قسم التقارير - ديالى
تعرف منطقة "حوض الوقف" في محافظة ديالى شرقي العراق، بصناعة الفحم وهي مهنة تمتد لعقود طويلة في المنطقة، وبات المواطنون القادمون إلى المنطقة يستدلون على الطريق من خلال أعمدة الدخان الأبيض المتصاعد من المنطقة والتي تشير إلى موقع صناعة الفحم في أكوار المنطقة.
يعرف العاملون في صناعة الفحم بـ"الفحّامة"، وجلّ الذين يعلمون في المهنة كانوا قد توارثوا هذه الحرفة من آباءهم وأجدادهم.
كيف تتم صناعة الفحم؟
"لا يستطيع أي شخص العمل في صناعة الفحم في ديالى، فهي حرفة خطرة وفيها مشقة كبيرة وتحتاج لصبر ومطاولة"، بهذه الكلمات وصف الحاج "أبو خالد" مهنة صناعة الفحم في ديالى والتي وصفها بأنها من أصعب الحِرف على الاطلاق.
"لا يستطيع أي شخص العمل في صناعة الفحم في ديالى، فهي حرفة خطرة وفيها مشقة كبيرة"
وعن طريقة صناعة الفحم في ديالى، يقول "أبو خالد" في حديثه لوكالة "يقين" إن "صناعة الفحم تمر بخطوات متعددة أولها عملية التحطيب وهي الحصول على الاخشاب من الغابات أو الحقول ومن الاشجار الميتة، ثم تقطع هذه الاخشاب إلى قطع متناسقة ومتقاربة، بعدئذ تبدأ عملية صناعة الفحم داخل الأكوار، والكور هو حفرة في داخل الارض تُسعّر فيها النيران إلى حدّ معين ثم توضع داخله الأخشاب وتحرق إلى حدّ معين".

ويضيف أن "سبب تلون الدخان بالابيض، هو أن عملية حرق الخشب لا تتم بالطريقة التي يعتقدها الناس بل تتم في عزلة عن الاوكسجين إلى حد كبير، وبالتالي فعملية تجفيف الخشب وحرق اللب تنجم عنها أدخنة بيضاء"، مشيرًا إلى أن "العملية قد تستغرق من أربع إلى سبع ساعات حسب الكور وحسب نوع الخشب المستخدم".
ويختتم الحاج "أبو خالد"حديثه لوكالة "يقين" أنه "وبعد أن يتحول الخشب إلى فحم فإنهم يقومون بتكييسه وبيعه في الاسواق المحلية أو في المحافظات القريبة"، بحسبه.
الفحّامة.. مهنة الآباء والأجداد
مهنة متوارثة عن الآباء والاجداد ويعود تأريخها إلى قرن ونصف، بحسب الشاب "مصطفى محمد" الذي بدأ العمل في المهنة منذ خمس سنوات، يقول أنه "بدأ العمل في هذه المهنة ليعين والده الذي يعمل في ذات المهنة لأكثر من عشرين عاما، وإنه اضطر لترك عمله كعامل بناء ليعين والده ويشرف على الكور الذي يمتلكه والده".
ويضيف في حديثه لوكالة "يقين" أن "مهنته هذه التي تعرف بالـ"فحّامة"متوارثة في عائلته، وأن والد جده بدأ العمل في هذه المهنة في نهاية القرن التاسع عشر إبان الدولة العثمانية، وهي متوارثة بين أعمامه أيضا"، إلا أن محمد أوضح أن "العمل في هذه المهنة لم يعد كما كان، فالتصحر الذي أصاب ديالى خلال العقدين الماضيين أضر كثيرًا بالزراعة في المحافظة، وخاصة في زراعة الاشجار ما أدى -بحسبه-إلى تراجع كميات الاخشاب في المحافظة والذي أدى إلى تراجع صناعة الفحم في ديالى وانخفاضها إلى أكثر من 60% مقارنة بالعقدين الماضيين".
صناعة الفحم.. مهنة الأمراض التنفسية
"لن تجد أي عامل في مجال صناعة الفحم في ديالى إلا وأمراض تنفسية عديدة تصاحبه" بهذه الكلمات وصف طبيب الأمراض التنفسية "علي عمار" حال العاملين في هذه المهنة، يقول عمار في حديثه لوكالة "يقين" إن "العاملين في صناعة الفحم لا يلتزمون بأي ارشادات للسلامة"، مشيرا إلى أن "العاملين لا يرتدون أي كمامات فضلا عن أنهم لا يبتعدون المسافة الكافية عن الأكوار التي تتيح دخول أقل معدل ممكن من الاوكسجين النقي الواجب لعمل الرئة بشكل طبيعي".
