قسم التقارير - أربيل
على الرغم من أن إقليم كردستان يعيش منذ عام 1991 في حكم شبه ذاتي يشبه إلى حد بعيد دولة داخل الدولة، وعلى الرغم من أن للإقليم حكومة واحدة وبرلمانا واحدا، إلا أن الإقليم يعيش في حالة خلاف سياسي كبير بين أحزابه منذ سنوات، وتنعكس هذه الخلافات في كثير من الأحيان على الوضع الأمني في الإقليم.
حيث يقول المحلل السياسي الكردي "جوتيار عبد الرحيم": إن "الوضع السياسي في الإقليم غير مستقر البتة، والخلافات السياسية البينية بين أحزاب الإقليم الرئيسة وصلت إلى حد غير مسبوق خلال العامين الماضيين".
وأوضح "عبد الرحيم" في حديثه لوكالة "يقين" أن "الخلافات السياسية الرئيسة داخل الإقليم تتجلى بصورة واضحة في قطبَي الحكم، وهما الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية والحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل ودهوك، وهذا الخلاف ينعكس في كثير من الأحيان على الوضع الأمني داخل محافظات الإقليم الثلاثة، حيث إن الأجهزة الأمنية في الإقليم وعلى الرغم من أنها تخضع في ظاهر الأمر إلى مرجعية واحدة، إلا أنها -وعلى أرض الواقع- منقسمة بين إدارتين، حيث إن قوات البيشمركة التابعة للسليمانية لا تأتمر بأوامر قادة أربيل ودهوك والعكس صحيح أيضا".
"شهدت الحالة السياسية في إقليم كردستان بعد الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، انفتاحاً جزئياً"
وأشار المحلل السياسي في ختام حديثه إلى أنه "ليست قوات البيشمركة وحدها المنقسمة داخل الإقليم، فقوات الأسايش وقوات الشرطة حالها كحال البيشمركة، بل حتى قوات الحدود المتمثلة في الإقامة، تختلف بين السليمانية وأربيل وكل جهة لا تعترف بأوراق إقامة الجهة الأخرى، وأي شخص يدخل الإقليم يتوجب عليه استحصال ورقة إقامة من السليمانية أو أربيل ودهوك، والذي ينتقل من السليمانية إلى أربيل أو العكس عليه أن يستحصل إقامة أخرى من الجهة التي سيذهب إليها، ما يعكس حالة عدم الثقة بين الجانبين، بحسب "عبد الرحيم".
نظرة على الأحزاب الكردية في إقليم كردستان
شهدت الحالة السياسية في إقليم كردستان بعد الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، انفتاحاً جزئياً سمح فيه الحزبان الرئيسيان الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني بتأسيس أحزاب أخرى، كحركة التغيير والجماعة الإسلامية والجيل الجديد، إلا أنه -وبحسب الدكتور "كاظم موسى" أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد سابقا-، فإن الحزبين الرئيسين يتحكمان في جميع مفاصل الإقليم المالية والاقتصادية والعسكرية، وما كان إنشاء الأحزاب الجديدة إلا رضوخا للضغوط الأوروبية والأمريكية على إدارة الإقليم في سبيل الانفتاح السياسي.

ويضيف الدكتور "كاظم موسى" في حديثه لوكالة "يقين"، أنه "حتى عام 2003 لم يكن هذان الحزبان على اتفاق ووئام، حيث إن لكل حزب إدارة خاصة بالمناطق التي كان يسيطر عليها، وما زاد الطين بلة بين الحزبين ما حصل من اقتتال داخلي بين الحزبين عام 1996، والتي اضطر فيها "مسعود البرزاني" إلى طلب النجدة من الرئيس العراقي الراحل "صدام حسين" لإنقاذه من الزحف العسكري الذي كان "جلال طالباني" يقوده، والذي اكتسح بالفعل مدينة أربيل، ووصل إلى حدود محافظة دهوك، كل هذه الخلافات لم تكن لتجعل كلا الحزبين يثقان ببعضهما البعض حتى بعد 2003"، بحسبه.
من جانبه القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني "حسن عبد الكريم" يقول في حديثه لوكالة "يقين": إن "الحزب الديمقراطي الكردستاني يعمل منذ إنشائه على ترسيخ قِيَم الديمقراطية في الإقليم، ويعمل بالتعاون مع بقية الأحزاب الكردية على توفير بيئة آمنة أمنيا واقتصاديا".
"الخلافات السياسية في الإقليم دائماً ما تتحول إلى أحداث أمنية"
وعن الخلافات بين الأحزاب السياسية داخل الاقليم، يضيف "عبد الكريم" أن "حالة الخلاف السياسي بين الأحزاب هي حالة طبيعية في كل بلد، ولو لم تكن هناك خلافات لما تشكلت عدة أحزاب، لكل منها أجندتها الخاصة، ونظرتها السياسية للإقليم"، بحسبه.
الخلافات السياسية تؤثر على الأمن الداخلي
وشهد إقليم كردستان أحداثا أمنية خلال الايام الماضية في محافظتَي السليمانية وأربيل، حيث شهدت مدينة أربيل الاثنين 23 يوليو (تموز) اقتحام ثلاثة مسلحين لمبنى المحافظة، وأدى الحادث إلى جرح عدد من أفراد الأمن والمدنيين في المدينة، كما شهدت السليمانية أيضا في ذات اليوم 23 يوليو (تموز) حادثا أمنيا تمثل بمهاجمة مقر حزب حركة الجيل الجديد بزعامة "شسوار عبد الواحد"، وأعلنت سلطات السليمانية أن الحادث نفذه مجهولون من دون تحديد الجهة المسؤولة عنه، كل هذه الأحداث ترتبط بالخلافات السياسية داخل الإقليم، بحسب الصحفي الكردي "سيروان صالح"، الذي أوضح في حديثه لوكالة "يقين" أن "الخلافات السياسية في الإقليم دائماً ما تتحول إلى أحداث أمنية، وأن ما شهدته مدينة السليمانية من استهداف مقر "حركة الجيل الجديد"، يشير إلى أن الخلافات بين الحركة والاتحاد الوطني الكردستاني وصلت إلى طريق مسدود، خاصة بعد الانتخابات الأخيرة التي اتهمت فيها حركة الجيل الجديد الحزبين الرئيسين بعمليات تزوير كبرى، إلى حد اتهام الحركة الحزبين الرئيسين بتزوير أكثر من 600 ألف صوت".

