هيئة علماء المسلمين في العراق تصف الإعلان الأمريكي الأخير بشأن إنهاء المهام العسكرية بـ "المسرحية المتكررة" لترسيخ التبعية

وكالة يقين
1 تشرين الأول، 2026

شككت هيئة علماء المسلمين في العراق في جدية الإعلان الأخير لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) الصادر في 30 أيلول/سبتمبر 2026، والذي نص على "انتهاء المهمة العسكرية" واختتام عمليات التحالف الدولي في البلاد، معتبرة إياه حلقة جديدة في سلسلة إعلانات متكررة تفتقر إلى الواقعية والمصداقية منذ احتلال العراق عام 2003.

وفي بيان رسمي حمل الرقم (1644)، استعرضت الهيئة التناقضات التاريخية للإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ بدءًا من إعلان جورج بوش الابن عام 2003 مرورًا بإعلان باراك أوباما عام 2010 وجو بايدن عام 2021، وصولًا إلى الطرح الأمريكي الأخير، مشيرة إلى أن الميدان العراقي شهد طوال العقدين الماضيين عمليات عسكرية مستمرة غابت عنها سيطرة الحكومات المتعاقبة بمعزل عن الدعم القتالي واللوجستي الأمريكي والتحالف الدولي.

وانتقد البيان بشدة تعاطي الحكومات العراقية المتعاقبة - ولا سيما الحكومة الحالية - مع هذه الإعلانات، واصفةً إياها بـ "التبعية المحضة" التي تتزامن مع ترويج مزاعم "السيادة والاستقلال" الوهمية. ولفتت الهيئة إلى أن إخفاق الحكومة في معالجة ملفات حساسة كالميليشيات المرتبطة بإيران يمنح الذريعة لعودة التدخلات العسكرية أو استدعاء شماعة "الإرهاب" كلما شعر النظام السياسي باهتزاز ظهيره الدولي.

وفي تحليلها للمشهد السياسي، رصدت هيئة علماء المسلمين تحولاً في نمط التخادم بين واشنطن وأدوات النفوذ الإقليمي في العراق؛ حيث تتبع الإدارة الأمريكية سياسة إقصائية حادة تجاه قوى المقاومة الحقيقية، متغاضية في الوقت ذاته عن فصائل وميليشيات ترفع شعارات المقاومة ضمن قواعد اشتباك لا تمس المصالح الأمريكية، في محاولة لتبادل الأدوار والمكاسب على حساب الشعب العراقي الذي يدفع الفاتورة الدموية والاقتصادية لهذه الصراعات.

وختمت الهيئة بيانها بالتأكيد على أن المشهد الجديد من "مسرحية السيادة" لن يختلف عن سابقاته، محذرة من أن النظام السياسي بات مدمناً على تكرار الأزمات وخطابات الفوضى، ومشددة على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي والخلاص الناجز يبقى رهناً بإرادة أبناء الشعب العراقي وقواه الحية وحدها.

نص البيان:

بيان رقم (1644)
المتعلق بانسحاب قوات الاحتلال الأمريكي وما تُسمّى (أيّام السيادة) في العراق

 
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد:
 
فقد أعلنت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) يوم الأربعاء (30/ 9/ 2026م) مجددًا ما سمّته "انتهاء المهمة العسكرية" واختتام عمليات (التحالف الدولي) الذي تقوده واشنطن في العراق، وذلك للمرة الرابعة منذ احتلال العراق سنة (2003م)؛ حيث تكرر هذا الإعلان من جانب الإدارات الأمريكية في عهد رؤسائها: (جورج بوش/الابن) في أيار/مايو 2003م) الذي نصَّ على عبارة: "انتهاء العمليات الكبرى"، و(بارك أوباما) في (آب/أغسطس 2010م)، الذي زعم: "انتهاء المهمات القتالية والتحوّل إلى عمليات غير قتالية"، و(جو بايدن) في (كانون الأول/ديسمبر 2021م)، الذي قال بـ "انتهاء المهمة القتالية لقوات التحالف، والتحوّل للاستشارة والتدريب"؛ ليأتي هذا الإعلان الجديد مرة أخرى في سياق السلسلة عينها بإعلان الولايات المتحدة عن "مغادرتها العراق" وتصريح التحالف الدولي بما وصفه "انتقال جيوشه إلى مرحلة أخرى من التعاون"!.
 
وعلى مدى عقدين وأكثر من الزمن؛ لم تكن تصريحات أيٍّ من الرؤساء الأمريكيين هؤلاء صادقة أو واقعية؛ حيث شهدت الحالة الميدانية في العراق عمليات عسكرية وقتالية على جبهات عدة داخلية وخارجية، ولم تظفر حكومات بغداد على تعاقبها في هذه السنوات بشيء من التحكم والسيطرة في المعارك لا على الأرض ولا في الجو، إلا تحت إشراف الولايات المتحدة والتحالف الدولي، ودعمهما القتالي واللوجستي والاستخباري.
 
