25 سنة على آخر تعداد سكاني في العراق.. لماذا تصر حكومات الاحتلال على تأجيله؟

hozaya
19 شباط، 2022

تعرف المراكز المتخصصة التعداد العام للسكان بأنه "العملية الإحصائية الرئيسية في المجال السكاني والمصدر الأول لإنتاج المعطيات الدقيقة والمفصلة حول السكان والمساكن وظروف عيش الأسر، ويوفر القاعدة الأساسية لإنجاز المسوحات الأسرية المبرمجة للعشرية القادمة. ويعتبرالتعداد أضخم عملية إحصائية تقوم بها الدولة ".

 وتتمثل أهمية التعداد السكاني بفوائد عديدة، منها حساب الكثافة السكانيّة من أجل الحصول على معلومات مفصّلة متعلّقة بالسكان، كما تمكّن من إعداد البيانات الاقتصادية والاجتماعية على ضوء التغيرات الهيكلية الواسعة في بناء الإقتصاد والمجتمع لتسجيلها بصورة صحيحة، والركون إليها في خطط التنمية للسنوات القادمة ، لذلك فقد أوصت الأمم المتحدة بإجراء التعداد في مختلف البلدان كل 10 سنوات. وفي العراق أجري آخر تعداد للسكان عام 1997، لكن هذا الإحصاء لا يمكن اعتماده لأنه لم يشمل المحافظات الشمالية بسبب الظروف السياسسية والأمنية التي كانت سائدة آنذاك، لذلك اعتمدت حكومات ما بعد 2003 على تعداد عام 1987 الذي مر عليه 35 سنة، مما يجعلها مضطرة في بعض الأحيان لاعتماد تقديرات صادرة من جهات غير رسمية. وقد أعلنت وزارة التخطيط أن عدد نفوس العراق عام 2020 بلغ 40 مليوناً، 50.5% منهم من الذكور و 49.5 من الإناث، ويرى المتخصصون في هذا المجال أن هذه الأرقام لا يمكن اعتمادها لسبب بسيط، وهو أنها غير دقيقة. 

لا تستطيع أم لا تريد؟

وواجهت كل الحكومات السابقة سؤالاً محدداً حول سبب عدم إجراء تعداد سكاني طيلة عقدين من الزمن رغم الحاجة الملحة لبياناته، وما إذا كانت لا تريد إجراءه أم لا تستطيع، ولمْ يُجب أي مسؤول حكومي بأن حكومته لا تريد إجراءه، لكنهم كانوا يتذرعون دائماً بشحة الموارد المالية اللازمة لإجرائه، رغم الموارد الهائلة التي حظيت بها تلك الحكومات. وصرح مسؤولون في وزارة التخطيط بأن إجراء التعداد يحتاج لشراء "أجهزة تستخدم للتعداد وبناء مراكز بيانات وتدريب العدادين وتوفير الخرائط، فضلاً عن إجراء تعداد تجريبي وعمليات الترقيم والحصر التي تسبق التعداد، إلا أن كل ذلك غير ممكن ما لم تتوفر مخصصات مالية تسدّ الحاجة،" ولاحقاً أضيف عامل آخر هو "العامل الصحي" المتمثل بانتشار جائحة كورونا، مما يعني أن التعداد لن يجرى إلا بانقشاع هذه الجائحة، وتوفر الموارد المالية اللازمة لإجرائه. لكن باحثين رجحوا أن سبب عدم إجراء التعداد هو محاولات الكتل السياسية فرض واقع ديموغرافي وقومي مختلف قبل إجراء التعداد، مما أفرز خلافات بين هذه الكتل أدت إلى التأجيل مرة بعد أخرى. وقد عرف قانون أصدره مجلس النواب عام 2008 التعداد العام للسكان بأنه "جميع الأرقام والبيانات المتعلقة بالنواحي الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والصحية للسكان، وتشمل بيانات التعليم ومستوى المعيشة والقومية والدين والسكن وبيانات أخرى،" ووجد هؤلاء الباحثون في فقرة القومية والدين والمذهب، والعشيرة التي تصر بعض الكتل السياسية على تضمينها في استمارة التعداد، السبب الحقيقي وراء التأجيل.

