هي معضلة سياسية مضى عليها قرابة الـ 5 أشهر، إذ وعلى الرغم من تكليف 3 شخصيات لتبوأ منصب رئاسة الوزراء، إلا أن جميعهم لم يفلحوا في حصولهم على التوافق السياسي اللازم لوصول المكلفين إلى قبة البرلمان.
كانت استقالة "عادل عبد المهدي" من منصب رئيس مجلس الوزراء في كانون الأول/ ديسمبر الماضي قد أدت إلى فراغ حكومي، بعيد مظاهرات شعبية حاشدة كانت قد بدأت في الأول من تشرين الأول/ نوفمبر الماضي.
"بعد تكليف الكاظمي، تطرح الكثير من التساؤلات عن مدى إمكانية مضي الأخير بتشكيل الحكومة"
وبعد إخفاق "محمد توفيق علاوي" و"عدنان الزرفي" في الوصول إلى رئاسة مجلس الوزراء، جاء دور "مصطفى الكاظمي" الذي كلف رسميا بتشكيل الحكومة من قبل رئيس الجمهورية "برهم صالح" ظهيرة يوم الخميس الـ 9 من نيسان/ أبريل الجاري.
وبعد تكليف الكاظمي، تطرح الكثير من التساؤلات عن مدى إمكانية مضي الأخير بتشكيل الحكومة وسط تحليلات ترجح إمكانية عرقلة الكاظمي أيضا والإبقاء على حكومة عبد المهدي المستقيلة.

يصف الباحث في الشأن السياسي العراقي "محمد عزيز" وضع العملية السياسية في العراق بلعبة المرشحين وإحراق الأوراق داخل الكتل السياسية الشيعية، إذ وبعد أن كلف علاوي واعتذر وكلف الزرفي واعتذر أيضا، جاء دور الكاظمي الذي كلف الخميس بتشكل الحكومة.
ويضيف عزيز أن جميع المرشحين كانوا قد كلفوا بعد تراضي الكتل السياسية، إلا أنهم حرقوا المرشحين واحدا تلو الآخر، وبالتالي فليس من المستبعد أن تحرق ورقة الكاظمي خلال اسبوعين من الآن، إذ ربما تعمد بعض الكتل إلى استخدام الملفات المخبأة بحق الكاظمي، ثم يصار إلى استخدامها إعلاميا من أجل العمل على دحض حظوظه بالتكليف.
"من يحدد مصير الكاظمي هي كتلة الفتح التي قد تشهد انقلابا مفاجئا في الموقف طبقا لأحداث قد تشهدها العملية السياسية أو الملف الأمني في قابل الأيام"
ويؤكد عزيز على أن كتلة الفتح التي كانت قد رفضت الزرفي منذ البداية، كانت قد اتهمت هي ذاتها الكاظمي بأنه عميل أمريكي، وأنه ساعد في اغتيال كل من قائد فيلق القدس الإيراني "قاسم سليماني" ونائب رئيس هيئة الحشد "أبو مهدي المهندس" في الـ 3 من كانون الثاني/ يناير الماضي.
وأوضح أن ميليشيا حزب الله اتهمته بذلك صراحة، ونوهت ميليشيا العصائب بذات الاتهام، ما يعني أن بعض الكتل السياسية قد تعمل على إسقاط الكاظمي كذلك، بغية الإبقاء على حكومة "عادل عبد المهدي" المستقيلة.
من جهته، غرد النائب "محمد إقبال الصيدلي" على صفحته في تويتر قائلا: "انطلاقة جديدة في ملحمة صراع العروش، فهل تصل إلى نهايتها؟؟" في إشارة واضحة إلى استمرار الجدل واستبدال المرشحين واحدا تلو الآخر.
انطلاقة جديدة في ملحمة صراع العروش
فهل تصل الى هدفها ؟؟— د.محمد اقبال الصيدلي (@MIAlsaidaly) April 9, 2020
كما غرّد السياسي البارز في تحالف متحدون للإصلاح "أثيل النجيفي" قائلا: "هل وصلت الدولة العراقية لهذا العجز والفشل بسبب اختلاف الكتل السياسية؟ أم بسبب توافقاتها ومبدأ (رضيني وأرضيك)؟؟ وأضاف النجيفي: "لا يهم علاوي.. الزرفي.. الكاظمي.. المهم.. هل سنبدأ عهدا يتقاطع مع الفاسدين ويغضب الدائرين في الدوامة الإيرانية؟ .. أم سيغرق عبد المهدي الجديد في الفشل المتراكم؟"
هل وصلت الدولة العراقية لهذا العجز والفشل بسبب اختلاف الكتل السياسية؟ ام بسبب توافقاتها ومبدأ ( رضيني وأرضيك ) ؟؟
لا يهم علاوي .. الزرفي .. الكاظمي .. المهم .. هل سنبدأ عهدا يتقاطع مع الفاسدين ويغضب الدائرون في الدوامة الايراني ؟ .. ام سيغرق عبد المهدي الجديد في الفشل المتراكم ؟— Athil Alnujaifi (@AthilAlnujaifi) April 9, 2020
تشير جميع الوقائع مع المكلفين السابقين (علاوي والزرفي) إلى أن حظوظ كليهما كانت كبيرة بداية تكليفهما بتشكيل الحكومة، إلا أنه وبعد مضي أسبوع أو اثنين تبدأ كتل معينة بوضع العصي في دولاب تكليفهما.
