبرت حكومة الكاظمي حكومة تصريف أعمال اعتباراً من تاريخ حل البرلمان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وبحسب الخبير القانوني علي التميمي، فإن هذه الحكومة لا يحق لها "أن تقترح تعديل الدستور أو تشريع القوانين، ولا عقد الاتفاقيات أو الدخول فيها، ولا حتى العقود مع الدول أو التعيين للدرجات الخاصة." ولا يختلف الدستور العراقي عن كثير من دساتير العالم في تحديد هذه المدة، حيث ذكرت المادتان الحادية والستون والرابعة والستون أنها ثلاثون يوماً، ولا يجب أن تكون أطول من ذلك "إلا في حدود المصلحة الوطنية" بحسب التميمي، الذي نوه بأنه في غياب سلطة البرلمان الرقابية تصبح "الرقابة على حكومة تصريف الأعمال اليومية من مهام القضاء الإداري، حيث يمكن الطعن بقراراتها أمامه"، وهذا يعني أن "حكومة تصريف الأعمال، قد تُساءل إذا تجاوزت حدود عملها من القضاء أو البرلمان القادم، وفق المواد 329 و240 من قانون العقوبات". ويرى المتخصص بالشأن السياسي صالح لفته، أنه "لا يوجد فراغ دستوري إذا تم التزام التوقيتات والمواعيد التي نص عليها الدستور بشكل واضح، بعد إجراء الانتخابات البرلمانية وإعلان النتائج"، مضيفاً أنه وبحسب التجارب السابقة ،"جرت ممارسات خاطئة كثيرة وخرق للدستور وتجاوز المدة القانونية، ولم يُحاسب من عطّل القوانين من السياسيين، ولم يحسب حساب لرأي المواطن، لأنه ببساطة غالبية الكتل السياسية والأحزاب لا تحترم القانون ولا يوجد من يحاسبها، وتشعر أنها فوق الدستور وأقوى من الدولة،" ويرى صالح أن هذا هو السبب في "تكرار الفراغ الدستوري والتأخير في كل دورة انتخابية حتى تعوّد الناس على ذلك، وتأخير انعقاد البرلمان وتعطيل تشكيل الحكومة وعدم سن القوانين التي ينتظرها ملايين الناس".
مخالفات قانونية
وبين تعريفي تصريف الأعمال والفراغ الدستوري، ارتكبت حكومة الكاظمي سلسلة من المخالفات القانونية، تمثلت بإبرام اتفاقات وتوقيع عقود مع دول وشركات أجنبية، وأصدرت قرارات تعيين في الدرجات الخاصة، وهي بذلك تكون قد خالفت الدستور والقانون بتصرفها كحكومة دائمية رغم أنها مجرد حكومة تصريف أعمال، بحسب ما صرح به النائب السابق عباس يابر.
وبالإضافة لاتفاقية الربط السككي مع إيران، وجهت الأمانة العامة لمجلس الوزراء الجهات المختصة، بالقيام بإجراءات فصل البيئة عن وزارة الصحة، كما صدر قرار بتكليف ستار الجابري، النائب السابق عن تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، بمنصب وكيل وزير التجارة، وتخويل وزير المالية صلاحية إجراء المناقلة بين اعتمادات الموازنة العامة الاتحادية لتأمين مبلغ مليار دينار إلى مديريات الماء في المحافظات، وغيرها من الإجراءات التي يرى الخبراء القانونيون أنها خارج صلاحيات حكومة تصريف الأعمال.