ألقت الحرب الروسية الأوكرانية بظلالها على العديد من دول العالم، حيث شهدت أسعار السلع الغذائية إرتفاعاً كبيراً، متجاوزاً 20% عن العام الماضي، وزيادة بنسبة 4% عما كانت عليه بداية العام، مع تباين واضح بين دول العالم في نسب الزيادة. واختلف تأثير هذه الزيادة مثلما اختلفت المعالجات من بلد لآخر، فالدول التي ترتفع فيها مستويات الفقر وتقل فيها الموارد المالية تأثرت بشكل أكبر من تلك التي تمتلك موارد كبيرة وحكومات تدير أزماتها بشكل صحيح. وفي العراق تواصل نسب التضخم الإرتفاع منذ بداية العام، متأثرة بزيادة أسعار السلع الغذائية، التي تصنفها وزارة التخطيط كعناصر مؤثرة في قياس سعر المستهلك، وهو المعيار الذي يقيس به الجهاز المركزي للإحصاء نسب التضخم. وأكدت مصادر في الوزارة، إن التضخم يتأثر بالمواد الغذائية، بنسب تتراوح ما بين 33 الى 35%، أي ما يعادل الثلث.
وأما المعالجات فلم تكن صائبة قبل الحرب، وفق متخصصين في الشأن الإقتصادي، لتفاقم الحرب أزمة موجودة أصلاً في العراق، فتأثرت في البداية أسعار القمح والزيوت النباتية، لتشمل لاحقاً بقية المواد الغذائية الأساسية. ويمثل القمح الروسي 20% والأوكراني 10% من الإنتاج العالمي، ورغم أن العراق لا يستورد القمح من البلدين المتحاربين، لكنه تأثر بارتفاع الأسعار بسبب رفعها من قبل الدول المصدرة لهذا المحصول. ويستورد العراق معظم احتياجاته من القمح من استراليا وكندا والولايات المتحدة، فيما يستورد من دول الجوار بقية السلع الغذائية.
ضغط النفقات
وتنفق الأسرة العراقية ذات الدخل المتوسط حوالي 37% من دخلها على الغذاء، وفق موقع "expatistan" العالمي المعني بتصنيف دول العالم، وتسببت الزيادة بأسعار المواد الغذائية بضغط نفقات الأسرة التي خصصتها للجوانب الأخرى. وعلق الخبير الإقتصادي "محمد الحسني" على ذلك بالقول، إن "ما تنفقه الأسر الفقيرة في العراق على الغذاء سيتجاوز 40% من الدخل الذي تحصل عليه، وبالتالي ستكون العواقب المالية لهؤلاء المستهلكين كبيرة"، مضيفاً أن "هذه الطبقة سيكون لها مساحة أقل لتحويل الدخل من النفقات الأخرى، خاصة أن معظم هؤلاء من الطبقة الفقيرة وتسكن بالإيجار، إضافة إلى ما يدفعونه من أموال للحصول على الطاقة وغيرها من النفقات الضرورية الأخرى".
وأشار الحسني إلى أن "ما أعلنت عنه الحكومة من دعم لهذه الشرائح، لا يكاد يسد 5% من حاجاتها الأساسية، وبالتالي فإن هذه الطبقة التي بدأت تزداد وتتسع في العراق، لن ينتشلها الدعم من واقعها المرير الذي تعيشه".
وكان الإجتماع الطارئ الذي عقده المجلس الوزاري الشهر الماضي لمناقشة أزمة الأسعار، قد شهد اتخاذ عدد من الإجراءات بهذا الخصوص، بحسب بيان لوزارة التجارة. وعلق وزير التجارة "علاء الجبوري" على الإجتماع بقوله، إن "المجلس الوزاري للإقتصاد قرر اتخاذ إجراءات عاجلة لدعم البطاقة التموينية، وزيادة أسعار الحنطة المسوقة من المزارعين للموسم التسويقي المقبل".
