قرأ البرلمان مقترح التعديل الأول لقانون مجالس المحافظات والأقضية في جلسته الأخيرة، وكان أبرز ما تضمنه التعديل المقترح تقليص أعداد أعضاء مجالس المحافظات إلى النصف في جميع المحافظات العراقية.
التعديل الأول للقانون وفي حال إقراره يطرح عديدًا من الأسئلة عن جدواه الاقتصادية والسياسية، كما يطرح تساؤلات عدة عن إمكانية تقليص أعداد أعضاء مجالس المحافظات في الحد من الفساد المستشري في الحكومات المحلية.
إجماع برلماني
"تعديل قانون مجالس المحافظات بات ضروريًا لأجل حل كثير من المشاكل التي يتخللها القانون الحالي"
في سابقة تعد الأولى من نوعها، أكد عدد من النواب ومن مختلف الكتل البرلمانية والتوجهات السياسية على ضرورة تقليص أعداد أعضاء مجالس المحافظات.
وفي هذا الصدد يقول النائب في البرلمان "حسين العقابي" في حديثه لوكالة "يقين" إن الاتفاق الأولي بين الكتل السياسية في البرلمان توصل إلى مقترح قد يقر قريبًا ينص على تخصيص عشرة مقاعد في مجالس المحافظات لكل مليون نسمة، مضيفًا أن ما زاد على المليون نسمة، فإنه سيضاف مقعد واحد لكل مائتي ألف نسمة، وبذلك سينخفض عدد أعضاء مجالس المحافظات إلى ما يقارب النصف.
وأشار العقابي إلى أن الهدف من تقليص اعضاء مجالس المحافظات يأتي ضمن سعي البرلمان إلى تسهيل عمل الحكومات المحلية والحد من المصاريف المتزايدة لمجالس المحافظات، إضافة إلى الارتقاء بالدور التشريعي والرقابي لمجالس المحافظات، بعد أن أدت الأعداد الكبيرة لأعضاء مجالس المحافظات إلى تعطيل دورها بسبب التخندق السياسي الحاصل بين الكتل السياسية ضمن المحافظة الواحدة.
أما النائب عن التحالف الكردستاني "ديار بكر" فيرى من جانبه أن تعديل قانون مجالس المحافظات بات ضروريًا لأجل حل كثير من المشاكل التي يتخللها القانون الحالي، ومن بينها العدد الكبير للأعضاء فضلًا عن نظام الانتخاب فيما إذا كان سيعتمد نظام سانت ليغو أم نظام الدوائر المتعددة، مشيرًا إلى أن التعديل في حال إقراره فإنه سيكون ملزمًا وسيعتمد في الانتخابات المحلية المقبلة التي من المؤمل إجراؤها في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الحالي في حال اكتمال تحضيرات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

ولعل أبرز أهداف تقليص أعضاء مجالس المحافظات هو تقليص الموازنة التشغيلية لمجالس المحافظات التي تبلغ قرابة 171 مليار دينار بحسب تصريح النائب في البرلمان عن كتلة الفتح "حامد الموسوي" الذي يرى في حديثه لوسائل الإعلام أن رواتب أعضاء مجالس المحافظات تبلغ سنويًا قرابة 130 مليون دولار، فضلًا عن تكاليف الحماية والمخصصات والسيارات، بحسبه.
فيما كشف الموسوي أن أعداد الموظفين في مجالس المحافظات يفوق عددهم الـ 1100 موظف، وهؤلاء يتقاضون رواتب شهرية ويعملون بحسب ما يراه عضو مجلس المحافظة.
آراء قانونية حول مجالس المحافظات
"إلغاء مجالس المحافظات سيوفر على الدولة العراقية سنويًا ما يقرب من مليار دولار"
آراء متعددة حول عمل مجالس المحافظات ومقترح قانون تعديلها والفساد الذي يدور بين أروقة هذه المجالس، بين من يرى أن عملها القانوني قد انتهى وبين من يرى ضرورة إلغائها، وطرف آخر يرى ضرورة وجودها مع تقليص أعدادها.
وفي هذا الصدد يقول الخبير القانوني "طارق حرب" في حديثه لوكالة "يقين" إن عمل مجالس المحافظات في العراق انتهى قانونيًا في شهر حزيران/ يونيو 2018، وإن تمديد البرلمان لعملها يعد مخالفة دستورية صريحة، ذلك أن الدستور ينص على أن عمل هذه المجالس يأتي بالانتخاب ولمدة أربع سنوات فقط، وبتمديد البرلمان لعمل هذه المجالس، فإن البرلمان يخالف الدستور من جهة أنه يخالف إرادة الشعب.
وبين حرب أن قانون مجالس المحافظات يشكل معضلة قانونية في البلاد وأن قانون تلك المجالس رقم 21 لسنة 2008 أعطى لأعضاء تلك المجالس صلاحيات تفوق الصلاحيات المعطاة لحكام ولايات أمريكية وألمانية من جهة تدخل تلك المجالس في عمل الأجهزة الأمنية وإقرار العطل الرسمية والتدخل في الأمور التنفيذية للدوائر التي تعود مرجعيتها للوزارات الاتحادية، فضلًا عن أن وجودها شرعن الفساد في المحافظات.
