نازحو "صلاح الدين" ببغداد.. بين ضغط الحكومة وبطش الميليشيات

قسم التقارير – بغداد

في مخيم للنازحين ببغداد تعيش أسرة كانت تملك بيتًا صغيرًا في ناحية "الصينية" بمحافظة "صلاح الدين"، كان الأب يعمل نجارًا في محل نجارة لخاله، والأم في الخياطة، ليكسبا قوتهما، ويساعدا بعضهما في بناء مستقبل أفضل لأبنائهم الأربعة، واضطرت العائلة للنزوح؛ بسبب العمليات العسكرية التي شهدتها منطقتهم، وتسبب القصف العشوائي بدمار جزئي لمنزلهم.

المواطن "أبو عمار" 43 عامًا، فقد ما كان يدخره بسبب الحصار الخانق، الذي تعرضت له مدينته وانعدام حركة الأسواق، حتى اضطر للجوء إلى أحد مخيمات النازحين في بغداد، ليهرب من الموت الذي كان يعيش فصوله كل ليلة تحت القصف، وعاشت العائلة ظروفًا إنسانية صعبة في مخيم يخلو من ظروف العيش المناسبة، وبدأ بالعمل في أحد كراجات وقوف السيارات لتأمين قوت عائلته.

وكان انفجار عبوة سببًا في اعتقال "أبي عمار"، حيث انفجرت تحت سيارة كانت في المرآب الذي يعمل فيه؛ مما أدى إلى توجيه أصابع الاتهام إليه لكونه نازحًا، حيث أصبح النزوح تهمة ترافق صفة الإرهاب، مما أدى إلى اعتقاله واختفائه من دون أن يتعرف أحد من عائلته على خبر منه، هل هو معتقل أم مقتول؟، اختفى "أبو عمار"، وبقيت عائلته تعيش معاناة اختفاء معيلها؛ ليزيد ذلك من معاناة تهجيرها.

فسحة العاصمة "بغداد" أمست قبرًا ضيّقًا على النازحين

"الاعتقال على الهوية"، جحيم كان ينتظر من كان يظن أن وجوده في بغداد يحافظ على حياته"

أما العاصمة بغداد -الصدر الرحب- والذي من المفترض أن يواسي المهجرين والمبعدين من مناطقهم، تحولت إلى مدينة للانتهاكات الإنسانية، حيث عجزت عن توفير حياة كريمة للنازحين، وعجزت عن مواساتهم في معاناتهم، كيف لا؟ وهي تعاني أساسًا من الاضطهاد والانتهاكات والخوف والعجز وتغيير الهوية، فهي أسيرة مكبلة بقيود الطائفية والحقد الذي فرضته عليها الجيوش الصفوية، حيث أنزعوها رداء السلام والتحضّر والتعايش، ليلبسوها شادر الحقد الدفين والتفرقة والتعصب.

ولجأ أهالي "صلاح الدين" إلى بغداد ليُطلَب منهم كفيل من سكنة بغداد، ويجدوا خيامًا بالية تحل محل منازلهم، فبدأت رحلة خيبة الأمل المؤلمة، وبدأت الأسئلة تتوارد على أذهانهم، هل بغداد جزء من العراق؟ وهل نحن أبناء هذا البلد فعلًا؟

فالنازحون تعرضوا إلى كافة أنواع الانتهاكات والتهديد في هذه المخيمات التي لا تصلح للعيش البشري، فلم تكتفِ الميليشيات بالسيطرة على اقتحام المدن فحسب؛ بل انتهجوا الاعتقالات القسرية بحق النازحين.

مداهمات على مخيمات النازحين ترعب أهلها

"الاعتقال على الهوية"، جحيم كان ينتظر من كان يظن أن وجوده في بغداد يحافظ على حياته، والمداهمات المستمرة أصبحت روتينًا يوميًا يعيشه سكان المخيمات البالية، التي تعاني نقصًا حادًا لمتطلبات الحياة، فكانت القوات المداهمة تجلب الرعب في نفوس النازحين، بدلًا من أن تشعرهم بالأمان، وتجلب مساعدات تشعرهم أنهم مواطنون ولديهم حقوق.