وفي هذا الصدد، يقول أستاذ العلوم السياسية "ليث سعد الله" في حديثه لوكالة "يقين" إن الكتل السياسية الشيعية ترى في شخص "عادل عبد المهدي" أنه آخر الشخصيات السياسية التي تبوأت منصب رئاسة الوزراء والتي كانت من المطيعين للولي الفقيه في البلاد.
ويضيف سعد الله، أن العملية السياسية في البلاد خلال عام 2020 لم تعد كما كانت لأسباب عدة، مضيفا أن أولها يتمثل بسطوة الميليشيات المسلحة على القرار السياسي الشيعي والتي كانت غائبة عن المشهد السياسي قبل عام 2014، لافتا إلى أن وجود تلك الميليشيات كان ينحصر في العمليات الأمنية والعسكرية والتهجير وغيرها، إلا أنه ومنذ تشكيل الحشد الشعبي باتت لكثير من هذه الفصائل واجهات سياسية تختلف عما كانت موجودة في البرلمان من قبل، فضلا عن تغلغل هذه الميليشيات في الملف الاقتصادي في العراق، وبالتالي استحواذها على كثير من مقدرات الدولة، إذ تخشى هذه الفصائل من مجيء أي رئيس وزراء لا يلبي طموحات هذه الفصائل، بحسبه.

ويختتم سعد الله حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى أن الكتل السياسية السنية والكردية أعلنت تأييدها لتكليف الكاظمي، وهذا ما حصل مع المكلفين السابقين، إلا أن من يحدد مصير الكاظمي هي كتلة الفتح التي قد تشهد انقلابا مفاجئا في الموقف طبقا لأحداث قد تشهدها العملية السياسية أو الملف الأمني في قابل الأيام، بحسبه.
من جانبها، عدت النائب عن تحالف القوى "انتصار الجبوري" في حديثها لوكالة يقين، تكليف الكاظمي محاولة من الكتل الشيعية للتوافق على شخصية معينة، بعد أن شهدت هذه الكتل انقسامات كبيرة حول تكليف علاوي ومن بعده الزرفي.
"موافقة السنة والكرد على الكاظمي جاءت بعد توافق الكتل الشيعية عليه وترشيحه بقوة للمنصب"
وتضيف الجبوري أن موافقة السنة والكرد على الكاظمي جاءت بعد توافق الكتل الشيعية عليه وترشيحه بقوة للمنصب، بحسبها.
أما الخبير الأمني "رياض الزبيدي" فيرى أن موافقة كتلة الفتح وترشيحها للكاظمي فيه الكثير من علامات الاستفهام، إذ كيف سيمرر الكاظمي وكتائب حزب الله المقربة من الكتلة كانت قد اتهمت الكاظمي بمسؤوليته عن اغتيال سليماني والمهندس؟ متسائلا أيضا: "هل سيمرر الكاظمي هذه المرة أم ستصطنع كتائب حزب الله وغيرها ملفات جديدة للإطاحة به أيضا؟".
وعلى الرغم من أن حظوظ الكاظمي تبدو أكبر من سابقيه، إلا أن الزبيدي يعتقد أنه لن يمرر كذلك لمنصب رئاسة الوزراء، وبالتالي ستعود الكرة مرة أخرى بعد شهر من الآن، ليواصل "عادل عبد المهدي" مهام حكومته المستقيلة، لافتا إلى أن عبد المهدي يعد أكثر رئيس وزراء خدم الميليشيات والفصائل المسلحة، بحسبه.
هي معضلات سياسية ومصالحية واجهها كل من علاوي والزرفي، ويبدو أن الكاظمي ليس ببعيد عنها، في ظل انعدام البوصلة الوطنية لجميع الكتل السياسية بعد 17 عاما على تلك العملية السياسية التي جاءت على ظهر الدبابة الأمريكية في الـ 9 من نيسان/ أبريل 2003.