دخل حظر التجوال في العراق اسبوعه الرابع، بعد أن كان قد فرض قبل 3 أسابيع في محاولة لمنع انتشار فيروس كورونا المستجد الذي اجتاح العالم ولا يزال مستمرا.
العراق الذي سجل حتى اللحظة 1279 إصابة بالفيروس و70 حالة وفاة، لا تزال إجراءات الحكومة مستمرة بتعطيل جميع القطاعات الحكومية والخاصة مع غياب الدعم الحكومي للأكثر فقرا.
ومع استمرار الإجراءات الحكومية الساعية للحد من انتشار الفيروس، ينتشر الجدل بين العراقيين بجانب أن قطاع الموظفين والمتقاعدين يتلقون رواتبهم في الوقت الذي أغفلت فيه الحكومة عن بقية قطاعات المجتمع كالكسبة والعمالة اليومية.
"خلية الأزمة والحكومة لم تفلحا في التعامل مع أزمة كورونا من جانب الإجراءات الوقائية التي تركت ملايين العراقيين من دون مصدر رزق"
"هذا ليس عدلا، نحن لم نحظى بفرصة الحصول على وظيفة حكومية أو راتب تقاعدي بسبب فساد الحكومة"، بهذه الكلمات يصف المواطن البغدادي الحاصل على شهادة البلكوريوس في الإدارة والاقتصاد "حمدي الجبوري" الوضع في العراق في ظل انتشار جائحة كورونا والإغلاق المستمر للبلاد الذي دخل اسبوعه الرابع.
ويضيف الجبوري لوكالة "يقين" أنه ليس من العدل أن تستمر الحكومة في دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين (وهو حقهم) في الوقت الذي تتغاضى فيه عن الأكثرية الشعبية التي لا تملك قوت يومها، مشيرا إلى أن الفقراء دائما ما يكونون الأكثر تأثرا في جميع المصاعب التي تواجه العراق.

من جهته يشير الباحث الاقتصادي "خضر إبراهيم" في حديثه لوكالة "يقين" إن قرابة الـ 8 ملايين عراقي يتقاضون رواتب من الحكومة وهم الموظفون المدنيون والمتقاعدون والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي والمتعاقدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، وبالتالي فإن نسبة كبيرة من موازنة البلاد تذهب كموازنة تشغيلية للرواتب.
وعن حرمان بقية فئات الشعب من أي إعانات خلال الأزمة الصحية التي تعصف بالبلاد وما نتج عنها من حظر للتجوال وتعطيل الحياة، يضيف إبراهيم أن الواقع في العراق مؤلم، إذ أن الحكومة تفتقر للاستراتيجية في التعامل مع أي أزمة، وبالتالي فإن الحكومة تبدو عاجزة عن تقديم أي إعانة مادية أو مالية للطبقة الاجتماعية الأكثر فقرا، والذين يقدر عددهم بنحو 4 ملايين نسمة، لافتا إلى أن هذا الرقم يضم العاطلين عن العمل والشرائح الأكثر فقرا التي تعمل بقوتها اليومي.
"هناك قرابة الـ 300 ألف عائلة تضررت من حظر التجوال بنسب متفاوتة"
من جانبه يرى عضو غرفة التجارة العراقية "مهند جاسم" في حديثه لوكالة "يقين" أن خلية الأزمة والحكومة لم تفلحا في التعامل مع أزمة كورونا من جانب الإجراءات الوقائية التي تركت ملايين العراقيين من دون مصدر رزق ومن دون تقديم أي إعانات مالية أو غذائية.
ويعتقد جاسم أن إطالة أمد حظر التجوال وعلى الرغم من أنه قد يؤتي ثماره في الحد من انتشار الفيروس، إلا أنه قد يؤدي إلى زيادة نسبة الفقر في البلاد ما قد يؤدي بالمحصلة إلى زيادة مطردة في الجرائم والسطو المسلح، إضافة إلى كسر الناس لحظر التجوال بغية توفير لقمة العيش.
وتعلق النائب في البرلمان وعضو اللجنة الاقتصادية "ندى شاكر جودت" في حديثها لوكالة "يقين" على الوضع الحالي، بأن هناك قرابة الـ 300 ألف عائلة تضررت من حظر التجوال بنسب متفاوتة.
وتشير جودت إلى أن الحكومة ووفقا لبيانات وزارة التجارة، كان يمكن لها أن تضخ مزيدا من المواد الغذائية للعوائل الفقيرة، لافتة إلى أن وزارة التجارة كانت قد أكدت أن لديها خزينا استراتيجيا يكفي لـ 3 أشهر، بحسبها.