"لا يزال أهالي "الصينية" و"بيجي"، وبعض قرى الجزيرة -غرب تكريت- يُمنَعون من العودة لأسباب طائفية، والميليشيات هي من تتحكم بالقرار"

النازح "أحمد الجبوري" 42 عامًا، هرب من منطقته بمحافظة "صلاح الدين" إلى مخيم "الغزالية" ببغداد، اضطرّ للعمل خارج المخيم لتوفير لقمة عيش له ولأسرته المكونة من أربعة أطفال وأمهم وجدتهم، واعتُقِل أثناء توجهه إلى عمله عاملًا للبناء؛ من قبل ميليشيا كانت ترتدي زيًا رسميًا، وتستقل سيارات تحمل لوحات حكومية، وبعد شهر على اعتقاله أُطلِق سراحه بعد تعرضه للتعذيب المبرح، ومحاولات لانتزاع اعترافات منه بانتمائه لمجموعات مسلحة، وبعد خمسة أشهر؛ تعرضت نقطة تفتيش بالقرب من المخيم -حيث كان أحمد يقيم- إلى تفجير بعبوة ناسفة، فلجأت القوات الحكومية فورًا إلى مخيم النازحين لتنفيذ اعتقالات بحق شبابه، فاعتُقِل "أحمد" مرة أخرى، لكنّ هذه المرة ليس لانتزاع اعتراف منه بانتمائه لجماعات مسلحة؛ بل لتوجيه تهمة مشاركته في التفجير الذي استهدف مفرزة الشرطة، ولم يُعرف مصيرُ "أحمد" لغاية اليوم، تاركًا عائلة مكونة من زوجة وأربعة أطفال وجدتهم.

إلى ذلك أطلق النازحون مناشدات عديدة؛ للمطالبة بإيقاف ممارسات القوات الحكومية والميليشيات وانتهاكاتها بحقهم، لكن الرد كان اتهامات من قبل الحكومة باحتواء المخيمات على عناصر "إرهابية"، وبهذا فقد النازحون تعاطف حكومة بغداد، الذين نسوا أو تناسوا أن العناصر "الإرهابية" لا تحتاج إلى التخفي خلف مخيمات النزوح، فالأجهزة الأمنية مليئة بالخروق التي ترجمتها التفجيرات التي تحدث في بغداد، والتحقيقات التي تقوم بها الحكومة من دون الإعلان عن نتائجها.

دمار المدن تحقيق لمصطلح "النصر"

وبعد إعلان الحكومة "النصر" المزعوم، وإعلان استعادة السيطرة على محافظة "صلاح الدين" و"الأنبار"، لا تزال مخيمات النزوح مليئة بالنازحين الذين يُمنعون من العودة إلى مناطقهم، ولأسباب أهمها: سيطرة الميليشيات على تلك المناطق، ومنع أهلها من العودة، بعد تدميرها وتجريف مزارعها، وممارسة أعمال تخريبية في منازلها، كالحرق والسرقة والتدمير، وتركزت هذه الممارسات في محافظة "صلاح الدين"، حيث لا يزال أهالي "الصينية" و"بيجي"، وبعض قرى الجزيرة -غرب تكريت- يُمنَعون من العودة لأسباب طائفية، والميليشيات هي من تتحكم بالقرار، وتعرضت الآبار الارتوازية للدمار، إضافة التي تدمير المنازل وتجريف المزارع والبساتين، هذا ما أكده لـ"وكالة يقين" الصحفي "حيدر الجنابي" من محافظة "صلاح الدين"، وكشف عن حرمان أهالي "يثرب" و"عزيز بلد"، والمناطق الممتدة باتجاه "الدجيل" من العودة لأسباب طائفية وعشائرية، حيث تعرض الأهالي للابتزاز المادي ومطالبتهم من قبل الميليشيات بدفع فدية العودة!، ورغم دفع المبالغ المطلوبة، والدمار الذي تعرضت له منازل هذه المناطق؛ لا تزال الميليشيات تمنع عودتهم؛ رغم الوساطات من قبل الحكومتين المحلية الاتحادية.

"هناك محاولات حثيثة لإعادة النازحين بصورة قسرية، من قبل السلطات في بغداد"

وأشار "الجبوري" في حديثه للوكالة، إلى أنه حصلت عودة خجولة لنازحي "صلاح الدين"، ولعل الدافع الأبرز هو: إعلامي فقط، وليس حقيقيًا، لإظهار التصالح والتسامح الميليشياوي من جهة، وتنفيذ وعود الحكومة بإعادة النازحين قبل الانتخابات، وضمان مشاركتهم من جهة أخرى، وأضاف، أن عودتهم حاليًا غير ممكنة؛ نتيجة التدمير الرهيب الذي أصاب منازل النازحين، والخدمات والبُنى التحتية في تلك المناطق.

