بالإجماع .. البرلمان يمرر قانوناً يبيح زيارة إسرائيل ويخفض عقوبة التخابر معها

لم تتجاوز ردود الفعل الرسمية في العراق على دعوات التطبيع مع الكيان الصهيوني في الداخل العراقي حدود الإستنكار والشجب، حتى عندما بلغت حد عقد مؤتمر لدعاة التطبيع في أربيل في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، ولم يُتخذ أي إجراء رادع ضد المشاركين بالمؤتمر، ومنهم موظفون حكوميون وزعماء عشائر وحزبيون، ولا ضد نواب وشخصيات قامت بالفعل بزيارة الكيان الصهيوني، رغم أن القانون النافذ يجرم مجرد الدعوة للتطبيع. لكن البرلمان العراقي صحا فجأة صباح السادس والعشرين من أيار/مايو المنصرم، ليصوت على قانون ظاهره "حظر التطبيع وإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني"، أما بنوده فتسمح بزيارة الأراضي المحتلة، إذا ما وجدت وزارة الداخلية أن الزيارة كانت "بدوافع دينية".

ومنذ الإحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينة وحتى احتلال العراق، كانت كل الحكومات السابقة تعتبر أن حظر التطبيع مسألة بديهية لا تحتاج للتصويت عليها في مجلس النواب، واعتمدت على مواد دستورية تنص على أن العراق في حالة حرب مفتوحة مع هذا الكيان، وتفرض عقوبة الإعدام ضد المتعاونين أو المتعاملين معه.

ومازال العمل سارياً حتى اليوم بقانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة (1969م)، الذي ينص في المادة (201) منه، على عقوبة الإعدام "لكل من يروج لمبادئ الصهيونية أو ينتسب إلى أي من مؤسساتها أو يساعدها مادياً أو أدبياً أو يعمل بأي كيفية كانت لتحقيق أغراضها."

 

هي نفسها الميليشيات التي قتلت وشردت واعتقلت آلاف الفلسطينيين في العراق بدوافع طائفية، مقدِّمة بذلك خدمة لا تقدر بثمن للكيان الصهيوني البغيض، فضلاً عن قمعها للعراقيين وسلبها لحرياتهم وحقهم في الحياة الآمنة

 

دلالات التوقيت

وأثارت خطوة البرلمان هذه تساؤلات لدى العديد من المنظمات والهيئات الوطنية عن مغزى توقيتها، ففي بيان أصدرته الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين في العراق حول الموضوع قالت الهيئة إن هذا الإعلان "لم يفاجئ كثيراً من العراقيين ولم يعن لهم شيئًا؛ فتوقيت إصدار مثل هذا القانون دالٌ على طبيعته وظروف إصداره وأهدافه". وشخص بيان الهيئة أسباب التصويت على القانون في هذا التوقيت، وقال إن من بينها "إشغال الرأي العام به، والهروب إلى الأمام من أزمة العملية السياسية المستمرة، والتغطية على فشل النظام السياسي المتواصل". وعقب بيان الهيئة بالقول، إن الإعلان "كشف عن سطحية مزعجة في التعامل مع الشأن العراقي، واستبشار لا مبرر له من بعض الجهات والشخصيات العربية والإسلامية، التي وقعت فريسة لخدعة الأحزاب التي جاء بها ودعمها الإحتلال الأمريكي للعراق، ألحليف الأول للكيان الصهيوني".

وفضح البيان سلوك الأحزاب التي صوتت على تشريع القانون، مؤكدة بأنها "هي نفسها الميليشيات التي قتلت وشردت واعتقلت آلاف الفلسطينيين في العراق بدوافع طائفية، مقدِّمة بذلك خدمة لا تقدر بثمن للكيان الصهيوني البغيض، فضلاً عن قمعها للعراقيين وسلبها لحرياتهم وحقهم في الحياة الآمنة، ودعمها لعدد من القوى الإرهابية المتسلطة على رقاب أبناء عدد من الدول العربية ولا سيما في سوريا، ولبنان، واليمن، والمتدخلة بقوة في شؤون عدد من دول الخليج برعاية وحماية ودعم غير خاف من النظام الإيراني" بحسب البيان.

