هيئة علماء المسلمين: الاحتلال شوّه صورة العراق وأوجاعه لا تزال

وكالة يقين
9 نيسان، 2025

في الذكرى الثانية والعشرين للاحتلال الأمريكي للعراق، وجهت هيئة علماء المسلمين في العراق رسالة مفتوحة إلى الشعب العراقي، أكدت فيها أن الاحتلال ومشروعه السياسي تسببا في آلام وأوجاع مستمرة، وامتدت آثاره لتطال دول الجوار، مقدمًا صورة مشوهة عن العراق.

وأوضحت الهيئة أن الاحتلال فرض على العراقيين نظامًا سياسيًا يجمع بين الفشل والطغيان، مشيرة إلى أن قوى الاحتلال وحلفاءها بذلوا جهودًا كبيرة للحفاظ عليه رغم عيوبه، لتحقيق مكاسب إقليمية ودولية تحت ذريعة "الديمقراطية" التي وصفها الواقع بأنها "الفرية الأكثر رواجًا".

وشددت الهيئة على أن النظام السياسي القائم شُكل على أسس طائفية وعرقية، مما سمح للأحزاب السياسية بالتغول وتقاسم السلطة والثروات، بينما عملت الطائفية السياسية على تغييب الهوية الوطنية العراقية ومنحت الفرصة للميليشيات الطائفية المدعومة من قوى إقليمية، وعلى رأسها إيران، للعبث بأمن العراق والمنطقة.

ودعت الهيئة أبناء الشعب العراقي إلى استثمار ذكرى الاحتلال المؤلمة في توليد أفكار تفضي إلى مشروع وطني حقيقي يعمل على استئصال الشر وبناء نموذج وطني رصين يعيد للعراق مكانته.

وأشارت إلى أن تشخيص العلل هو الخطوة الأولى نحو العلاج، مؤكدة على الغياب التام للهوية الوطنية والفساد المستشري والانهيار الكامل في مختلف جوانب الحياة.

كما أشادت الهيئة بأمجاد المقاومة العراقية التي واجهت قوات الاحتلال، مطالبة بتدوين تاريخها ونشره بين الأجيال لقطع الطريق على محاولات سرقتها وتزييفها من قبل "مجرمي الميليشيات والفصائل المسلحة".

وفي الختام، ذكّرت الهيئة بمبادئها ودعت إلى بناء مستقبل للعراق يشارك فيه الجميع دون إقصاء، بعيدًا عن تأثير الاحتلال وأطماع الطامعين.

-----------

نص الرسالة:

رسالة مفتوحة

إلى الشعب العراقي الكريم في الذكرى الثانية والعشرين لاحتلال العراق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فيا شعب العراق الصابر الأبيّ:

نتوجّه إليكم برسالتنا السنوية في ذكرى احتلال العراق في (9 /4 /2003م)؛ بعد انقضاء اثنتين وعشرين سنة على هذه النازلة الأليمة، التي ما انفكت هي وتداعياتها تولّد الآلام والأوجاع في النفوس؛ ونذكّر أنفسنا وإيّاكم بما آلت إليه أوضاع بلدنا العزيز جرَّاء هذا الاحتلال ومشروعه السياسي، الذي لم ينحصر شرّه ودماره وما تفاقم عنه من أضرار داخل العراق وبين ظهراني شعبه وأمته فقط؛ بل امتد ليكون أحد حبال السوء التي كانت -وما تزال- سببًا في أن يمسّ أهلَنا في بلدان الجوار والمنطقة البأساءُ والضراءُ، فعكست صورة مشوّهة وغير مرضية للعراق -وهو منها براء- بما لا يليق به ولا بأهله ذوي التأريخ الحافل بالمآثر والمناقب والمواقف النبيلة.

