أثار بحث نشرته الخبيرة في شؤون البيئة المهندسة العراقية "سعاد العزاوي"، القلق على مستقبل الحياة في العراق، إذا ما جف نهراه دجلة والفرات بشكل كامل، خاصة مع توقعات "مؤشر الإجهاد المائي"، بإن أرض العراق ستكون بلا أنهار بحلول عام 2040، ولن يصل رافداه إلى مصبهما في الخليج العربي. وتشير تقارير نشرت حول الموضوع، أن عواقب تناقص المياه ستكون واضحة جداً عام 2025 في كل البلاد، وسيتحول نهر دجلة إلى مجرد مجرى مائي محدود، أما الفرات فسيكون شبه جاف.
واستعرضت الباحثة تاريخ السباق الدولي للسيطرة على منابع المياه، وانعكاسها في نهاية الأمر على دول المصب ومنها العراق، مؤكدة أن "العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، قد شهدت استثمارات ضخمة في السدود الكبيرة وخزانات المياه، وارتفع عدد السدود الكبيرة على مستوى العالم من 5000 سد في عام 1950 إلى حوالي 50000 في عام 2017، وتضاعفت المساحات المروية من 140 مليون هكتار إلى 280 مليون هكتار". وترى الخبيرة، "أن تطوير الري العام والطاقة الكهرومائية، والسدود المرتبطة بهما، كان أمراً محورياً في الجغرافيا السياسية للحرب الباردة" مشيرة إلى أن المياه أصبحت في تلك الفترة "أكثر انخراطاً في بناء الأنظمة وهدمها، ودعم وتقويض الشرعية السياسية، وتمكين الفئات الإجتماعية وإضعافها"، واليوم هناك "أكثر من 263 مجرى مائياً دولياً، ينتج حوالي 60٪ من المياه العذبة العالمية، ويعبر أراضي 145 دولة، هي موطن لحوالي 40٪ من سكان العالم".
بلاد مابين النهرين
وبعد أن ارتوى العراقيون من مياههما لآلاف السنين، وسقوا مزروعاتهم، حتى أطلق على بلادهم "أرض السواد" لكثرة بساتينها ومساحاتها الخضراء، صار عليهم اليوم أن يواجهوا العوامل التي ذكرتها الخبيرة، حيث اصبح العراق – شاء أم أبى- جزء من صراع دولي، تحكمه القوة والحضور الدولي. ويرى متخصصون أن العراق، وبسبب انعدام تصور مستقبلي لدى حكامه لما يمكن أن تؤول إليه الأمور، وانعدام خطط مواجهة أزمة المناخ والتصحر ونقص المياه، يواجه اليوم هذه العواقب وجهاً لوجه، حيث ينخفض بوتيرة متصاعدة تدفق المياه إلى أراضيه، ويرجع هذا أيضاً وبدرجة كبيرة إلى التغيرات الحاصلة في منابعهما. وكان برنامج الأمم المتحدة للبيئة قد حذر منذ عام 2018، من أن العراق يفقد حوالي 25000 هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة. وبحسب الخبيرة العزاوي، فإن إنشاء وتشغيل حوالي 100 سد وخزان كبير على دجلة والفرات في دول المنبع في أقل من أربعة عقود، أدى إلى إعاقة تدفق النهرين بشكل كبير، وتسبب في تدهور شديد للأراضي والبيئة، بما في ذلك جفاف الأراضي الرطبة في العراق، مشيرة إلى جفاف حوالي 65٪ من مناطق الأهوار في جنوب العراق، مع استمرار تحول الأراضي الصالحة للزراعة إلى التصحر، وانعكاس ذلك على الجوانب البيئية والإجتماعية الإقتصادية الأخرى ذات الصلة.
سياسة الحكومة الإيرانية المائية تحرم العراقيين من حصتهم المائية في الأنهار الحدودية المشتركة
وسيلة للضغط السياسي
وجاء في البحث أن المياه "لم تعد مرتبطة فقط بالقضايا البيئية وقضايا الأمن الغذائي، ولكنها تلعب أيضاً دوراً مهماً في ترتيبات الأمن الإقليمي، حيث تنظر الدول إلى المياه على أنها وسيلة للضغط السياسي وكمصدر للسلطة." وتطرح الأنهار المشتركة بين دولتين أو أكثر من الدول المشاطئة، مستويات مختلفة من الخلافات حول حصص مياه الأنهار، ولا يمكن تفسير النزاعات حول مياه الأنهار المشتركة دون فهم علاقات القوة وأهمية تحديد مواقع الدول المتنافسة أو المتصارعة في أعلى مجرى النهر وأسفله. وفي المناطق القاحلة وشبه القاحلة مثل الشرق الأوسط، تمثل المياه مصدراً لسلطة الدولة، وتؤثر ندرة المياه بشكل كبير على التنمية والأمن القومي.
وتطرق البحث إلى شط العرب، المتكون من التقاء نهري دجلة والفرات بالقرب من مدينة القرنة، باعتباره مصدراً مهماً آخر للمياه، والمنطقة التي تصب في نهر شط العرب مشتركة بين إيران والعراق. وبالإضافة إلى نهري دجلة والفرات، فإن روافد الكرخة والكارون التي تنبع من مرتفعات زاغروس في إيران، تساهم في رفد قناة شط العرب الرئيسية في العراق. وشهد العقدان الماضيان انخفاضاً تدريجياً في مساهمة أنهار دجلة والفرات وكارون إلى شط العرب، ويرتبط انخفاض معدل التدفق السنوي لشط العرب أيضاً بإنشاء سدود وخزانات كبيرة في دول المنبع على دجلة والفرات، حيث شيدت إيران 37 سداً على الأنهر والروافد القادمة الى الاراضي العراقية، كما شيدت سوريا أيضا ثلاثة سدود كبيرة على الفرات .
الهيمنة الإيرانية على المياه
وفي ورقة بحثية ناقشت سيطرة إيران على الموارد المائية، وردت الإشارة إلى سياسة الحكومة الإيرانية المائية التي تحرم العراقيين من حصتهم المائية في الأنهار الحدودية المشتركة، وتسبب لهم مشاكل بيئية واقتصادية واجتماعية وأمنية تهدد استقرار البلاد وتؤثر على جميع مناحي الحياة فيها.
وجاء في الورقة، أن إيران لا تقيم وزناً للآخرين، ولا تلتزم بالإتفاقيات الثنائية منها والدولية، وأنها غير مستعدة لتقديم تنازلات بخصوص حصة العراق المائية، على الأقل في المدى المنظور، مستغلة بذلك "حالة من الوهن والضعف والانقسام التي تجعل السلطة الحاكمة غير قادرة على إدارة الصراع مع إيران، التي تضخم نفوذها في الداخل العراقي وصارت لاعباً رئيساً في الساحة العراقية، بفضل الكيانات والمليشيات الموالية لها."
وأشارت الورقة إلى أهمية "تدويل موضوع المياه مع إيران واللجوء إلى المحكمة الدولية"، لكنها ترى أن "هذه الخطوة قد تستغرق وقتاً طويلاً، وهو ما لن يتحمله الوضع العراقي المأزوم على جميع المستويات بسبب قلة المياه."