وفي ختام حديثه، أشار الخبير القانوني إلى أن عمل مجالس المحافظات يعتريه الفساد من كل جانب، إذ إن السياسيين الذين أوجدوا ذلك القانون جعلوه بديلًا لسياسييهم الذين لم يستطيعوا الحصول على مقعد برلماني، بحسب حرب.
"أعداد الموظفين في مجالس المحافظات يفوق عددهم الـ 1100 موظف، وهؤلاء يتقاضون رواتب شهرية ويعملون بحسب ما يراه عضو مجلس المحافظة"
من جهته يؤكد الأكاديمي وأستاذ القانون "محمد صديق" في حديثه لوكالة "يقين" على أن غالبية الكتل السياسية المؤثرة في البرلمان وأهمها كتلة سائرون وكتلة الفتح تتجهان نحو تقديم مشروع قانون إلغاء تلك المجالس، فيما تقف كتلة دولة القانون بالضد من ذلك لما لها من عشرات المقاعد في تلك المجالس في محافظات الوسط والجنوب.
وفيما يخص تقليص أعضاء مجالس المحافظات، يعتقد صديق أن البرلمان سيقر ذلك المقترح كحل وسط بين الكتل السياسية، وأن ذلك سيسهم بتقليص أعداد أعضاء المجالس وسيقلل من الموازنة المالية لها، وسيسهم من وجهة نظر المشرعين إلى تقليص الفساد، لافتًا إلى أن من يدعي أن الإبقاء على مجالس المحافظات يعد دستوريًا غير صحيح، إذ إن الدستور لم يوضح ذلك صراحة، وبإمكان المجلس النيابي تشريع قانون يلغي تلك المجالس برمتها.

فساد مجالس المحافظات
مؤشرات عدة تشير إلى أن الفساد ينخر في مجالس المحافظات وفي مختلف المحافظات العراقية، إذ يرى المحلل السياسي "رياض الزبيدي" أن السنوات الثلاث الماضية في عمل مجالس المحافظات جعلت جميع الكتل السياسية تدرك أن تلك المجالس تشكل حلقة زائدة في الدولة العراقية.
"تقليص أعداد مجالس المحافظات قد يسهم في الحد من الفساد لكنه لن يقضي عليه"
وأضاف أن ما حصل في مجلس محافظة بابل وديالى ونينوى أكد على أن مجالس المحافظات باتت مرتعًا للرشاوى والفساد في تعيين مدراء الدوائر والمحافظين، لافتًا إلى أن هيئة النزاهة باتت تعج بقضايا فساد مقدمة ضد مجالس المحافظات.
ولفت الزبيدي إلى أن فساد مجالس المحافظات بات جليًا في محافظة كنينوى التي استطاع فيها المحافظ المقال "نوفل العاكوب" العام الماضي من شراء ذمم كثير من أعضاء مجلس محافظة نينوى وتشكيل كتلة خاصة به، وهي كتلة "النهضة" التي أسهمت في بقائه في السلطة على الرغم من أن المجلس كان يروم إقالته في تلك الفترة.
من جانبه يوضح عضو مجلس محافظة نينوى "علي خضير" في حديثه لوكالة "يقين" أن مجالس المحافظات دستورية وينص الدستور العراقي على شرعيتها، وبالتالي لا يمكن إلغاء تلك المجالس من خلال قانون يقره البرلمان، إذ إن إلغاءها يتطلب تعديلًا دستوريًا يستوجب استفتاء شعبيًا، وهذا ما لم يتطرق إليه النواب في مقترحاتهم القانونية بشأن عمل مجالس المحافظات.
"ما حصل في مجلس محافظة بابل وديالى ونينوى أكد على أن مجالس المحافظات باتت مرتعًا للرشاوى والفساد"
وعن حجم الفساد المستشري في عمل مجالس المحافظات، يرى الخبير الاقتصادي "جاسم المولى" في حديثه لوكالة "يقين" أن الحكومة ومجلس النواب وبعد الأزمة المالية التي تعرضت لها البلاد، أدركوا أن فسادًا كبيرًا يعتري عمل الداوئر الخدمية في تلك المجالس، وأن عملها لا يتعدى اختيار المدراء واستضافة المحافظ، دون أن يتمخض عن عملها أي دور رقابي يسهم في الحد من الفساد.
وأشار إلى أن إلغاء مجالس المحافظات سيوفر على الدولة العراقية سنويًا ما يقرب من مليار دولار، من خلال توفير رواتب الأعضاء والموظفين والحمايات والسيارات الخاصة، إضافة إلى الموازنة التشغيلية لتلك المجالس.
وأكد المولى أن تقليص أعداد مجالس المحافظات قد يسهم في الحد من الفساد لكنه لن يقضي عليه، إذ إن الابتزاز السياسي لتلك المجالس سيبقى دون حل،.
وما بين مقترح تعديل قانون مجالس المحافظات والمطالبات الشعبية بإلغاء تلك المجالس من الأساس، يناقش أعضاء مجلس النواب مدى قانونية التقليص أو الإلغاء بعد أن وقعوا في مطب النصوص الدستورية التي أسهموا في إقرارها وما تضمه من مطبات قانونية وتناقضات.