في خضم أزمة اقتصادية خانقة تعصف بالعراق جراء تداعيات التوترات الإقليمية، تلاحقت الاتهامات للأحزاب السياسية الحاكمة باستغلال معلومات سرية مسربة لتحقيق مكاسب مالية ضخمة. وكشفت تقارير استقصائية نشرتها قناة “الحرة” أن جهتين سياسيتين عراقيتين على الأقل أقدمتا على شراء كميات ضخمة من العملة الصعبة من السوق المحلية قبل ساعات من إعلان الحكومة رسمياً في السابع من أكتوبر/تشرين الأول رفع سعر صرف الدولار.
وأقدم البنك المركزي العراقي، يوم الأربعاء، على رفع السعر الرسمي لصرف الدولار لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، ليبلغ سعر البيع للجمهور 1520 ديناراً لكل دولار، مقارنة بـ 1320 ديناراً مُثبّتة منذ فبراير/شباط 2023. وقبل الإعلان الرسمي، كان سعر السوق الموازية قد تجاوز 1600 دينار، ليتخطى حاجز 1700 دينار فور إعلان القرار.
وفي شهادته لقناة “الحرة”، أكد النائب السابق في البرلمان العراقي، حسين عرب، أن عمليات شراء مكثفة جرت قبل القرار بساعات بلغت نحو 150 مليون دولار أمريكي، مشيراً إلى أن “كتلتين شيعيتين استغلتا الأمر”، دون الخوض في تفاصيل إضافية. من جانبه، أفاد عضو في أحد أحزاب "الإطار التنسيقي" (الائتلاف الشيعي الحاكم) -شرط عدم كشف هويته- بأن جميع القوى السياسية تورطت في شراء الدولار مستغلة تسريب موعد القرار، وهو ما تدعمه مؤشرات ارتفاع السعر في السوق الموازية إلى 160 ألف دينار لكل مئة دولار خلال الأسبوعين السابقين للقرار. كما حصلت “الحرة” على معلومات تفيد بأن الإطار التنسيقي وافق على رفع السعر أولاً قبل أن تقره الحكومة رسمياً.
وفي السياق ذاته، نقلت “الحرة” عن مصدر على ارتباط بالبنك المركزي العراقي (فضل عدم ذكر اسمه) قوله إن نحو 500 مليون دولار أُشتُريِت من الأسواق منذ يونيو/حزيران الماضي، مما يؤكد أن قرار تعديل سعر الصرف أُقر ضمنياً منذ فترة وتأجل تنفيذه. ولم يتلقَّ موقع “الحرة” رداً من المكتب الإعلامي للبنك المركزي حول هذه الاتهامات حتى ساعة نشر التقرير.
يأتي هذا القرار في وقت يعاني فيه العراق من شح حاد في الموارد المالية نتيجة تراجع صادرات النفط، المعتمد الأساسي لتمويل ميزانية الدولة ورواتب الموظفين والمتقاعدين (الذين يشكلون نحو 20% من إجمالي السكان البالغ عددهم أكثر من 46 مليون نسمة). وقد تفاقمت هذه الأزمة بسبب اضطرابات حركة الشحن في مضيق هرمز على خلفية الحرب الإقليمية الممتدة منذ فبراير/شباط الماضي. وتُظهر بيانات مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن "الشفافية الدولية" حجم التحديات الهيكلية التي تواجه البلاد، حيث حل العراق في المرتبة 136 عالمياً برصيد 28 نقطة من أصل 182 دولة.
وفي تعليقه على الظاهرة، أوضح وزير الاتصالات الأسبق، محمد توفيق علاوي، في مقابلة مع برنامج “ساعة بغداد” على قناة “الحرة”، أن الجهات التي اشترت الدولار تنتمي لأحزاب مشاركة في العملية السياسية تمتلك أموالاً طائلة ناتجة عن صفقات سابقة، مما يتيح لها استباق القرارات السيادية.
بدورها، رأت المستشارة السابقة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، سلام سميسم، في تصريحات لـ “الحرة”، أن الأزمة لا تقتصر على السياسيين فحسب، بل تمتد لتشمل متعاملين في مزاد العملة ومضاربين استندوا إلى "نظرية التوقعات" واستفادوا من تسريب الشائعات لتحقيق أرباح سريعة على حساب المال العام.