 

نتائج عكسية

ويبدو أن الساعين للقانون الجديد حاولوا التخفيف من وطأة قانون العقوبات العراقي التي تصل إلى الإعدام بتشريعهم للقانون الجديد. فقد قال بيان الهيئة، لو كان المقصد صادقاً والهدف نبيلاً من قبل واضعي القانون (الجديد) لعمدوا لتفعيل القوانين النافذة. ولخص البيان عدداً من المآخذ التي تصنف القانون الجديد على أنه طوق نجاة لدعاة التطبيع، واصفاً المادة الثانية من القانون، التي تنص على أنه: "لا تسري أحكام هذه المادة على الزيارات الدينية المقترنة بموافقة مسبقة من وزارة الداخلية"، بأنها "نص صريح على عدم ممانعة واضعي القانون من زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة". وعن تخفيض القانون الجديد عقوبة التطبيع من الإعدام إلى السجن المؤبد، قال البيان إن ذلك "يخالف كل ما أعلن من أهداف تشريعه؛ حيث تراجعت فيه قوة الحكم التي نص عليها القانون رقم (111) وأصبحت أقل حزماً وأثراً".

وأوضح البيان إن القانون لم يشر "إلى طريقة تحريك الشكوى ضد المتهمين بجرائم التطبيع، ولا سيما أن هذه الجرائم لا يعلن عنها عادة وتحاط غالباً بالسرية، وهو ما قد يتسبب بمخاطر عدة لحياة من يقوم بالإخبار عنها".

 

فرصة لتصفية الحسابات 

ورغم ما يشاع عن عداء بين جماعة مقتدى الصدر وإيران، إلا أن رؤى الطرفين اتفقت هذه المرة، على دعم قانون أبدى تساهلاً كبيراً مع المطبعين، قياساً بقانون العقوبات العراقي، فقد هنأ السفير الإيراني في العراق محمد كاظم آل صادق، زعماء الاحزاب والميليشيات على إقرارهم القانون، فيما دعا مقتدى الصدر العراقيين بهذه المناسبة، لاداء "ركعتي شكر" والخروج إلى الشارع، حسب تغريدة له على موقع "تويتر"

من ناحية أخرى وجد مراقبون، أن كتلة مقتدى الصدر التي قدمت مشروع القانون، قد قامت بهذه الخطوة لإنقاذ ماء وجه حلفائها من النواب الأكراد، ألذين رفعوا أيديهم بالموافقة بنفس الوقت الذي كانت فيه ناقلات النفط تفرغ حمولتها من نفط الشمال في الموانئ "الاسرائيلية".

ووجدت مصادر صحفية أن الأسباب الحقيقية لتشريع القانون هي "تصفية الحسابات"، محذرة من أن هذا القانون "مطاط" إلى درجة تمكن من تجريم معارضين بإلصاق تهمة الدعوة للتطبيع بهم. وقال موقع (ميدل ايست أي) "إن تمرير قانون تجريم التطبيع مع (إسرائيل) من قبل أحزاب السلطة في العراق؛ قد يستخدم كأداة لتصفية الحسابات بينهم والتخلص من المعارضين"، متسائلاً في تقرير له عن دواعي إصدار مثل هذا القانون، مع وجود قانون أكثر شدة منه، ما زال سارياً. كما عبر ناشطون عراقيون عن اعتقادهم، بأن  القانون الجديد سيكون مادة "تقبل التأويل لضرب الخصوم، كما جرى في المادة 4 إرهاب، ألتي فُصلت وأقرت ضد مكون واحد". وأكد هؤلاء الناشطون أن القانون سيمثل أيضاً فرصة للسياسيين لزيارة الأراضي المحتلة واللقاء بمسؤولين صهاينة تحت غطاء "الزيارة الدينية" التي أباحها القانون الجديد.

menu-circlecross-circle