لقد سلّط الاحتلال الأمريكي -بمنظومته المتراكبة (العسكرية، والسياسية) وما يلزمها من روافد وقنوات على جميع الأصعدة والميادين- على العراقيين نظامًا سياسيًا يجمع بين الفشل والإخفاق والانحطاط من جهة، وبين السطوة والطغيان والإجرام من جهة أخرى، وعلى الرغم من توفر جميع مؤهلات السقوط فيه منذ أشهره الأولى؛ فإن قوى الاحتلال وحلفاءها ومن هم في دائرتها وفلكها؛ بذلوا وسعهم في محاولات الحفاظ عليه قائمًا ولو كان معوجًّا أو مشوّهًا، بغية الاستمرار في تحقيق المكاسب الكثيرة على الصعيد العراقي المحلي، ونظيره الخارجي بشقيه الإقليمي والدولي، تحت ذريعة (الديمقراطية) التي كشف واقع الحال في العراق أنها الفرية الأكثر رواجًا في هذا العالم.

إن مما هو معلوم بالضرورة أن النظام السياسي القائم في العراق تحت مظلة الاحتلال؛ قد شُكّل على وفق أسس طائفية وعرقية، ومحاصّة موغلة بالإثم، فسحت بموجبها سلطات الاحتلال المجال واسعًا للأحزاب السياسية لتطغى في البلاد، وتتبارى وتتنازع، وتتقاسم المغانم، وتتهافت نحو السلطة والنفوذ، مقابل ضمان بقاء الفوضى والاضطراب سواء باستخدام الخطاب الطائفي الذي يبث سموم الكراهية والحقد، أو الانهيار الأمني، والاقتتال المفضي إلى الإزاحة والإقصاء، مقابل تمكين مشروع الاحتلال وتحقيق مصالحه وتوفير البيئات المناسبة لينتقل من مرحلة إلى أخرى، وهي على هذا الحال الدؤوب مدة اثنتين وعشرين سنة لا تستطيع أن تتقن عملًا دون ذلك، ولا تتمتع بالأهلية التي تمكنها من جلب منفعة أو دفع ضرر عن العراق والعراقيين؛ بل إن واقع الحال يثبت العكس؛ إذ لم يجد العراقيون قسطًا من خير أو كِفلًا من فلاح، منذ أن تصدرت هذه الأحزاب وما فيها من وجوه كالحة وشخصيات واجهة المشهد وأخذت تمارس لعبة تغيير الوجوه في إطار مهازل الانتخابات والحكومات المتعاقبة التي تنتج عنها.

يا أبناء شعبنا الكريم:

إن ذكرى الاحتلال على الرغم من إيلامها وقسوتها وما تبثّه من شجن وحزن؛ لا ينبغي أن تمرَّ دون أن تتولد منها الأفكار التي تفضي إلى مشروع حقيقي ناجز، يعمل على استئصال الشر الذي يحيق بالعراق وأهله، ويسعى إلى بناء أنموذج وطني رصين، يعيد بلدنا إلى مكانته السامية، ومساراته الرشيدة، ويحقق تطلعات العراقيين نحو الريادة والسمو.

إن لوصف العلاج لوازمَه ومقتضياتَه، التي تبدأ بتشخيص العِلل ووضع اليد على مواطن الخلل، ونحن اليوم -ومن قبل- لا نكل عن بيان حقيقة ما يجري في وطننا من: غياب للهوية الوطنية، وضياع للحقوق، وفسادٍ طاغٍ غير مسبوق ولم يعرف له مثيل في تجارب الأمم والشعوب، وانهيار تام وكامل في جميع صعد الحياة؛ حيث لا يجد الراصدُ العراقَ في ظل نظامه السياسي الحالي وعلى مدى الحكومات التسع المتعاقبة بعد الاحتلال؛ إلا في ذيل قوائم دول العالم والمنطقة، في ميادين: الاقتصاد، والأمن، والأداء السياسي والحكومي، والعدالة، والشفافية، والحريّات العامة، وحقوق الإنسان، وإنفاذ القانون، والخدمات، وصلاحية العيش، والتربية والتعليم، وجودة المناهج الدراسية، ومستويات الثقافة، والصحة، والبيئة، والأمن الغذائي، ومعايير الجودة، والاكتفاء الذاتي، وغير ذلك من تصنيفات وأنماط الحياة المعتبرة.

