لا يكاد يمر يوم على العراقيين دون كارثة تصيبهم في مقدراتهم أو أنفسهم أو أولادهم، وفاجعة حريق مستشفى ابن الخطيب السبت الماضي لم تكن الأولى ولا يتوقع أن تكون الأخيرة في أجواء الفساد المستشري في البلاد على جميع المستويات . وتسبب الحريق بمصرع 90 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من 120 من المصابين بفايروس كورونا ومرافقيهم حرقاً واختناقاً في آخر حصيلة للحريق. وهذه الفاجعة وإن كانت نتيجة طبيعية لأجواء الفساد وحدوث مثلها متوقع مع الجائحة وبدونها إلا أن ظروف انتشار الفيروس وكونها مستشفى متخصص بعزل المصابين فاقم الأزمة وزاد من مأساتها. ورغم أن انتشار الفيروس أصبح جائحة عالمية، إلا أن عدد ضحاياها وحجم الأضرار الإقتصادية الناجمة عنها يختلف من بلد لآخر ويتنساب مع حجم الإستعداد لها من قبل الجهات المسؤولة في الدولة سواء فيما يتعلق بالأجهزة والمعدات الطبية اللازمة لمواجهة تحدٍ بهذا الحجم، أو في وسائل الحماية داخل المستشفيات والتي يفترض أن تكون متوفرة بكل الظروف، مثل أجهزة مكافحة الحريق، أو في حجم التوعية بخطورة التهاون في إجراءات الوقاية، في مجتمع تبلغ فيه نسبة الأمية مستويات قياسية. واعترف مديرالدفاع المدني في اتصال هاتفي مع إحدى القنوات الفضائية إن المستشفى "لم يكن يمتلك نظام حماية من الحريق والأسقف المستعارة سمحت بامتداد الحريق إلى مواد شديدة الاشتعال". مؤكداً أن "معظم الضحايا لقوا حتفهم لأنهم نقلوا أو حرموا من أجهزة التنفس الاصطناعي بينما اختنق آخرون بالدخان".
ماذا يمكن أن يفضي تشكيل اللجنة التحقيقية التي شكلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، سبقتها لجان كثيرة في قضايا جنائية وأمنية لم تعلن حتى نتائجها
سحب اليد بدل الإقالة
ولاذ المصابون بالفايروس بهذا المستشفى طلباً للحماية وأملاً باكتساب الشفاء ولم يخطر ببالهم أنهم سيموتون خنقاً وحرقاً وهو أمر يستدعي وقفة سريعة ، جادة وحازمة يعاد خلالها النظر بكل الآليات المتبعة ابتداء من طريقة اختيار المسؤولين في وظائف لها تماس مباشر بحياة الناس بعيداً عن المحاصصة والمحسوبية والحزبية، لكن ردود الفعل كانت وبحسب مراقبين متخصصين أقل كثيراً من المستوى المطلوب في حادثة كهذه ، فإلى ماذا يمكن أن يفضي تشكيل اللجنة التحقيقية التي شكلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، سبقتها لجان كثيرة في قضايا جنائية وأمنية لم تعلن حتى نتائجها ، وفي أحسن الأحوال قد تنتهي هذه اللجنة بإلقاء تبعات الحادث على موظف بسيط فيما يستمر كبار المسؤولين في مناصبهم . أما الإجراء الثاني الذي اتخذه الكاظمي فهو سحب يد وزير الصحة ، وبحسب المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة ناجي حرج فإن "سحب اليد الجوازي الذي تم تطبيقه على الوزير هو إجراء يتم اتخاذه بحق الموظف المحال إلى التحقيق الإداري، ولا يتجاوز مدة (٦٠) يوما، وبعد انتهاء هذه المدة يعاد الموظف المسحوبة يده إلى وظيفته السابقة نفسها، الا اذا كان هناك محذور، فينسب الى وظيفة أخرى".
ويتبع توزيع الحقائب الوزارية للمحاصصة الحزبية والطائفية ، وعليه فإن إقالة أي وزير ستصطدم بمصالح هذه الكتل ، ويرجح مراقبون أن هذا السبب جعل الكاظمي يتجه لسحب اليد بدل الإقالة.
ونقلت مصادر صحفية اتهامات متبادلة للأحزاب الحاكمة بالمسؤولية عن الحادث والتي يبدو أنها لاتريد تفويت الفرصة من أجل استثمار الحادث لأغراض انتخابية، دون أدنى احترام لأرواح الضحايا أو مراعاة لمشاعر ذويهم.