ضبط 1360 معاملة قيود مدنية مزورة من بين 4333 قيداً مزوراً، منحت بموجبه الجنسية العراقية لأجانب في دائرة البطاقة الوطنيَّة في محافظة ديالى القريب من الحدود إيران.

العامل الطائفي والعامل القومي 

ففيما يتعلق بالجانب الطائفي لجأت الأذرع المسلحة لهذه الكتل، إلى فرض واقع ديموغرافي جديد من خلال حملات التهجير، خاصة في المناطق التي شهدت نزاعات مسلحة مع تنظيم الدولة "داعش" وكذلك من مناطق حزام بغداد، فيما مُنحت الجنسية العراقية لأعداد كبيرة من غير العراقيين لتعزيز هذا الواقع ليتماشى مع أهوائها، وقد أعلنت هيئة النزاهة أنها ضبطت 1360 معاملة قيود مدنية مزورة من بين 4333 قيداً مزوراً، منحت بموجبه الجنسية العراقية لأجانب في دائرة البطاقة الوطنيَّة في محافظة ديالى القريب من الحدود إيران. ولم يذكر البيان الجنسية السابقة لهؤلاء، لكن موظفاً في الهيئة أكد إن "الغالبية العظمى منهم يحملون الجنسية الإيرانية".

أما فيما يتعلق بالعامل القومي، فإن حكومة الإقليم لم تتخلف عن هذا النهج في تجنيس أعداد كبيرة من أكراد الدول المجاورة لنفس الغرض. وذكرت مصادر صحفية أن جهات أمنية وبرلمانية حاولت جمع الوثائق والمعلومات لإحصاء العدد الحقيقي للأكراد غير العراقيين الذين حصلوا على الجنسية العراقية من حكومة الإقليم دون علم وموافقة حكومة بغداد.

وتحاول الأحزاب الكردية الحاكمة في الإقليم من خلال هذه العملية، فرض واقع ديموغرافي في المناطق المتنازع عليها، بموجب الفقرة 140 التي أثارها الدستور العراقي، قبل إجراء أي تعداد للسكان، خاصة في محافظة كركوك الغنية بالنفط، والتي تصر حكومة الإقليم على ضمها إليها من ناحية، ومن ناحية أخرى تحقيق مكاسب انتخابية بزيادة عدد المصوتين لها من قبل هؤلاء المجنسين.

إستنزاف موارد البلد 

ويؤكد العديد من المهتمين بالشأن العراقي وجود "ولاءات سياسية وطائفية"، وتحشيد مذهبي في بعض المناطق تمنع إجراء التعداد ، فبحسب الصحفي محمد البغدادي، فإن هذه الولاءات ستؤدي إلى "انهيار البنية المجتمعية العراقية التي ترغب في الوحدة والإنسجام وهدم الحدود السياسية، والإنفتاح على وطن يمثَّل فيه الجميع " مضيفاً في حديث صحفي أن هناك "قوى سياسية عراقية تصر على عدم إجراء التعداد خوفاً على مصالحها وحصصها في البرلمان، وعلى توزيع الحقائب الوزارية والوزارات السيادية،" وأن هناك "مخاوف لدى قوى أخرى من أن يسهم التعداد في ما يسمى ب"أقلمة المناطق" على أساس مذهبي وعرقي".

من ناحيتها ترى الباحثة الإقتصادية عُلا التميمي، أن تأجيل إجراء التعداد العام يقوض التنمية، ويستنزف إيرادات الدولة، لأنها "توجه على أُسس افتراضية أو عينيّة وليست بأرقام إحصائية تتصف بالدقة،" مضيفة أن الدولة العراقية  تبني أُسسها التنموية على مقاييس بعيدة عن الواقعية، وأقرب إلى التخمينية، بما في ذلك النظام اللا مركزي الذي رسمه الدستور"، مضيفة أن بيانات التعداد توفر أدوات علمية لرسم إستراتيجيات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد تساهم في استقرار البلد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وتؤكد التميمي على إعطاء التعداد "أولوية لا غنى عنها إذا أردنا تحقيق الأمن والخدمات والتنمية البشرية والاقتصادية."

menu-circlecross-circle