 لكن تكشف هذه الحكومات -في كل مرّة- عن تبعيتها المحضة للمحتل؛ وتلازم إعلانات (سيادتها) وتبجحها بـ (استقلالها)، مع كل إعلان أمريكي حتى وإن لم يكن حقيقيًا؟! ولا سيَّما في حقبة حكومتي الاحتلال الرابعة والخامسة، التي أبرمت الأولى منهما اتفاقية الإذعان سنة (2008م)، وأعلن رئيسهما (نوري المالكي) أكثر من مرّة ما سمّاه "عيد السيادة الوطني" بين سنتي (2008–2011م)، وتبعه في ذلك (خَلَفُه) ممن مُنحوا فرصة الإمساك بلجام الحكومات المتعاقبة الأخرى؛ لتعود حكومة الاحتلال العاشرة اليوم إلى المنوال نفسه في التعاطي مع المشهد، معلنة (أيام السيادة) التي لا تبدو أنَّ فيها ما يميزها عن سابقاتها، فضلًا عن نقضها للادعاءات السالفة بالسيادة، ودلالتها على كذب مطلقيها، ولا سيَّما مع تعثر هذه الحكومة وتأخرها في معالجة ما أنيط بها من ملفات -حتى الآن- كملف الميليشيات المرتبطة بإيران، الذي من شأنه صناعة تبرير آخر لـعودة عمليات قوّات الاحتلال الأمريكي أو (قوات التحالف)، وفق ما تقتضيه الاتفاقية الأمنية، فضلًا عن التحضير لشمّاعة (الإرهاب) واستدعائها في كل مرحلة يجد النظام السياسي القائم في العراق فيها نفسه على وشك فقدان ظهيره الدولي المرتبط به وجودًا وعدمًا.
 
ويجد الناظر الفاحص للمشهد، تحوّلًا على نمط متطور من حالة التخادم بين الولايات المتحدة وأدوات إيران في العراق؛ حيث إنَّ واشنطن -بمعية حلفائها- كانت طوال السنوات الماضية تتعامل مع المقاومة العراقية الحقيقية، وظهيرها من القوى المناهضة للاحتلال؛ تعاملًا حدّيًا لا مرونة فيه، وإقصاءًا متطرفًا، متخذة من مظلة (الإرهاب) و(التمرد) وصفًا لتصمهما بهما، وتجريمًا تتخذ منه ذريعة لإسكاتهما وإخفاء تأثيرهما أمام الرأي العام، على الرغم من أن واشنطن -فيما يبدو- تكاد تكون توقن بصحة استشرافهما لمآل العملية السياسية في العراق، وحقيقة الهيمنة الإيرانية على القرار العراقي؛ ولكنها تبحث بالمقابل عن ذرائع لإسقاط حجج الميليشيات الإرهابية التي تتحكم بها طهران، وتتغاضى عن شعارات (المقاومة) المدّعاة لهذه الميليشيات، مع يقين الطرفين بأنها قائمة على الالتزام بقواعد اشتباك لم تسبب أدنى ضرر لأمريكا ولا لتحالفها الدولي.
 
إنّ الادعاءات التي نشأ عليها النظام السياسي، صريحة ومعلنة، ولا يخجل أصحابها من إطلاقها، ثم إخلافها، ثم العودة إليها -يستوي في ذلك المتحكم الدولي والفاعل الإقليمي والمنفذ المحلي- في سياق محاولات الاستغفال المستمرة لأبناء الشعب العراقي، الذي ما يزال ضحية صراعات القوى المتحكمة في المشهد، ويدفع من دمائه وحرّياته وحقوقه وشؤون حياته كلّها ثمنًا باهظًا للنزال القائم على المصالح والمكاسب.
 
وعلينا أن ندرك جميعًا: أنَّ المشهد الجديد من مسرحية (السيادة) لن يكون مختلفًا عمّا سلف؛ فالنظام السياسي القائم في حالة إدمان على: التكرار، والتناقض، ومولّدات الفوضى من: خطاب طائفي، ونزاع سياسي، واضطراب أمني، وأنَّ مزاعم الوصول فيه لمحطة من شأنها تحقيق الاستقرار سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا؛ هو أبعد ما يكون عن الحقيقة، وأنَّ الساحة العراقية أمست مفتوحة على جميع الاحتمالات؛ ليبقى قرار السيادة الحقيقي، والحرية التامة، والخلاص الناجز بأيدي أبناء الشعب العراقي وقواه الحية البارة ببلدها وأهلها وأمتها ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:21].


 
الأمانة العامة
19/ربيع الآخر/1448هـ
30/ 9/ 2026م

menu-circlecross-circle