بغداد – تقرير خاص
لم يكن حلول العراق في المرتبة 147 عالمياً (من أصل 163 دولة) ضمن مؤشر السلام العالمي لعام 2025 مجرد رقم عابر في تقرير دولي؛ بل جاء كصدمة إحصائية توصف واقع بلدٍ يراوح مكانه في "منطقة رمادية" بين ذكريات تدمير المدن على يد القوات الأمنية الحكومية وبين مستقبل يلفه الغموض والخشية من الانتكاسات.
مؤشر السلام الصادر عن "معهد الاقتصاد والسلام" لا يكتفي بإحصاء الانفجارات، بل يغوص في تفاصيل الأمن المجتمعي، وحدة النزاعات الداخلية، ودرجة "عسكرة" المجتمع. وبقاع القائمة، يبعث العالم برسالة مفادها: العراق لم يعد ساحة معركة مفتوحة، لكنه لم يتحول بعد إلى بيئة مستقرة تمنح مواطنيها الثقة بالمستقبل.
وفي هذا الصدد، يرى الخبير الاستراتيجي جاسم الغرابي، في حديثه لموقع"بغداد اليوم"، أن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بغياب بيانات العمليات المسلحة، بل بشعور المواطن بالأمان اليومي بعيداً عن "المفاجآت القاتلة". ويؤكد الغرابي أن بقاء السلاح خارج إطار الدولة واهتزاز الثقة بالمؤسسات يجعل أي تقدم أمني عرضة للارتداد، مبيناً أن الدولة الحالية تعمل بعقلية "التدخل عند الانفجار" بدلاً من بناء منظومة قادرة على "منع الانفجار" أصلاً.
يرصد التقرير ثلاثة ملفات ثقيلة تعيق أي تقدم نحو السلام الحقيقي:
يربط التقرير بين تراجع مؤشرات السلام وبين "التآكل المعيشي" الذي يعاني منه العراقيون. فالسلام ليس غياب المعارك فحسب، بل هو "أفق معيشي مطمئن". ومع ارتفاع الأسعار، وفرض الضرائب والرسوم التي امتصت نحو 20% من القوة الشرائية للرواتب، تحول الضغط الاقتصادي إلى وقود محتمل للاحتجاجات أو الانخراط في مسارات غير قانونية.
يشير التحليل إلى مفارقة جوهرية؛ فالميليشيات التي تهدد السلم المجتمعي اليوم هي نتاج المنظومة السياسية التي تشكلت بعد عام 2003 برعاية أمريكية، وهي الآن مستفحلة في مفاصل الدولة وتحظى بنفوذ سياسي ومالي يحميها من الحساب. هذا "التمدد المسلح" داخل مؤسسات الدولة هو ما يجعل العراق في ذيل قوائم السلام العالمية.
يخلص التقرير إلى أن تغيير واقع العراق يتطلب خطوات "جراحية" تتجاوز لغة البيانات:
الخلاصة: إن مؤشر السلام لعام 2025 هو مرآة تعكس واقعاً مريراً؛ فسلام العراق لن يصنعه قرار خارجي أو تقرير دولي، بل هو مجموع قرارات شجاعة تهدف لحصر القوة بيد القانون، وتحويل السياسة من "إدارة أزمات" إلى "إدارة مصالح عامة"، لكي لا يبقى استقرار البلاد رهينة لمزاج الكتل أو قرارات العواصم الإقليمية.