وهو في المقابل يعتلي صدارة القوائم ذات الصلة بـ: انعدام الاستقرار، والاعتقالات، والتغييب القسري، وأحكام الإعدام، والتعذيب، والإفلات من العقاب، والأمية، والبطالة، وغياب فرص العمل، وتجارة وتعاطي المخدرات، والأمراض، والجفاف، والنزوح، والتغيير الديموغرافي، وإهدار الموارد، والمشكلات الاجتماعية وما ينتج عنها من ارتفاع في معدلات الطلاق والعنف الأسري، وما إلى ذلك من مظاهر الانهيار والتردّي على الأصعدة كلّها.

ولا يتوقف واقع الحال المؤلم في العراق عند هذه الحدود؛ بل يتعداه إلى ما هو أكثر من ذلك عددًا وأوسع مدًى وحجمًا؛ حيث عملت الطائفية السياسية بوصفها منهجًا متبعًا في النظام الذي يحظى برعاية الاحتلال ودعمه؛ على تغييب الهوية الوطنية العراقية، وتجريد المجتمع العراقي من أصالته وثقافته ومميزاته ومناقبه التي يستمدها من تنوعه وتأريخه في التعايش السلمي والوئام، مما منح الفرصة للميليشيات الطائفية التي تستورد مشاريعها من قوى إقليمية تتخادم مع نظيرتها الدولية، ولا همَّ لها إلا إلحاق الدمار بالعراق وإشغال أهله بلملمة ركامه، وتتربع إيران على كرسي هذه القوى التي امتد شرّها خارج الحدود متخذة من الأراضي العراقية منطلقًا للإضرار بالآخرين، وافتعال الفوضى في المنطقة.

أيها العراقيون الصابرون:

إن ما تقدم من بيان ووصف إنما هو لمحات موجزة عن حقيقة ما نتج عن احتلال العراق ومشاريع هذا الاحتلال العسكرية منها والسياسية والاقتصادية، وهذا مما يجعلنا نعيد طرح قناعتنا التي طالما أكّدنا عليها طوال العقدين الماضيين؛ بأن النظام السياسي الذي ملّكه الاحتلال رقاب العراقيين وزمام الأمور في العراق مجرد عن الأوصاف التي تحظى بها النظم والحكومات الرصينة والمعتبرة، وفقير إلى ما هو دون الإفلاس من وسائل وأدوات الحفاظ على وحدة العراق، وثرواته، وسيادته، وأمنه، وحقوق شعبه، وضمان مستقبل أبنائه، ولا سيّما وأن التجارب المتلاحقة في السنوات الاثنتين والعشرين السالفة تؤكد بما لا يدع مجالًا لشك أن أدوات هذا النظام وأذرعه: من أحزاب وجماعات، وكتل وتشكيلات، وشخصيات ومناصب؛ جميعها لا تمتُّ بالصلة إلى السياسة وغير مؤهلة لإدارة الشأن العام، فضلًا عن إدارة الدولة ورعاية مؤسساتها.

 ومما يزيد الطين بلّة أن هذه المكونات الفاشلة منحها الاحتلال (شرعية) كاذبة حينما صاغ لها دستورًا كُتب في ظل ظروف سياسية وأمنية شاذة لم تتحقق فيها الموضوعية أو التصورات الصحيحة والعادلة لتأسيس دستور يكون عقدًا وطنيًا قادرًا على الموازنة بين حل المشكلات ودفع مفاسدها، وإرساء أسس دولة المواطنة، وجلب مصالحها، فصار دستور العملية السياسية مشكلة قائمة بذاتها، تتولد عنها الأزمات المركبة والمعقدة لما فيه من تناقضات فاضحة وثغرات فادحة، لتستغله الطبقات السياسية المتعاقبة في تسلطها على رقاب العراقيين في إرهابهم، والضغط عليهم، وإنتاج القوانين التي تضرّهم ولا تنفعهم، وتُعسّرُ عليهم الحياة ولا تُيسِّرُها.