الحل في لجنة دولية
وكان بيان حكومي رسمي قد ذكر إن رئيس الوزراء قرر خلال جلسة استثنائية عقدها لمناقشة الحادث "سحب يد وزير الصحة (حسن التميمي) ومحافظ بغداد (محمد جابر العطا) وإحالتهما للتحقيق. ووسط حالة اليأس الشعبي من إيجاد حلول تضع حداً لمثل هذه الكوارث تداول ناشطون صوراً لتظاهرات قالوا إنها حملت لافتات كتب عليها "جريمة مستشفى ابن الخطيب كفيلة بإسقاط نظامكم الدموي".
ويرى السيد ناجي حرج إن "أي تحقيق ينفذ من جهات عراقية مهما كانت درجة قدرتها الفنية فأنها ستتعرض لضغوط و تهديدات وستكون نتائجها لا تختلف عن نتائج تحقيقات حريق مستشفى اليرموك عام 2016 و حريق غرفة عقود وزارة الصحة عام 2009 التي لم نرى طحينها رغم الجعجعة التي صاحبتها" مؤكداً ضمن تعليقه على الحادث على صفحته في الفيسبوك إن الحل يكمن في "استقدام جهة تحقيقية فنية عالمية مختصة للتحقيق في الحادث بشكل مستقل بعيداً عن اي تدخلات، وإلا سينتهى الموضوع على طريقة ما سبقه من المواضيع"
روايات شهود عيان
ونقلت مصادر صحفية عن شهود عيان كانوا حاضرين وقت وقوع الحريق مشاهداتهم بالقول إن الحريق وقع في ردهة العناية المركزة حيث كانت تغص بعدد من الرجال والنساء كانوا يتجولون بحرية بين الردهات بلا كمامات ، تبين أنهم مرافقون لمرضى يفترض أنهم معزولون عن المخالطة. وروت طبيبة من كادر المستشفى بدا عليها الإنهيار عند باب المستشفى ، في تسجيل مرئي ، إن إحدى المرافقات كانت تسخن الطعام داخل الردهة قرب قنينة الأوكسجين مما تسبب بالحادث. ولم يجد صحفيون نقلوا مشاهد الحريق تفسيراً للسماح لأي كان بالدخول إلى مكان خطر مثل ردهة العزل ، ناهيك عن تحضير الطعام داخل الردهة. وبغياب أجهزة إطفاء الحرائق في المستشفى وغياب آلية معتمدة لمواجهة مثل هذا الظرف، ومع تأخر وصول فرق الإطفاء قام المرافقون بعملية إجلاء ذويهم مما تسبب برفع عدد الإصابات. وبحسب رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية قتيبة الجبوري فإن عدد وفيات الحادث هو ضعف عدد المرضى الموجودين. ويقول طبيب متقاعد كان يعمل في مستشفى الرشيد العسكري قبل الإحتلال إنه في الظروف الطبيعية ، لم يكن يسمح حتى للأطباء العاملين في المستشفى الدخول الا بعد لبس صدرية خاصة وكفوف وغطاء رأس وأحذية بلاستيكية، مبدياً دهشته من السماح لمرافقين بلا كمامات بالتجول داخل الردهات بظروف خطرة مثل هذه الظروف.
رأينا بعد الحادث دخول "المتفرجين" والمتطفلين وأشخاص لا علاقة لهم بالحادث بينهم معممون يجوبون المكان حتى قبل بدء التحقيق الرسمي
لجنة ال 5 أيام
وعلق هذا الطبيب على طلب رئيس الوزراء من اللجنة التحقيقية تقديم تقريرها خلال خمسة أيام بأن حادثة بهذا الحجم توجب أن تقوم جهات متخصصة بدراسة الأدلة بشكل علمي وتجمع وتحلل عينات بعد أن تحدد مكان الحادث بأشرطة صفراء وتغلقه بشكل تام أمام الجميع لمنع أي تلاعب محتمل بالأدلة ، لكننا رأينا بعد الحادث دخول "المتفرجين" والمتطفلين وأشخاص لا علاقة لهم بالحادث بينهم معممون يجوبون المكان حتى قبل بدء التحقيق الرسمي، مؤكداً إن خمسة أيام لا تكفي لإظهار النتائج بأي شكل من الأشكال خاصة وإن اللجنة المكلفة بالتحقيق ليست لجنة قضائية، وإن أعضاءها ليسوا خبراء في التحقيق ولم يتدربوا عليه.
وكان المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء قد ذكر إن اللجنة المكلفة بالتحقيق ستكون برئاسة وزير الداخلية، وعضوية كل من وزير التخطيط ووزير العدل ورئيس هيئة النزاهة ورئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي وممثل عن مجلس النواب بصفة عضو مراقب.