ويُشار إلى أن مقر حركة الجيل الجديد في مدينة أربيل تعرض لمداهمة قبل أيام من قبل قوات البيشمركة، واتهمت حينها الحركة سلطات أربيل بمحاولة الضغط السياسي على الحركة في سبيل الكف عن الإشارة إلى حالات التزوير الكبيرة التي شهدها الإقليم في الانتخابات الأخيرة في أيار (مايو) الماضي.
من جانبه قيادي في حركة الجيل الجديد رفض الكشف عن هويته مقابل الحديث لوكالة "يقين" عما تعرض له مقرا الحركة من أحداث أمنية في السليمانية وأربيل، قال: إن "الأحداث الأخيرة التي شهدها الإقليم تشير إلى أنه لا ديمقراطية حقيقية في الإقليم، وأن الحزبين الرئيسين في الإقليم مختلفان في كل شيء إلا في الحد من نفوذ الأحزاب الأخرى".
"الأحداث الأخيرة التي شهدها الإقليم تشير إلى أنه لا ديمقراطية حقيقية في الإقليم"
ويضيف المصدر أنه "حتى الهجوم على مبنى محافظة أربيل يوم الاثنين 23 يوليو (تموز) ما زال غامضا، خاصة أن مديرية أمن أربيل اتهمت مسلحي "تنظيم الدولة" مباشرة بمسؤوليته عن الهجوم رغم أن الاخير لم يعلن ذلك مطلقا، فضلا عن أن التنظيم يسارع في كل مرة إلى تبني أي عمل يقوم به، بحسبه.
وأشار المصدر في ختام حديثه لوكالة "يقين"، أن "الاقليم دائما ما يشهد مثل هذه الأحداث الأمنية عقب أي انتخابات برلمانية اتحادية أو محلية في الإقليم، مذكرا بالأحداث التي شهدتها مدينة دهوك والسليمانية وأربيل من مداهمة وإحراق مقرات الأحزاب الإسلامية والجماعة الاسلامية في الإقليم.

الوضع الأمني في الإقليم.. تحكمه السياسة الأمريكية
أما المحلل السياسي "رياض العلي" فيقول في حديثه لوكالة "يقين": إن "الخلافات بين الأحزاب الكردية شهدت تصاعدا مطردا خلال الأشهر الماضية، خاصة بعد استعادة القوات الأمنية في حكومة "العبادي" السيطرة على مدينة كركوك، واتهام الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة "مسعود البارزاني" حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بتسليم المدينة لبغداد والتهاون في الدفاع عنها".
ويضيف "العلي" أن "هذه الأحداث زادت من البون الكبير أصلا بين الحزبين، وأدت إلى انعدام الثقة بينهما، ومرجعية الحزبين لها دور كبير في هذا الخلاف، حيث إن الاتحاد الوطني الكردستاني قريب من توجهاته من إيران منذ ثمانينات القرن الماضي، أما الديمقراطي الكردستاني فقريب من تركيا، وبالتالي فكل حزب من هذين الحزبين يخضعان إلى توجهات الدول الداعمة لهما".

وعن إمكانية تأثير هذه الخلافات السياسية والأحداث الأمنية الأخيرة على الوضع الأمني في الإقليم، يشير المحلل السياسي إلى أن "الضامن لاستقرار الإقليم هو الدور والنفوذ الأمريكي الكبير في الإقليم عامة، وأن الولايات المتحدة لن تسمح بانفلات الأوضاع الأمنية في محافظات الإقليم، خاصة أن الولايات المتحدة تذهب في اتجاه بناء أكبر قنصلية لها في العالم في محافظة أربيل عاصمة الإقليم".
واختتم حديثه لوكالة "يقين" بالقول: "هذه الصراعات الداخلية بين أحزاب الإقليم دائما ما تخف وتيرتها بانتهاء الجولات الانتخابية الاتحادية والمحلية وسيبقى الحزبان الرئيسان يتحكمان في مجمل مفاصل الإقليم الاقتصادية والسياسية"، بحسبه.
من جهته الباحث "ارام ملا محمد" القريب من الاتحاد الوطني الكردستاني، يشير في حديثه لوكالة "يقين" إلى أن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني يمثل أكثر الأحزاب ديمقراطية في الإقليم، موضحا لوكالتنا أن "انفتاح الاتحاد الوطني على الأحزاب الأخرى، وصعود حركة التغيير وحركة الجيل الجديد وحصولهما على عدد كبير من المقاعد في البرلمان المحلي والاتحادي؛ لهو دليل واضح على الحالة الديمقراطية التي تعيشها محافظة السليمانية"، بحسب "ملا محمد".