 ومن هنا، وفي ضوء هذه اللمحات السريعة عن واقع العراق في ظل الاحتلال الجاثم على صدور أبنائه، ونظامه السياسي المتطرف في طغيانه وفساده، نتوجه إليكم -يا أبناء شعبنا الأوفياء وأهلنا في سائر أنحاء الدنيا- بما كُنّا ولا نزال نقرؤه ونستشرفه، ونرصده ونحلله، ونصوغ أفكارنا وطروحاتنا بشأنه، انطلاقًا من ثوابتنا الشرعية وما تقتضيه من لوازم وطنية وإنسانية وأخلاقية، وفي إطار منهجنا الذي تعكسه مواقفنا الثابتة ومحدداتها وأصولها، والتي لم ولن نغيّرها -بعون الله-، لبيان جملة من الأمور، نلخصها بما يأتي:

أولًا: نحن في هيئة علماء المسلمين في العراق، ومعنا الجمع الوطني من الشخصيات والقوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية، إذ نجتهد ونبذل وسعنا في تشخيص الواقع وما فيه من داء وعلل، ونستشرف المستقبل وما يلزم فيه من العلاج واقتراح الحل؛ فإنّنا نبذل وسعنا في كشف المغالطات التي يلتحف بها النظام السياسي وحكوماته ومجالس نوّابه وسلطته القضائية، ورصد الانتهاكات التي يتعرّض لها أهلنا في أنحاء البلاد كلّها، وتوثيق حقوقهم المنتهكة، وثرواتهم المبددة، وأمنهم المصادر، وحياتهم الضنكى، ونقدم -في سياق ذلك- نصائحنا لمن يعنيه أمر العراقيين من: قوى، ومنظمات، ومؤسسات عراقية وإسلامية وعربية ودولية؛ بهدف الكشف عن حقيقة ما يشهده العراق بعيدًا عن الروايات الحكومية وشهادات الزور التي تصدّرها وسائل إعلام النظام وداعميه، ثم التعاطي مع ما نقترحه من أنماط الحل والعلاج، مع استمرار طرح مشروعنا الكبير الذي صغناه منذ وقت مبكر جدًا بعد أشهر معدودة من الاحتلال؛ لإنقاذ العراق والمنطقة من تداعيات الغزو والاحتلال والمخاطر الناجمة عن مخرجاته السياسية والأمنية والاقتصادية.

وفي هذه المناسبة؛ لا بُدَّ لنا من التحذير من استمرار منهجية تجربة الحلول السابقة والبقاء في دائرة البحث عن الحل داخل إطار العملية السياسية؛ هو عبث تتقادم عليه الأيام والسنوات ولا يخرج متبنّوه إلا بجهود ضائعة، وأمنيات ليس ثمة سبيل إلى تحققها؛ فمحاولات وضع رؤية حل للقضية العراقية من داخل المنظومة الفاسدة التي تدير النظام السياسي، حتى لو توفرت -على سبيل المثال- جهود عربية أو إقليمية داعمة لهذه الرؤية وساندة لها؛ لن يُحقق للعراقيين شيئًا يذكر؛ فمن يتبنى التفكير بهذا النوع من الحلول لن يجد في الأفقين القريب أو البعيد سوى الفشل التام والمطلق؛ لأن مسار الحل المفترض هذا يصب -كما نصفه دائمًا- في قالب أعوج، تُبقي مخرجاتُه الجميعَ تحت وطأة المسؤولية؛ نتيجة المضي على خطا حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ سنة (2003م)، التي لم تحظَ أبدًا بمخرجات منزهة عن الإخفاق والفساد.

