وجد العراق نفسه أمام اختبار جيوسياسي واقتصادي بالغ الدقة، إثر إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن أوسع حزمة عقوبات تستهدف إيران منذ سنوات، متضمنةً تلويحاً بعقوبات ثانوية مشددة ضد أي أطراف تواصل تعاملاتها المالية مع طهران.
وتأتي هذه التطورات لتضع الحكومة العراقية في معادلة معقدة؛ فهي ترتبط مع جارتها الإقليمية بشبكة واسعة من إمدادات الغاز، والكهرباء، والتجارة الحدودية، وفي المقابل تعتمد كلياً على النظام المالي الأمريكي القائم على الدولار لتصريف عائداتها النفطية وحمايتها من الانهيار.
أفاد مصدر رفيع المستوى في مكتب رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، بأن الحكومة تعتزم الالتزام بالحزمة الجديدة، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى تحصين الاقتصاد المحلي ضد أي هزات ارتدادية. وأوضح المصدر أن رئيس الوزراء وجه فريقه الاقتصادي –المؤلف من وزراء الكهرباء والمالية والنفط، إلى جانب المستشارين الماليين– بصياغة حلول عاجلة أو التقدم بطلب رسمي للحصول على استثناءات من الإدارة الأمريكية.
من جانبها، تستهدف العقوبات الأمريكية الجديدة قطاعات حيوية تشمل الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن البحري، وتطال نحو 60 شخصية وكيانًا وقطعة بحرية، ضمن حملة عُرفت بـ"عملية النبذ الاقتصادي"، مع إلغاء التراخيص العامة السابقة التي كانت تتيح تحويلات محدودة مرتبطة بإيران. وعلى الرغم من حساسية الموقف، لم تصدر بعد أي مواقف رسمية معلنة من الحكومة العراقية أو البنك المركزي حيال هذه التطورات.
يؤكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن التبادل التجاري الاستهلاكي والحدودي يمكن تعويضه عبر أسواق بديلة، مشيراً إلى عدم وجود علاقات مصرفية رسمية مباشرة مع إيران منذ سنوات الحصار الأولى. غير أن التحدي الأكبر يكمن في ملف "الغاز الطبيعي"، حيث يعتمد العراق كلياً على الغاز الإيراني لتشغيل محطات توليد الكهرباء لغياب البنى التحتية الكفيلة بمعالجة الغاز المصاحب محلياً.
ويأتي هذا الاختبار بعد سلسلة من الضغوط الأمريكية المتراكمة، تمثلت في إنهاء واشنطن لإعفاءات الطاقة المتكررة في مارس 2025، ما أدى إلى مخاوف جدية لدى وزارة الكهرباء من انقطاع الإمدادات، وهو ما قد يتحول من مجرد أزمة خدمية إلى تهديد مباشر لاستقرار حكومة الزيدي.
على الصعيد السياسي، يرى خبراء ومصادر مقربة من الإطار التنسيقي أن العقوبات تهدف في عمقها إلى قطع قنوات التمويل الإقليمية للفصائل المسلحة، ومحاصرة الشخصيات العراقية الموالية لطهران.
وفي السياق ذاته، يوضح رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، أن العراق يُعد إلى جانب الصين وروسيا والهند من أكثر الدول عرضة للتأثر بهذه الإجراءات، لا سيما وأن طهران تعتمد على الجغرافيا العراقية للالتفاف على العقوبات. ولفت الشمري إلى وجود شبكات مصرفية ومراكز مالية غير رسمية تابعة لإيران داخل العراق، مما يضع بغداد أمام حرج بالغ؛ فإغلاق هذه المؤسسات يتطلب وقتاً طويلاً، في حين أن بقاءها يثير غضب واشنطن التي سبق وأن فرضت عقوبات على مصارف عراقية عدة خلال الأعوام الماضية بسبب شبهات غسل أموال وتمويلات إقليمية.
وبهذا، تجد بغداد نفسها محاصرة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الامتثال التام للعقوبات وما يتبعه من أزمات طاقة خانقة وشلل في قطاع الكهرباء، أو المخاطرة بالتعرض لعقوبات ثانوية قاسية تعزل النظام المالي العراقي عن النظام العالمي.
المصدر: موقع الحرة الأمريكي + يقين