غبار المعركة لم ينقشع بعد ، مازالت الدبابات تطلق قذائفها والطائرات تلقي قنابلها والمدافع تدك مختلف مناطق الموصل بلا رحمة ، فاعداد القتلى لا تمثل رقما يعتد به في نظر المهاجمين وتهجير الآلاف من دورهم ووضعهم في مخيمات غير انسانية لا يحرك ضمير العالم والجرائم الطائفية تتم تحت أعين قوات التحالف الدولي ومباركتها ومشاركتها اما المنظمات الدولية فلا تتحرك الا عبر تقارير خجولة تعترف بالجرائم لكنها لا تغير من المعادلة شيئا.
اقتحام أحياء الموصل القديمة المكتضة بالسكان
عمليات القوات المشتركة وصلت الى المدينة القديمة في الجانب الأيمن من الموصل حيث اقتحمت منطقة السرجخانه وشارع نينوى المؤدي الى الجسر القديم الا انها تواجه صعوبة في التقدم لاسيما في المدينة القديمة ذات الأزقة الضيقة ، فيما اقتحمت قوات مكافحة الإرهاب مناطق واحياء الفاروق الثانية وحضرة السادة والاحمدية وجامع النوري ومنارته ، وجامع عمر الأسود ، ومستشفى البتول ، ومبنى رعاية القاصرين ، والكورنيش ، وسوق الأربعاء ، والسرجخانة، مع استمرار العمليات التي تستهدف اقتحام مناطق اخرى لا تزال تحت سيطرة مسلحي (تنظيم الدولة)، كرأس الكور ، والخاتونية ، وعبد خوب ، والشهوان ، والميدان ، والنبي جرجيس ، القليعات ، الإمام إبراهيم ، شارع النجفي ، وأجزاء من منطقة باب الطوب.
خسائر كبيرة للقوات المشتركة وميليشياتها
اقتحام الاحياء المتبقية من الجانب الايمن من الموصل لم يكن بالأمر السهل رغم الحشود الضخمة التي حضرت من كل حدب وصوب لهذا الغرض فميليشيا الحشد الشعبي التي تساند القوات المشتركة تكبدت خسائر كبيرة في الارواح والعتاد وكان اخرها تعرض مجموعة من مقاتليه في لواء ١٣ ( الطفوف) لهجوم ، أسفر عن مقتل وجرح 16 منهم ، ومقتل 32 عنصرا من القوات المشتركة بهجمات استهدفتهم في في شارعي حلب والكورنيش واطراف باب الطوب بايمن الموصل ،ومنطقة المشاهدة واطراف باب الطوب وشارع الكورنيش في ايمن الموصل، وهي مجرد امثلة بسيطة لخسائر ضخمة منيت بها القوات المهاجمة والتي تحاول التعتيم عليها.
انتهاكات متكررة للقوات المشتركة وميليشياتها
الانتهاكات والتجاوزات بحق المدنيين كانت سمة القوات المشتركة الدائمة في عملياتها ، فالشرطة قامت بعمليات سرقة ونهب لمنازل أهالي حي الثورة في الجانب الأيمن من مدينة الموصل باستخدام تريلات ولوريات في الجانب الايمن من الموصل، وداهمت القوات منازل المواطنين في حي اليرموك بحملة ظالمة تعسفية وبحجج واهية، وتخللت حملة المداهمات الكثير من الاعتداءات جاءت بدوافع انتقامية.
الاعتداءات طالت النازحين الفارين من مناطق القتال والذين واجهوا اساليبا تعسفية من القوات المشتركة والميليشيات عند السيطرات في المناطق المقتحمة من مدينة الموصل مركز محافظة نينوى ، التي تحولت الى جحيم بمجرد وصول النازح اليها، حيث تسببت هذه المضايقات في وفاة خمسة اشخاص بعد اغلاق القوات المشتركة للسيطرة المعروفة باسم العقرب ويتعرض المواطنين لمضايقات كثيرة عند السيطرات المنتشرة قرب مدينة الموصل والتي تمارس ضغطا على النازح بمجرد وصوله اليها، بل ان القوات المشتركة فرضت حظرا للتجوال على كل من أحياء موصل الجديدة والعامل والرسالة غربي الموصل ومنعت الاهالي من النزوح من جحيم القصف والمعارك.
ابرز انتهاكات القوات المشتركة كان تدمير جامع النوري ومنارته الحدباء التاريخية والذي كان رمزا لهوية المدينة وهو العمل الذي لاقى ادانة واسعة من منظمات دولية عدة برزها منظمة الثقافة والفنون التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) والتي اعتبرت هذا العمل مأساة انسانية وثقافية وعمل وحشي يضاف الى تاريخ الجرائم ضد الحضارة الإسلامية والإنسانية في العراق.
سقوط الضحايا من المدنيين وباعداد كبيرة امر لا تأبه له القوات المشتركة كثيرا ، فالقصف لا يفرق بين رجل وطفل وامرأة بل تسقط القنابل بشكل عشوائي لتهدم منازل بأكملها وتبيد عائلات وتدمر منازل وتخلف جثثا قابعة تحت الانقاض بلا اي مراعاة لوجود كثافة سكانية عالية في احياء الموصل التاريخية الضيقة .