"الحكومة بعيدة عن الشعب في جميع المجالات، وبالتالي فإنها وعند فرضها حظر التجوال لم تفكر في الطبقة الفقيرة"
تتعدد الأزمات التي يعيشها العراق فبعد أن كانت الأزمة السياسية تعصف بالبلاد على مدى الأشهر الماضية، جاءت أزمة فيروس كورونا التي رافقتها أزمة اقتصادية وانهيار أسعار النفط.
ويقول الصحفي "عمر صلاح" في حديثه لوكالة "يقين" إن النظام السياسي الحالي لم يستفد من التجارب السابقة، موضحا أنه كان يمكن للحكومة أن تعالج معاناة الفقراء خلال حظر التجوال من خلال البطاقة التموينية.
ويلفت صلاح إلى أن الحكومة لو عمدت إلى توزيع مفردات البطاقة التموينية على النحو الذي كانت عليه قبل عام 2003، لما وصل الحال بالفقراء خلال حظر التجوال إلى ما وصلوا إليه اليوم، وكانت هذه المواد الغذائية ستكفيهم لشهر كامل، وبالتالي التزام أكثر بحظر التجوال وتراجع النقمة الشعبية على الحكومة، بحسبه.
أما الخبير الاقتصادي "بشار البدراني" فيرى أن الحكومة بعيدة عن الشعب في جميع المجالات، وبالتالي فإنها وعند فرضها حظر التجوال لم تفكر في الطبقة الفقيرة في المجتمع والتي يصل تعدادها إلى الـ 5 ملايين نسمة، وبالتالي تشهد الكثير من المدن كسرا لحظر التجوال مع تفاقم المخاطر من انتشار فيروس كورونا.

وعن الأوضاع الاقتصادية وتراجع أسعار النفط والضائقة المالية، يؤكد البدراني على أنه كان يمكن توفير مواد غذائية للأكثر فقرا، من خلال آلية بسيطة طبقت في بعض دول العالم التي تهتم حكوماتها بالشعب، إذ وكما هو معلوم فإن حظر التجوال يقترب من إكمال شهره الأول، وبالتالي كان يمكن للحكومة ومن خلال خلية الأزمة أن تعمد إلى تقليص رواتب الدرجات الخاصة بمقدار النصف مع استثمار نفقات النثرية للرئاسات الثلاث ومكاتب الوزراء والدرجات الخاصة ولجميع الدوائر، وبهذه الطريقة تكون الحكومة قد وفرت أموالا طائلة لأجل ضخها للفقراء من دون أن يؤدي ذلك إلى تخلخل عمل دوائر الدولة المتوقفة أصلا بفعل الحظر.
"القطاع الخاص يعمل فيه قرابة الـ 10 مليون عراقي، وهؤلاء جميعهم توقفت أعمالهم، إلا أن الأكثر تضررا هم الذين يعملون بنظام المياومة (الأجر اليومي)"
ويرى التاجر "حسام حيدر" في حديثه لوكالة "يقين" أن لا أحد يختلف في مدى نجاعة حظر التجوال والإغلاق في مواجهة فيروس كورونا، إلا أنه يرى أن للعراق خصوصيته، فالقطاع الخاص يعمل فيه قرابة الـ 10 مليون عراقي، وهؤلاء جميعهم توقفت أعمالهم، إلا أن الأكثر تضررا هم الذين يعملون بنظام المياومة (الأجر اليومي).
ويلفت حيدر الذي يعمل في مجال تجارة المواد الغذائية أن قطاع تجارة المواد الغذائية يكاد يكون الأقل تضررا، إلا أنه لا يعدو عن كونه جزءا بسيطا من سوق العمل في البلاد.
ويقترح حيدر على الحكومة وخلية الأزمة أن تسعى لحل هذه الإشكالية التي إن طال أمدها، فإنها ستنعكس سلبا على مختلف الأصعدة، سيما أن حظر التجوال سيستمر لمدة غير معلومة وأن غالبية الناس استنفدوا ما لديهم من أموال ومواد غذائية، وبالتالي فالوضع حرج جدا، بحسبه.
هي مشكلات متراكبة في العراق، فجائحة كورونا عطلت الاقتصاد المتداعي أصلا، في ظل تغافل الحكومة عن مبدأ العدالة في البلاد مع استلام الموظفين والمسؤولين لرواتبهم رغم جلوسهم في البيت، مقابل الفقر الذي يطحن شريحة واسعة من العراقيين من دون تقديم أي معونة حكومية لهم.