في حلقة جديدة تكشف حجم الاستباحة الممنهجة للمال العام وتغول الفساد في مفاصل الدولة، أصدرت محكمة جنايات صلاح الدين حكماً بالسجن سبع سنوات بحق المدير العام الأسبق لدائرة صحة المحافظة. وبينما تبدو العقوبة قانونية، إلا أن تفاصيل القضية تسلط الضوء على ظاهرة "الفساد المحمي" الذي تغلغل في دوائر الدولة عبر شبكات مرتبطة بمتنفذين وميليشيات تفرض سطوتها على العقود والمخصصات المالية.
كشفت التحقيقات أن المتهم لم يكتفِ بمخالفة الضوابط، بل تعمد الإضرار بمصالح الدائرة عبر صرف مبلغ 20 مليار دينار عراقي كانت مخصصة لشراء أجهزة طبية منقذة للحياة، وتحويلها إلى أغراض أخرى غير معلومة أو خارج سياقات الوزارة. هذا التلاعب الصارخ يعكس واقع الفساد المستشري في المؤسسات الخدمية، حيث تذهب ميزانيات التجهيز الطبي إلى جيوب "الحيتان" بدلاً من المستشفيات، تحت غطاء من النفوذ الذي يمنع المحاسبة الفورية.
تأتي هذه القضية كنموذج لملفات كبرى تعطلت طويلاً بسبب الحماية التي توفرها أطراف مسلحة وجهات متنفذة لبعض المسؤولين، مما يجعل من الدوائر الحكومية "إقطاعيات مالية" تابعة لمصالح حزبية وميليشياوية. إن انفراد المدير العام بصرف هذه المبالغ الضخمة دون موافقة وزارة الصحة يثبت وجود "شبكة ظل" تمنحه الجرأة على تجاوز القانون، واثقةً من الإفلات من العقاب لسنوات طويلة.
وعلى الرغم من صدور الحكم وفق المادة (340) من قانون العقوبات، وبدلالة مواد الاشتراك (47 و48 و49)، إلا أن مراقبين يرون أن استرداد الـ 20 مليار دينار يظل التحدي الأكبر، خاصة في ظل نظام يتيح للمتنفذين تهريب الأموال أو تبييضها. وقد أعطت المحكمة الحق لوزارة الصحة بالمطالبة بالتعويض أمام المحاكم المدنية، في محاولة لترميم ما دمره الفساد المؤسسي.