وعن الأمراض التي قد تتأتى عن هذه المهنة، أضاف أن "أمراضا عديدة تصيب العاملين في صناعة الفحم من أبرزها الربو المزمن والقصور الرئوي وذات الرئة والسرطان وأمراض أخرى".
"لن تجد أي عامل في مجال صناعة الفحم في ديالى إلا وأمراض تنفسية عديدة تصاحبه"
من جانبه يقول "علي الصيداوي" أحد أصحاب الأكوار في منطقة "أبي صيدا" التابعة لحوض الوقف في محافظة ديالى-في حديثه لوكالة "يقين"- إنه "أصيب بالربو منذ اثني عشر عاما وأن مرضه مزمن، وأغلب العاملين في هذه المهنة يعانون من مشاكل تنفسية، وبعضهم أصيب بالسرطان".

ويضيف أن "كثيرا من الأطفال باتوا يعملون في صناعة الفحم بعد أن أدى تراجع الاوضاع الامنية إلى فقدان كثير من العوائل لمعيلهم"، بحسبه.
وعن عدم التزام العاملين بوسائل السلامة ووضع الكمامات التنفسية، يضيف الصيداوي أن "الكمامات العادية لا تنفع مع الدخان المنبعث من الأكوار، والكمامات الواجب استخدامها هي كمامات الغازات السامة وهي باهظة الثمن وغير متوفرة أصلًا".
ويتابع في حديثه لوكالة "يقين" إنهم "يعانون من مشاكل عديدة أهمها عدم اهتمام الحكومة المحلية والمجلس المحلي بهم وأنهم دائما ما يرسلون انذارات لاصحاب الاكوار بضرورة ازالتها وأنها غير مرخصة".
كما اشتكى الصيداوي من أن "مهنتهم على وشك الاندثار بسبب مزاحمة المنتج الاجنبي لمنتجهم المحلي" مشيرا إلى أن "الفحم الايراني والروسي والتركي بات يغزو الاسواق المحلية وينافس منتجهم من خلال الأسعار، على الرغم من أن جودة المنتج الأجنبي أقل بكثير من المحلي"، بحسبه.
الفحامة في ديالى.. كسب للرزق أم تجاوز على المزارع؟
يشير كثير من المسؤولين في محافظة ديالى إلى خطورة أكوار صناعة الفحم وأنها باتت خلال العقد الماضي تعمل بصورة عشوائية ومن دون أي مراعاة لعمليات قطع الاشجار غير المنظمة، ما أدى الى تقلص مساحات زراعة الحمضيات في ديالى، حيث يشير "علي الربيعي" الموظف في مديرية بيئة محافظة ديالى في حديثه لوكالة "يقين" إلى أن "أصحاب الأكوار استغلوا سوء الاوضاع الامنية في المحافظة وترك الكثير من المزارعين لبساتينهم خلال العقد الماضي وانشأوا العديد من الأكوار غير المرخصة بجانب مزارع الحمضيات المنتشرة في حوض الوقف وعكفوا على قطع أشجار مزارع الحمضيات من دون علم أصحابها، أدى إلى تقلص مساحات تلك المزارع إلى أكثر من 40% مقارنة بعام 2003"، بحسبه.
وعن الاجراءات المتخذة من قبل الدوائر الحكومية إزاء التجاوز على مزارع الحمضيات، قال الربيعي أنه "ومع تحسن الوضع الامني خلال الاشهر الماضية، فإن الفرق المختصة أزالت العديد من الأكوار غير المرخصة والمتجاوزة على أملاك المواطنين ومزارعهم في سبيل الحفاظ على ما تبقى من مزارع الحمضيات التي تعرف بها محافظة ديالى".
وفي ختام حديثه لوكالة "يقين" أشار الموظف "علي" في مديرية بيئة ديالى إلى أن "دائرته ليست بالضد من عمل هذه الاكوار، لكن شريطة الالتزام بالضوابط الصحية والمهنية المتعلقة ببمارسة المهنة وتشمل انشاء الاكوار بالقرب من المنابت الطبيعية وليس بالقرب من مزارع الحمضيات التابعة للمواطنين، فضلا عن لزوم التزام أصحاب الاكوار بالمعايير الصحية وبالمسافة المحددة بالبعد عن القرى والتجمعات السكنية"، بحسبه.