ثانيًا: أثبت النظام السياسي القائم في العراق؛ أنه متطرف في تبني المغالطات واعتماد التناقضات، فمن يدرس الحالة العراقية في حقبة الاحتلال وتحت مظلة حكوماته المتعاقبة؛ يألف الأخيرة وهي أكثر من يتحدث عن (السيادة) بينما البلد منتهكة حرماته، ومستباحة ثرواته، ومشرعة حدوده، وحاله مضطرب بين نفوذ عسكري أجنبي وميليشيات طائفية مسعورة، وتحكم سياسي خارجي يهدم ولا يبني ويُفسد ولا يُصلح. ثم إنّها أكثر من يتحدث عن (الديمقراطية) و(الحريات) و(الحقوق) بينما تداعيات الأحداث تؤكد أن سياساتها وقوانينها وإجراءاتها تفوق في طغيانها أكثر الأنظمة استبدادًا في واقعنا المعاصر؛ من حيث إدمانها على: مصادرة الرأي، والفضائح السياسية في الانتخابات وغيرها، وجرائم التغييب القسري والتغيير الديمغرافي، والقتل على الهوية، والاعتقالات الممنهجة، والإعدامات المفرطة، وقمع الحرّيات، واتخاذ سياسة القبضة الأمنية في الحكم والقضاء. وهي التي تسرف في الحديث عن (النزاهة) في الوقت الذي يطغى الفساد في مؤسساتها إلى الدرجة التي لا ينجو أحد ممن تورط في الدخول في العملية السياسة منه، وصيّرت العراق -مع الأسف- محطة لغسيل الأموال، ومأوًى آمنًا للمجرمين وتجار المخدرات، ومن يدور في أفلاكهم.

ثالثًا: لا بُدَّ أن تترسخ القناعة لدى الجميع؛ بأن الاحتلال الذي تسلط على رقاب العراقيين منذ اثنتين وعشرين سنة؛ ما يزال مستمرًا بأشكاله وصوره كافة: العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وأنه في ثوبه الحالي احتلال مزدوج تتنافس فيه الإرادات الدولية والإقليمية، ويشتعل التنافس في ظله بين أداوتهما، ولا ينال العراقيون منها إلا السوء والأذى؛ لأن رؤى الحل بعيدًا عن هذا التصور لن تكون مجدية، ولن يكتب لها المضي في مسارات النجاح، حين تصطدم بعقبات لم يحسب منظّرو الحلول الجزئية حسابها.

رابعًا: إن الذكرى الثانية والعشرين لاحتلال العراق تأتي متزامنة مع متغيّرات وأحداث تشهدها المنطقة العربية ومحيط العراق الجغرافي، ولا سيّما في: فلسطين، ولبنان، وسوريا، وإيران -في ظل تصاعد خلافاتها مع من تتخادم معهم في الساحة العراقية وغيرها-؛ وعليه فينبغي على العراقيين الحذر كل الحذر من مكائد النظام السياسي في بغداد، ومحاولاته إعادة التموضع واللجوء إلى (تحسين) سياسة تبادل الوجوه عبر تصعيد لغة البحث عن الانتخابات و(الإصلاح) من الداخل، والاستمرار في ترويج المفاهيم المكذوبة أو المغلوطة بشأن ميليشيات (الحشد الشعبي) ومحاولة إشاعة فوارق غير موجودة بينها وبين ما يسمونها (الفصائل) لخداع العراقيين -حاشاهم- بإجراءٍ ما ينسجم مع الرغبة الأمريكية ذات (التهديدات) الافتراضية بحل الميليشيات والضغط على النظام في طهران بناءًا على مقاصد سياسية ومصلحية.

إن في الحالة العراقية حقيقة لا ينبغي لذي لب إغفالها؛ وهي أن هذه الميليشيات صنيعة الاحتلال الأمريكي، الذي رعاها، ودعمها، وسلطها على العراقيين ولا سيما على أبناء (المقاومة العراقية) الحقيقية، وما زال يوفر لها احتياجاتها والدعم اللوجستي، والتغطية العسكرية عند الحاجة؛ بل حتى على مستوى الدعم المالي، الذي طالما غض النظر عن طرقه الواصلة إلى هذه الميليشيات، ومرجعها الرئيس وموجهها -إيران- لسنوات طويلة، ومن هنا يتوجب الحذر -مرة أخرى- من أن أي إجراء داخلي مفترض تحت مسمى (التغيير) قد يشهده المستقبل القريب، لن يكون إلا في إطار المصلحة التخادمية التي تبقي صلاحيات هذه الميليشيات وأحزاب السلطة حتى لو تطلب الأمر إلباسها ثوبًا آخر غير الذي كانت عليه، وفي ظل سياسة التدوير المعروفة.