وتابع الصحفي "الجبوري"، أن مناطق أخرى يُحرم أهلها من العودة إليها؛ بسبب سيطرة الميليشيات، وفرض سطوتهم عليها، ومنعهم من العودة، مثل: ناحية "سليمان بيك"، ومناطق شرق محافظة "صلاح الدين"، مثل: ناحية "ينكجة" وغيرها، حيث تسيطر ميليشيا "حزب الله" و"الخرساني" على هذه المناطق، ويعملون على تنفيذ تغيير ديموغرافي فيها، واتهم "الجبوري" الحكومة المحلية -بالاتفاق مع الميليشيات الطائفية- على اللجوء إلى دعاية إعلامية، وإيهام الرأي العام بعودة الأهالي إلى هذه المدن، فيما لم يَعُدْ من الأهالي إلاّ القليل؛ خوفًا من تنكيل الميليشيات التي تسيطر على مناطقهم، وتفرض سطوتها بقوة السلاح، من دون حسيب أو رقيب.

لم تكن الميليشيات وحدها سببًا في عدم عودة النازحين إلى مدنهم؛ بل عدم تطهير هذه المدن من المخلفات العسكرية؛ كان سببًا ثانيًا ولّد ذعرًا للأهالي، ويمنعهم من العودة، وكان النازحون يفضلون البقاء في خيامهم البائسة؛ على العودة إلى مدن مليئة بالمتفجرات والألغام، التي تعجز الفِرَق الهندسية عن إزالتها، أو أنها عملية مقصودة لمنع النازحين من العودة، وتجهيز بيئة مناسبة للميليشيات للسيطرة على هذه المدن.

منازل مفخخة وفِرَق إزالة الألغام تبتز العائدين

وبعد انتهاء العمليات العسكرية وزوال غيمة الحرب؛ أشرقت شمس العودة على النازحين، الذين ضاقت بهم سبل العيش في مخيماتهم، أو حتى المدن التي نزحوا إليها، وإذا بكابوس جديد يبدد حلم العودة، وهو: المدن التي تخلو من سُبُل العيش، والبُنى التحتية المُدَمَّرة، والمنازل التي تحولت إلى ركام، تختبئ داخلها ألغام ومتفجرات، من مخلفات العمليات العسكرية، رغم التطمينات التي بثتها الجهات الحكومية، والعمل الدؤوب الذي تحدثت عنه فِرَق الجهد الهندسي في إزالة الألغام.

من جانبها "دهاء الراوي" عضو مجلس محافظة بغداد، وفي تصريحها لـ"وكالة يقين"؛ تحدثت عن واقع مؤسف يعيشه النازحون الذين عادوا إلى مدنهم، في ظل الواقع الخِدْمي المتردي الذي يعيشونه، وانعدام الخِدْمات وتدمير المنازل، واصفة ترحيل النازحين إلى مدنهم -بشكل قسري- بعملية إرسالهم إلى الموت، حيث تحدثت عن ما جرى لأحد أقربائها الذي قام بدفع مبالغ مالية إلى فِرَق الجهد الهندسي؛ لتنظيف منزله من العبوات والألغام ومخلفات الحرب، وبعد استلام منزله من فِرَق الجهد الهندسي، والذي من المفترض أن يكون مطهرًا وخاليًا من الألغام، لم تمضِ ساعات؛ حتى انفجر عليه لغم كان متروكًا في أحد دواليب المنزل، راحت ساقه اليمنى ضحية ذلك الانفجار، فضلًا عن الشظايا التي ملأت جسده.

"فما النازح إلاّ رقم في سجلات الدولة، يملك بطاقة انتخابية عليه استخدامها في يوم الانتخاب؛ للحصول على نسبة تصويت عالية"

وكشفت "الراوي" عن محاولات لإعادة قسرية للنازحين إلى مدنهم، بدافع المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، منتقدة هذه المحاولات التي تعيد النازحين إلى الموت، مطالبة بفتح مراكز اقتراع داخل المخيمات، أو تهيئة البيئة المناسبة للعودة، وعدم الاستهتار بأرواح النازحين؛ لأغراض انتخابية ومصالح شخصية. وأكدت "الراوي" للوكالة وجود مطالبات من قبل "مجلس محافظة بغداد" لقيادة عمليات المحافظة بالتريث في إعادة النازحين، كاشفة عن اتصال تم بين محافظ بغداد ومحافظ الأنبار "محمد الحلبوسي"، حول إمكانية الأنبار من استقبال النازحين، إلا أن "الحلبوسي" طالَبَ بالتريث بهذا القرار، نظرًا لعدم إمكانية المحافظة واستعدادها لذلك، إلاّ أن أمر إخلاء المخيمات صدر بمهلة تنتهي في العاشر من شهر شباط 2018.

