خلال زيارته إلى موسكو المنشغلة بحربها في أوكرانيا، إلتقى زعيم مليشيا الحشد فالح الفياض، بسكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف، ونائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، في مقرّ وزارة الخارجية الروسية في موسكو. وكما جرت العادة في البيانات التي تعقب اللقاءات الثنائية، جاء في بيان لمكتب الفياض، إنه "بحث مع باتروشيف قضايا الأمن الإقليمي، فضلاً عن آفاق التفاعل والتعاون الثنائي بين العراق وروسيا". وحيث أن العلاقات الثنائية والتعاون الثنائي لا تدخل ضمن اختصاص الفياض لا من قريب ولا من بعيد، فقد كشفت الصبغة العسكرية للوفد المرافق للفياض، واللجان الروسية التي التقى بها، أن المواضيع التي بحثت بين الطرفين كانت ذات طبيعة عسكرية، حيث التقى الوفد بعدد من مسؤولي الأركان الروسية ومسؤولي الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري التقني، كما التقى الفياض بالمبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى سوريا الكسندر لافرينتييف".
وكانت "يقين" قد نشرت تقريراً عن إرسال أسلحة عراقية من منشأ روسي إلى موسكو عن طريق موانئ إيرانية، الأمر الذي اعتبرته مصادر غربية إصطفافاً عراقياً لمعسكر روسيا في حربها على أوكرانيا. أما الزيارة الأخيرة فقد وجدت فيها تلك المصادر خطوة قد تستفز الولايات المتحدة، ألتي مازالت تعتبر العراق حصتها.
الدور الإيراني
ووصفت مراكز بحثية الدور الإيراني في المنطقة بقولها أنها تلعب من جانب خفي دور السمسار للسياسة الروسية في المنطقة، من خلال تعاونها العسكري مع موسكو في سوريا، وتحاول زج العراق في الواجهة لتبقى هي خلف الكواليس، ويتضح ذلك من خلال دفع ميليشيات الفياض لإرسال شحنات الأسلحة العراقية إلى روسيا. ويكشف اختيار "بوغدانوف" الذي يتحدث العربية بطلاقة للقاء الفياض، والذي وصفته هذه المراكز بمهندس العلاقة الروسية السورية الايرانية ، وكذلك لقاء الفياض بالمبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى سوريا الكسندر لافرينتييف خلال زيارته الأخيرة لموسكو، أن هناك آفاقاً للتمدد الروسي العسكري باتجاه بغداد عن طريق سوريا، حيث توجد قواعد عسكرية للولايات المتحدة، خصم روسيا في حربها على أوكرانيا، وبذلك تجعل إيران العراق، من خلال سيطرتها على قراره السيادي، ساحة للصراع العسكري والإقتصادي والسياسي بين هذه الأطراف.
واعتبرت هذه المراكز زيارة سابقة للفياض إلى دمشق مطلع آذار/مارس الماضي، واجتماعه برأس النظام السوري بشار الأسد، خطوة تمهيدية بهذا الإتجاه، من أجل رفع مستوى التنسيق الأمني على الحدود بين العراق وسوريا، لتهيئتها لدور روسي محتمل، مشيرة الى توسيع إيران لعمليات نقل الأسلحة ومنظومات الإستطلاع والدفاع الجوي والطيران المسير من العراق إلى سوريا ولبنان خلال شباط/فبراير الماضي.
العراق ساحة مواجهة محتملة
وسبق للفياض أن التقى السفير الروسي في العراق "ايلبروس كوتراشيف" الصيف الماضي، كما أن زيارة الفياض لموسكو لم تكن الأولى، إذ سبق له أن زارها في أيلول/سبتمبر 2019، في ولاية رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، التي وصفتها مصادر صحفية ب" ربيع نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران". وقالت هذه المصادر إن الفياض سعى خلال الزيارة لشراء منظومة الدفاع الجوي "أس-400". وكان رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الإتحاد الروسي فيكتور بونداريف، قد أعلن قبيل تلك الزيارة، أن العراق أصبح من بين الدول المرشحة للحصول على هذه المنظومة.
ورأت هذه المصادر أن إيران تدفع بالحشد لترتيب تفاهمات مع روسيا في محاكاة للتجربة السورية، ألأمر الذي يجعل من العراق ساحة مواجهة محتملة بين روسيا والولايات المتحدة، التي تعتبر العراق مجالاً حيوياً لها، وهي دلائل اعتبرتها هذه المصادر معززة لفكرة تحويل العراق إلى ساحة صراع دولي. ويسود الإعتقاد أن إيران تحاول التمسك بروسيا كلاعب دولي كبير يدعم ميليشياتها المسلحة الموالية لها في العراق.
مناورة غير محسوبة
ويرى مراقبون أن أي خطوة غير محسوبة من الجانب العراقي قد توقعه في مآزق لا قبل له بها، خاصة وأن ظرفه الداخلي المتمثل بالخلافات السياسية، التي أخرت تشكيل حكومته تسعة أشهر حتى الآن لا تسمح له بمثل هذه المغامرة ، كما أن الإتفاق الأمني المبرم بين بغداد وواشنطن عام 2008 تحت مسمى (الإطار الإستراتيجي)، لا يمنح العراق حرية في مجال سياسة التسليح، مما يجعل تحركات الفياض مناورات غير محسوبة النتائج.
وأرجع الباحث إحسان الشمري خلفيات التقارب بين ميليشا الحشد وروسيا الى فترة سابقة لزيارة الفياض الأخيرة موسكو. وأكد الشمري أن "العلاقة المتنامية بين فصائل الحشد وروسيا ليست جديدة، وتعود إلى فترة تشكيل الغرفة الرباعية بين العراق وروسيا وسوريا وإيران في 2015".
ويعتقد الشمري أن ما يجري من محاولات تقارب جديدة بين فصائل الحشد وموسكو "يأتي ضمن استراتيجية إيرانية، ما يحفّز الفصائل على التحالف بشكل أكبر مع روسيا".
ويضيف الشمري سبباً آخر لمحاولات إيران دفع الحشد للتعاون مع روسيا، خاصة في المجال العسكري، هو "استشعارها إمكانية تقديم واشنطن مشروع قرار من خلال مجلس الأمن لتصنيفها كمنظمات إرهابية، مما يتطلب مزيداً من التنسيق بين الفصائل وموسكو لتقويض تمريره".
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عقوبات على زعيم الحشد فالح الفياض، مؤكدة أنه "كان عضواً في خلية الأزمة التي كونت في أواخر عام 2019، والتي تألفت بشكل أساسي من قيادات فصائل الحشد الشعبي، من أجل قمع المحتجين العراقيين، بدعم من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني"، بحسب بيان أصدرته، ثم ما لبثت أن شملت رئيس هيئة أركانه عبد العزيز المحمداوي، الملقب ب (أبو فدك) بعد تصنيفه "إرهابياً"، وأكدت الخارجية الأمريكية في بيان لها، إن "عبد العزيز الملا مجيرش المحمداوي صُنف إرهابياً عالمياً"، مما عزز مخاوف هذه المليشيا من تصنيفها دولياً كمنظمة إرهابية.
وقال موظف أمريكي يعمل في وزارة الخارجية الأميركية، إن الحشد الشعبي "قراره إيراني، وتسيطر عليه فصائل مرتبطة مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، وهذا ما سيضطر واشنطن إلى فرض عقوبات عليه أو تصنيفه في قائمة المنظمات الإرهابية".