ونحذر من هذه الخيارات المتوقعة؛ لأنها بمثابة سد منيع، ومصد صعب أمام أي طروحات للحل المعقول، ومشاريع التغيير الحقيقي، ونظريات الإصلاح المعتبر، من أجل تخليص العراق وتحقيق حرية شعبه، بما يبقي الحالة العراقية أسيرة للعملية السياسية ونظام الحكم الذي يتقوى بهذه الميليشيات ورعاية الاحتلال ومشروعه ومصالحه.

خامسًا: إن تغيير الواقع المظلم في العراق يتطلب جهودًا غير اعتيادية، فهو ليس بأمر يسير؛ لكنه ليس مستحيلًا، ولا يمكن لمشروع خلاص ذي بال أن يتحقق على عجل أو بين ليلة وضحاها؛ لكنه يبقى في دائرة الممكن والمستطاع، ولا سيّما وأن النماذج التي يحفل بها تأريخنا كثيرة ومن شأنها منح الثقة لكل مصلح وغيور، ولكل ذي همّة جسور، وإننا إذ نثق تمامًا بأن إرادة العراقيين نحو تكوين مشروع للتغيير مؤهلة لتتبنى ذلك بصدق وطول سعي وصبر وبذل جهد؛ فإن من المفيد أن نقول مرة أخرى -كما نؤكد كل عام في مثل هذه الذكرى- أن هذا النوع من التغيير يحتاج إلى أن يمر بمرحلتين أساسيتين لينطلق بعدهما نحو الفعل الميداني المثمر:

أولاهما: الإقرار المشفوع بالقناعة التامة بأن نظام العملية السياسية في العراق غير قابل للإصلاح ولا يُرتجى منه صلاح مع الاستمرار والإصرار على محدداته وأطره التي خطها الاحتلال وتكرار مسرحية الانتخابات كل أربع سنوات التي تنتج نمطًا مألوفًا من الحكومات المتعاقبة، ولا بد للشعب العراقي أن يضغط بكل قواه لتغيير هذه القواعد وفرض إرادته في بناء نظام سياسي صالح.

والأخرى: استثمار ما يُتاح من متغيرات محلية وإقليمية ودولية استثنائية -على قلّتها- بشرط أن تكون مخرجاتها مستعلية على السلوكيات المزدوجة في التعامل مع القضايا الأخرى التي يشهدها العالم، ومتجاوزة للانحياز والأثرة التي تُقدم فيها قضايا على حساب أخرى، وتغيّب بسببها الحقائق وتصادر من أجلها الحقوق، وعلى أن توظف بالشكل الصحيح والمناسب لمصلحة العراق وحاضره ومستقبله.

سادسًا: مما يتلازم مع استذكار تأريخ الاحتلال؛ استحضار أمجاد المقاومة العراقية، وتأريخها، ومشروعها، ورؤيتها، ومقاصدها، وعملياتها الفريدة، وصنائعها الفذة؛ فإنها قد فعلت بقوات الاحتلال ما يصلح أن يُدون في فصول الأساطير والمناقب بين صفحات التأريخ، ويكفي أن قادة الاحتلال -العسكريين منهم والسياسيين- قد أقروا مرارًا: بأنهم غيروا من خططهم وإستراتيجياتهم مرات عدة بسبب العمليات المقاوِمة، وأن الكثير من مراحل المشروع الأمريكي تعطلت أو اضطرت الإدارة الأمريكية إلى تغيير مساراتها، نتيجة فشلها لسنوات أمام ضربات المقاومة التي وصلت رقمًا قياسيًا من حيث العدد والنتائج قل أن يكون له نظير معاصر.