ورغم مزاعم رئيس الوزراء "حيدر العبادي" بعدم إجبار النازحين على العودة إلى مدنهم، لكن لا تزال هناك محاولات حثيثة لإعادة النازحين بصورة قسرية، من قبل السلطات في بغداد، فإنذارات المغادرة التي وجهت للنازحين خير دليل على هذا التناقض، بين الخطابات الإعلامية وبين أرض الواقع، الذي يعكس عدم شعور واضح بالمسؤولية من قبل الحكومة، وعدم وجود تنسيق كافٍ بين مؤسساتها.

نفي "العبادي" بإعادة النازحين قسريًا "مخالف" للواقع

وقد أمهلت "قيادة عمليات بغداد" نازحي مخيم "حي الجامعة" إخلاء المخيم في فترة أقصاها منتصف شهر شباط، إضافة إلى مخيمات أخرى تم إصدار أوامر إخلاء لهم، في وقت تعاني مدنهم دمارًا كاملًا، ويعانون -هم أنفسهم- من تهديدات من قبل الميليشيات، التي تمنعهم من العودة، في وقت نفى فيه رئيس الوزراء "حيدر العبادي" عن وجود عودة قسرية للنازحين، وهذا مخالف للواقع وتضليل للرأي العام.

من جانبه أكد "رمزي جاسم العزاوي"- مسؤول مخيم "حي الجامعة" ببغداد، في تصريح لـ"وكالة يقين"، أن قيادة عمليات بغداد قد منحت نازحي مخيم "حي الجامعة" مهلة تنتهي في منتصف شهر شباط لإخلاء المخيم، وذلك بتعليمات من رئاسة الوزراء، مؤكدًا أن أغراض العودة تعود إلى اقتراب موعد الانتخابات النيابية، من دون الاكتراث لحياة هؤلاء النازحين، وتعرضهم للتهديد من قبل الميليشيات، التي تسيطر على مناطقهم، فيما اتهم "العزاوي" الحكومة بالعمل ضد مصلحة الشعب، من خلال ممارسات لا تخدم المواطن ومصلحته، مؤكدًا أن كل ما تهتم به الحكومة؛ هو توجه المواطنين إلى صناديق الاقتراع، من دون مراعاة لحياتهم، وما قد يتعرضون له من مخاطر العودة.

وتحدث "العزاوي" عن مخيمات أخرى تعرضت لأوامر الإخلاء، مثل: مخيم "حي الخضراء" ببغداد، والذي يضم ثمانين عائلة أُجْبِروا على الإخلاء، كما كشف عن أن أوامر الإخلاء لم تشمل المخيمات فقط، وإنما شملت النازحين الذين استأجروا منازل في بغداد والمحافظات، ولفت مدير مخيم "حي الجامعة" إلى أن النازحين يرفضون العودة لمناطقهم التي تخلو تمامًا من الخِدْمات، إضافة إلى عدم استتباب الوضع الأمني في بعض المدن، التي لا تزال تشهد نزاعًا مسلحًا، وسيطرة ونفوذًا للميليشيات.

هذا هو حال سكان المدن، التي شهدت تدميرًا وعمليات عسكرية، بحجة ملاحقة مسلحي "تنظيم الدولة" منها، وما هي إلاّ تقاعس حكومي، ومؤامرات -بحسب مراقبين- حيكت في الظلام لتهجير سكان آمنين، وتدمير مدن بأكملها، وتشويه معالم تعود إلى آلاف السنين، إضافة إلى تنفيذ خطط لتغيير ديموغرافي لهذه المدن.

فما النازح إلاّ رقم في سجلات الدولة، يملك بطاقة انتخابية عليه استخدامها في يوم الانتخاب؛ للحصول على نسبة تصويت عالية، وعدم فشل العملية الانتخابية التي توصَف بالـ"ديموقراطية"، النازح معاناة تُجمَع باسمه تبرعات من الدول المانحة، وما هو -في حقيقة الأمر- إلاّ رماد تطيره رياح المصالح السياسية، فتدفع به في بعض الأحيان إلى مخيمات نزوح بالية، فيما تعيده في أحيان أخرى إلى مدينته، من دون تأمين حياة كريمة له كما ينص عليه الدستور، فالدستور ينفذ بحسب الحاجة؛ لأنه حبة دواء لأصحاب المصالح السياسية والحزبية.

menu-circlecross-circle