جريئةٌ كأحلامها، وبريئةٌ كابتسامتها، ومتمردة على كل معيارً ينقص من مكانتها، فتاةٌ عراقية بامتياز، تحمل كل صفات البلد العريق، شامخة بمواقفها كالنخيل، وشجاعتها تعود لجذور ثورة العشرين.
فتاةٌ ناعمةً ورقيقة بكل شيء، إلا أن صوتها خَشِنٌ على قول الحق ما جعل منها تقف بين مقدمة رجال ثورة تشرين كما باتت تسمى في الوسط العراقي التي انطلقت على شكل مرحلتين منذ الأول من أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم لتستهل انطلاقتها في الـ٢٥ من ذات الشهر بعد أن توقفت بعد مضي أحد عشر يوم من انطلاقتها الأولى.
ومنذ الأيام الأولى للاحتجاجات، وبصورة ليست معتادة في مشهد المجتمع العراقي الحديث، وبصورة خاصة لم يعتاد التعامل معها سياسيو ما بعد ٢٠٠٣، نزلت تلك الفتاة إلى ساحة التحرير مركز الاحتجاجات مع مجموعة معدودة من الفتيات أمثالها ليساندن الشباب ويربكن المشهد على الحكومة.
"لم يعتاد المجتمع العراقي على حراكٍ بهذا الشكل يشترك به الجنسين دونما قيدٍ أو حرج"
حيث لم يعتاد المجتمع العراقي على حراكٍ بهذا الشكل يشترك به الجنسين دونما قيدٍ أو حرج فطالما كانت القيود المجتمعية تفرض على أن يكون الفصل ما بين الإثنين إلا أن طغمة الفساد المتحكمة ضغطت على مدار ١٧ عاما لتدفع بالشباب من كلا الجنسين وبمشهد يسقط كل حججها الواهية أن يعبّروا بموقفٍ واحد إن الشعب بأكمله بات لا يحتمل سير عجلة الفساد إلى أبعد من ذلك.

حتى جاء يوم الـ٢٥ من تشرين الأول 2019 ليعاود الشباب انتفاضتهم نحو اسقاط النظام بعدما خرجوا في الأول من الشهر ذاته يطالبون بإصلاحه لكن ما جوبه به الشباب من قمع بأشد الوسائل دفع لأن يكون الشعار هو نحو الاسقاط لتكن رهف ومن معها الشرارة الأولى بدفع باقي الفتيات للخروج لتلبية نداء الوطن وأن يكسرن تابوهات المجتمع التي طالما وضعتهن بالخانة الأضعف.
وبالنظر لما كان يتعرض له المحتجون من قمع على جسر الجمهورية الرابط بين المنطقة الخضراء معقل الحكومة وساحة التحرير أشرعت ابنة الـ٢٣ ربيعاً ومن معها من رفيقاتها بالعمل على تقديم الإسعافات الأولية للمصابين.

استمرت رهف هاني طالبة في طب الأسنان في عملها داخل الساحة كمسعفة قرابة اسبوعين حيث كانت تخرج يومياً ومنذ ساعات الصباح الأولى من منزلها متوجهةً إلى ساحة التحرير ولا تترك عملها حتى ينتهي النهار لتعود إلى المنزل.
بعد ذلك تمركزت التظاهرات بشكلٍ أكثر أريحية بعدما أجبر الشباب المحتجون القوات الحكومية على خفض التصعيد بسلميتهم حيث انخفض معدل الإصابات كما توسعت الكوادر الطبية المختصة وتنظيم عملها ليتم إنشاء المفارز الطبية المجهزة ومن ثم المستشفيات الميدانية لتترك رهف عملها كمسعفة.

لكن ذلك لم يجعل من ذات الشعر القصير عدداً لا قيمة له داخل الساحة بل فتح لها باباً نحو نشاطاً آخر جعل من الساحة لوحة ينظر لها كل العالم إذ توجهت تلك الطموحة لبلدها لا أن تكون دكتورة مستقبلية فقط بل رسامة يحتذى بها.
فبعد انخفاض وتيرة الصدامات بدت الساحة زاخرة بالعديد من الفعاليات المميزة كان لرهف نصيباً منها حيث كانت إحدى رسامي الغرافيتي الذين زينوا نفق التحرير والمطعم التركي مركز قاعدة التظاهرات أو "جبل أحُد" كما يحلو للمحتجين تسميته بأجمل الرسومات.

وعلى الرغم من أنها لم تمارس رسم الغرافيتي من قبل بشكل عملي لكن شغفها وحبها للعطاء جعل من لوحة الفتاة التي رسمتها وهي تحمل راية مكتوب عليها سننتصر وترتدي قلادة تحمل جميع الأطياف داخل النفق أحد أجمل الأعمال الفنية التي أفرزتها الساحة.

بات اسم رهف يرفرف بين المضحين داخل الساحة ليدب الخطر إلى أهلها حيث بدأت الميليشيات باستهداف الناشطين حتى سجلت مفوضية حقوق الانسان ٦٨ حادثة بين قتلٍ وتغيب لتمنع رهف من الذهاب إلى الساحة خوفاً من أن يصيبها مكروه.
"عندما أنجزت عملي وقررت أن أذهب إلى البيت استقليت سيارة الأجرة حتى بدأ السائق يتقصى بأسئلته عني بأدق التفاصيل لأنتبه أنه كان يخطط لعملية خطف "
إلا أنها أصرت على الذهاب إلى التحرير وبينما كانت في اليوم الأخير من انجاز رسمتها داخل النفق كان هناك من يخطط لأن يجعله اليوم الأخير بحياتها إذ تقول بحديثٍ لـ (وكالة يقين): "عندما أنجزت عملي وقررت أن أذهب إلى البيت استقليت سيارة الأجرة حتى بدأ السائق يتقصى بأسئلته عني بأدق التفاصيل لأنتبه أنه كان يخطط لعملية خطف".

لتضيف "ما دعاني أن استغل زحمة السير في أحد التقاطعات الحيوية لأفتح باب السيارة وأرمي له أجرته لأقصد أحد الأماكن الذي تشغله الناس العامة بكثرة حتى وصل إلي أخي".

كان ذلك سبباً لأن تنقطع الفتاة عن الساحة لفترة قصيرة لكن وبما أن التحرير باتت عشقٌ لا يصحو صاحبه منه عادت رهف بالتردد إلى الساحة إلا أن هذه المرة ليس باستمرار لتتعرض من جديد هي وإحدى رفيقاتها لمحاولة خطف أفسدتها بشجاعتها عندما استمر شاباً بمراقبتها طوال اليوم حتى تمكنت من إضاعته في اللحظات الأخيرة التي اتضح فيها أنه كان ينتظرها خارج الساحة حسب ما تقول.

كل ذلك أجبر رهف بعدم الذهاب حيث كانت تقطع مسافة ليست بالقليلة للوصول إلى الساحة يمكن أن تتعرض فيها لأي خطر صار ترددها على الساحة يتراوح بين حيناً وآخر لكن ذلك لم يؤثر على أن تكون مواظبة بالخروج كل يوم أحد من الاسبوع بمسيرة مع أقرانها الطلبة منددة بجرم منظومة الحكم وفسادها التي استخدمت أبشع وسائل القمع مكلفة المجتمع خسارة 700 شهيد وأكثر من22 ألف مصاب.