ابتعدت الحكومة عن الحل الجذري، وهو خلق قطاع إنتاجي بالداخل، وصناعي وزراعي من أجل تحقيق الأمن الغذائي على المدى البعيد
قرارات ارتجالية
وانتقد عدد من الخبراء الإقتصاديين ألإجراءات الحكومية، لعجزها عن معالجة الأزمة، فقد رأى الخبير الإقتصادي "ضرغام محمد علي"، إن "جميع القرارات التي تم اتخاذها من قبل مجلس الوزراء لمعالجة أزمة الغذاء هي ارتجالية، وتعكس غياب الرؤية وانعدام الحلول الإستراتيجية"، مضيفاً أن "هذه القرارات هي رد فعل قصير الأمد، لا يحل مشكلات انفلات الأسواق وقوة المضاربين بغياب سلطة الدولة وأدواتها،" وأنها "لا تمنح أي ضمانات للأسواق التي ستبقى قنبلة موقوتة، بسبب سذاجة الإجراءات وانعدام العلمية في المعالجات، حيث أن التاجر سيبقى المضارب، وهو القوة المهيمنة في ظل عجز رؤية الدولة وأدواتها".
وأضاف الخبير الاقتصادي أن "من المفترض أن تقوم الدولة بتوفير مواد غذائية بسعر تجاري مدعوم عبر وكلاء التموينية، بشكل متوازٍ مع الحصة التموينية، ويكون الإستيراد بإشراف الوزارة، وبذلك يمكن توفير السلع الأساسية بسعر التكلفة في الأسواق، دون التدخل بشكل مباشر في عمل التجار أو إرهاق الموازنة، وإنما تدخل الدولة كمنافس شريف في توفير السلع، بشكل يتناسب مع السعر العالمي".
وشدد محمد علي على وجوب قيام الدولة أيضاً بـ"توفير دولار رخيص فقط لعقود استيراد المواد الأساسية، وباعتمادات مستندية حقيقية وبإشراف من هيئات رقابية، لضمان عدم تسريب الدولار الرخيص للسوق السوداء".
من جانبه أبدى الخبير الإقتصادي "باسم جميل إنطوان"، استغرابه من "تأخر الحكومة في اتخاذ القرارات ومعالجة الأزمة قبل استفحالها"، مضيفاً إن "في كل أزمة داخلية مستعجلة هناك حلول طويلة الأمد ومتوسطة الأمد وقصيرة الأمد"، وفي هذه الأزمة لجـأت الحكومة "لحلول قصيرة الأمد، وابتعدت عن الحل الجذري، وهو خلق قطاع إنتاجي بالداخل، وصناعي وزراعي من أجل تحقيق الأمن الغذائي على المدى البعيد، وبالتالي ليست هناك جدية بالموضوع، لأن العراق تحول إلى سوق استهلاكي لسلع دول الجوار".
أزمة المنتج المحلي
ووصل عجز الإنتاج الوطني من محصول القمح إلى مليوني طن، بسبب شحة المياه الناجمة عن إقامة السدود وتحويل مجاري الأنهار الواردة من إيران، وانعدام خطط الدعم الحكومي للأسمدة وغيرها من المستلزمات الزراعية.
وبهذا الخصوص انتقد الباحث "منير الأحمد" القرارات الحكومية المتعلقة بأزمة الغذاء لكونها "لا تشجع على الإنتاج المحلي، وتركز اهتمامها على الإستيراد فقط"، مؤكداً في حديث صحفي أن "هناك معامل زيوت حكومية معطلة، وهناك أراض زراعية صالحة للزراعة، من الممكن استغلالها في زراعة الذرة وعباد الشمس والمحاصيل العلفية، ومن ثم الإستغناء عن الإستيراد".
يذكر أن انعدام الإهتمام بالإنتاج المحلي وعدم التعامل مع أزمة المياه مع دول الجوار بشكل جدي، فتح الأبواب أمام المحاصيل المستوردة من دول الجوار، لتطلق رصاصة الرحمة على الآمال المعقودة بإحياء الزراعة في البلاد، والإعتماد عليها بدل تسليم مصير الأمن الغذائي لدول أخرى.