اخر احداث القصف العشوائي كان سقوط قرابة 500 قتيل وجريح خلال الاسبوع الاخير فقط من العمليات ففي قصف على احياء المدينة القديمة بالجانب الايمن من الموصل راح ضحيته 82 مدنيا كما قتل نحو 75 مدنيا على يد القوات المشتركة وميليشياتها في المحور الجنوبي لمدينة الموصل، وسقوط نحو 20 قتيلا وجريحا ،. اثر وقوع قذائف الهاون على سوق الموصل الجديدة قرب جامع فتحي العلي.،في وقت قتل وجرح فيه نحو 40 شخصا في تفجيرين متزامنين وقعا ، في سوق المثنى في الجانب الايسر من الموصل، وكان اغلب الضحايا من الاطفال والنساء، فيما قتل خمسة اشخاص ، بانفجار عجلة مفخخة في منطقة الخاتونية وسط مدينة الموصل مركز محافظة نينوى وهي مجرد امثلة على الهجمات التي طالت مدنيين خلال الاسبوع المنصرم .
ضحايا تحت الأنقاض
فرق الدفاع المدني انتشلت ايضا اكثر من 200 حثى خلال ثلاثة ايام لعوائل قضت نحبها بعد قصف للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على منازلهم في منطقتي الزنجلي والشفاء بايمن الموصل مؤكدة ان هنالك العديد من الجثث لم تستخرج بعد إما بسبب تعذر وصول الآليات الضخمة أو لعدم الاستدلال على مكانها بعد.
عضو البرلمان عن محافظة نينوى “محاسن حمدون” اقرت من جهتها بوجود مئات الأشخاص تحت الأنقاض في أيمن الموصل مازالوا أحياء ولم يتم إنقاذهم، لافتة إلى أن منهم من مات ومنهم من يطلب النجدة، مشيرة الى ان قوات الدفاع المدني في الموصل لا تكفي لسد الكارثة، وتعمل بسيارات وآليات قليلة جدًا ، مبينة كما أن جميع رجال الدفاع المدني يعملون بدون رواتب.
استمرار العمليات العسكرية حال دون انتشال العديد من الجثث من تحت الانقاض ومع ارتفاع درجة الحرارة التي تتخطى 40 درجة مئوية فإن رائحة العفن المنبعثة من الجثة المتورمة والمدفون نصفها، باتت لا تحتمل، في ظل تصاعد دوي قذائف الهاون وطلقات الرصاص والصواريخ لا تزال تتصاعد في المدينة وارتفاع أنقاض الأسقف أو واجهات المباني التي تضررت جراء المعارك العنيفة في الشوارع الضيقة، إلى أمتار عدة أحيانًا، فقد سويت مبان عدة بالأرض تماما ، فيما تتدلى منها كابلات الكهرباء بشكل خطير، وصار حيا مثل حي الفاروق عبارة عن مجموعة من المباني المدمرة وشوارع مغطاة بالأنقاض وجبال الركام بينما يؤكد الناجون من عمليات الموصل العسكرية ان غالبية الأسر فقدت قريباً أو أكثر، و أن عائلات بأكملها لجأت إلى أقبية منازل ، وقتلت جراء القصف وعشرات الجثث ما تزال عالقة بين أنقاض المباني المهدّمة .
محنة المحاصرين
الأحياء المتبقية في الجانب الأيمن غربي الموصل بمحافظة نينوى تبقى بها آلاف العائلات التي لا تزال محاصرة في المدينة القديمة غرب الموصل رغم تقدم القوات المشتركة ، ولم تتمكن من النزوح بسبب المعارك الضارية بين القوات المشتركة و(تنظيم الدولة) من جهة ، وبسبب عدم اقتحام تلك المناطق بشكل منتظم من جهة أخرى، حيث يحاصر أكثر من 50 ألف مدني ، أي نحو نصف سكان المدينة القديمة بالموصل ؛ في ظل نقص الغذاء والماء والأدوية.
نائب رئيس مجلس محافظة نينوى “نور الدين قبلان”، أقر بان هناك اكثر من 200 عائلة عالقة شمال غرب الموصل بانتظار نقلهم الى مخيمات النازحين مشيرا الى ان تلك العائلات تعاني ايضا من قلة وجود المياه والغذاء، وهذه العوائل فرت من قرى شمال قضاء تلعفر، وغالبيتهم من النساء والأطفال .
اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكدت من جهتها وجود عشرات الالاف من المدنيين، غير قادرين على الخروج من الموصل القديمة، مشددة على أن هناكَ تهديدٌ حقيقي، على حياةِ هؤلاء المحاصرين من المدنيين داخل المدينة.
موجات النزوح
الهجوم العنيف للقوات المشتركة ادت الى ارتفاع موجة النزوح فقد نزح اكثر من 10 الاف مدني خلال ثلاثة ايام فقط من من المدينة القديمة في أيمن باعتراف وزارة الهجرة والمهجرين ، التي اقرت ايضا بتجاوز أعداد النازحين من جانب الموصل الأيمن 725 ألف مدني ، ليرتفع بذلك مجمل عدد النازحين من جانبي الموصل الأيمن والأيسر إلى أكثر من 960 ألف مدني.
جريمة الهجوم على الموصل كانت ولا تزال حدثا فريدا في بشاعته ووحشية ، ولا يمكن تفسير طريقة الاعتداء على المدينة وكثافة الهجوم عليها وعشوائية القصف سوى ان المطلوب كان محو المدينة عن بكرة ابيها ، فيما يصمت العالم امام هذه الجرائم دون مبرر سوى رغبة القوى العالمية والإقليمية في الانتقام من تاريخ العراق وحضارته واهله وحتى اثاره.