والمسؤولية اليوم مناطة بالجميع لتدوين أسفار هذه المقاومة ونشر ما قامت به بين أبناء العراق وأجياله الجدد؛ فضلًا عن طباعته في الكتب ووسائل التواصل ومنصات النشر الحديثة؛ لأن محاولات سرقته وادعائه من قبل مجرمي الميليشيات والفصائل المسلحة قد تنطلي على جيل لم يعش العقد الأول من سنيّ الاحتلال.

وختامًا، أيّها العراقيون الصادقون والمخلصون لوطنهم:

لا يعرف البرَّ والخير إلا أهله؛ وأنتم لذلك أهلٌ؛ لذا فنحن نذكّركم بشيء من مبادئنا، وبلمحة من ثقافتنا، التي عبّر عنها الأمين العام الراحل للهيئة الشيخ حارث الضاري -رحمه الله تعالى- قبل ثمانية عشر عامًا، حين خاطب العشائر العراقية بوصفها أصول العراق الطيبة، وركائز نسيجه المتماسك، وضمانة وحدته وسلامته، وسلم الارتقاء به من حفر الاحتلال، بتأريخ: (30 /11 /2007م) بقوله:

"مستقبل العراق لن يستأثر به أحد، فنحن قادرون جميعًا -بإذن الله- على رسم مستقبل له لا يُقصى منه أحد، تناط فيه الأمور بأهل الكفاءة، وذوي القدرة على مجاوزة المحنة، وإعادة إعمار البلاد دون النظر إلى الطائفة أو العرق، ويكون قوامه التداول السلمي للسلطة بالوسائل المشروعة، ويُحظر فيه أي عمل سياسي يعتمد برامج طائفية أو عرقية، ويمكننا أيضًا الاتفاق على دستور جديد للبلاد، يحفظ حقوق الجميع بعيدًا عن حراب الاحتلال، وأطماع الطامعين، دستور يشارك فيه الجميع بلا استثناء، وليس كدستور الاحتلال، الذي غيب إرادة الشعب العراقي، وصيغ على نحو يُلبي رغبات المحتل، وفئات سياسية معينة متورطة معه يعرفها الجميع.. وإنّنا إذا اتفقنا على هذه الخطوط العريضة، فسيكون بمقدورنا -بعون الله تعالى- إيجاد الآلية المناسبة لتنفيذها، وإجبار العدو وغيره من المتربصين على القبول بها، فإن إرادة الشعوب إذا اتحدت لا تُقهر، وإنّ الله –سبحانه- ظهير لأصحاب الكلمة الواحدة الذين يستهدون بهداه، ويتوكلون عليه".

14 فبراير، 2025
مسيحيو العراق: الميليشيات تحتل مناطقنا
16 يناير، 2026
السلاح المنفلت يغيب لغة القانون.. "منشور فيسبوك" يشعل معركة مسلحة ويخلف جريحاً في قضاء الدجيل
8 يناير، 2026
مهمة حماية الوجود.. قاآني في بغداد لرسم استراتيجية تفادي الضربات الأمريكية
23 يوليو، 2024
إحباط محاولة صرف "غير قانوني" بأكثر من 7 مليارات دينار في ميسان
15 أغسطس، 2023
النزاهة: ضبط عمليات استحواذ على عقارات بالتواطؤ مع مدير بلدية بعقوبة السابق
12 مارس، 2024
أمر قبض بحق وزير النقل الأسبق لإضراره بالمال العام
10 يوليو، 2024
النزاهة تضبط 8 متهمين مع عجلاتهم في منفذ المنذرية بديالى
3 أبريل، 2024
وفاة معتقلين في سجن الناصرية بظروف غامضة
21 يونيو، 2025
مصادر سياسية تحذر من استمرار انفلات السلاح في العراق
4 ديسمبر، 2024
مقترح في البرلمان العراقي لرفع السن التقاعدي من 60 إلى 63 عاماً
10 يناير، 2026
فواجع السبت.. انتحار طالب في ذي قار وحادث دهس يودي بحياة شخص في الأنبار
23 نوفمبر، 2023
الداخلية: إلقاء القبض على 975 متسولاً منهم آسيويون منذ بداية 2023
menu-circlecross-circle